.

«سلم نفسك».. المسرح كما يجب أن يكون

Foto

كيف نجحت المسرحية فى تقديم عرض كوميدى بعيد عن تسطيح الفكرة وتهميشها لأجل الإضحاك؟


لم يكن غريبًا أن يحقق العرض المسرحى «سلم نفسك» الذى قدمه مركز الإبداع بدار الأوبرا كل هذا النجاح، وعلى كل المستويات.. نعم لم يكن غريبًا هذا النجاح، فطالما كان المركز وطلابه شركاء فى نجاح الكثير من التجارب التى أثارت ضجة كبرى فى الأوساط الفنية ووصلت بأبطالها إلى صدارة الصفوف الأولى فى أى عمل فنى جديد.

فى «سلم نفسك» نحن أمام عرض ارتجالى من الدرجة الأولى، تدور أحداثه حول السلبيات المسيطرة على المجتمع المصرى، ومنها الشائعات والإرهاب والعنف ضد المرأة والنميمة والفهلوة وجحود الأبناء، وغيرها، وذلك من خلال قالب استعراضى يضم مجموعة من المشاهد التى تجمع بين الدراما والكوميديا.
طبعًا كان اختيار تلك الإشكاليات التى تؤرق الشارع المصرى أحد أهم الأسباب التى أدَّت إلى نجاح العرض ورفع لافتة كامل العدد فى كل الليالى التى تجاوزت مئة ليلة ويزيد، لكنَّ هناك مزيدًا من التفاصيل وكثيرًا من العناصر التى ضمنت لـ«سلم نفسك» التفوق على كل المسرحيات المعروضة فى الموسم نفسه، وهو ما يجعلنا أيضًا نتوقف هنا أمام التجربة التى تخوض كما حال التجارب المسرحية الجادة فى مصر الآن تحديات كبرى خصوصًا أنها تقف فى مواجهة المسرح التليفزيونى على شاكلة «مسرح مصر» وما شابه، والتى يراها قطاع كبير من الجمهور هى المسرح وما دونها غير ذلك رغم أن الحقيقة عكس هذا الطرح.
وهنا يمكنك أن تسأل كيف انتصر «سلم نفسك» فى مواجهة العروض التليفزيونية المُعلبة رغم أن العرض بلا دعاية ورغم أن أبطاله ليسوا من النجوم ورغم أن ميزانيته لا تتعدى ثمانين ألف جنيه ويُعرض فى مسرح صغير؟ هل لأنه يحمل توقيع المخرج خالد جلال أحد أهم مكتشفى النجوم فى السنوات الأخيرة؟ أم تُرى لأن حضور العرض يبقى بالمجان وبلا أى مقابل؟ أسئلة مشروعة تحركها فكرة البحث عن هوية المسرح المصرى الذى يعانى الأمَرّين منذ فترة طويلة بسبب هجر الجمهور له بعدما رأى فيه مجرد تسلية و«خروجة» لا تعكس ما يعيشه من هموم ومشكلات.
لقد أدرك خالد جلال وفريق عمله الذى قضى فترة تدريب تتجاوز العامين أنهم يحملون على عاتقهم مهمة إعادة الجمهور «الطفشان» من جديد إلى خشبة المسرح المهجورة، فراحوا بكل صدق ينسجون المشكلات واحدة تلو الأخرى، ليطرحوها فى قالب كوميدى بعيد عن الابتذال كما نرى دومًا فى التجارب التى تتسيد الواجهة الآن.
وقف أبطال العمل بطاقاتهم وحيويتهم ونضوجهم وقبل كل هذا صدقهم فى طرح مشكلات بلدهم دون انتظار الثمن بتحقيق شهرة زائفة أو جنى الأرباح، ليبقى هؤلاء رهان خالد جلال على كسب الجمهور وإعادته من جديد إلى المسرح.
برع الشباب فى تجربتهم، قدموا شخوصًا ونماذج متعددة فى عمل واحد، تنقلوا بين المشاهد والمشكلات بحرفية يحسدون عليها، وبطاقة لا يقدر على توظيفها داخل إطارها الصحيح سوى النجوم المخضرمين، جعلوا الجمهور يبكى ويضحك، يفكر ويحلل، يسأل ويحاول إيجاد الجواب، ورغم أن مدة العرض طويلة نسبيًّا «ساعتين» فإن أحد لم يشعر بأى ملل، ذلك أن الوجبة التمثيلية كانت مشبعة، لا تقدر على رفضها أو لفظها بل تتمنى لو أنها تمتد إلى أكثر من ذلك.
وكما ضرب العرض فى مقتل قاعدة أن تقديم عرض كوميدى يعنى بالضرورة تسطيح الفكرة وتهميشها لأجل الإضحاك، وقدم تجربة راقية تُعمل العقل وتدفعه باتجاه البحث عن الذات والهوية، نجح أيضًا فى أن يقدم لنا درسًا بأن الدعاية والاعتماد على الأسماء الرنانة من النجوم لا يمكن أبدًا أن تكون الضمانة لنجاح التجربة الفنية، ولك أن تعرف هنا أن المسرحية لم تُقدم لها أية دعاية اللهم «بانر» وحيد على باب مركز الإبداع، ورغم ذلك تسابق الجميع إلى العرض، كبار النجوم وكبار المسؤولين جنبًا إلى جنب مع المثقفين وحتى الجمهور العادى الذى وجد فى التجربة ما يصحح مفاهيمه المشوشة عن المسرح.
إننا أمام تجربة ثرية تُخلص المسرح من عثراته التى نمت وترعرعت لسنوات دون محاسبة من أحد، وتثبت فى الوقت ذاته أن المسرح الجاد ما زال حيًّا، وأن له مكانة كبرى بين الناس وأن حجج الظروف وتعلل المنتجين بأن «الجمهور عايز كدة» وإن كانت قد أجبرت البعض على تقبل التجارب «الماسخة» وتمريرها على أنها «المسرح كما يجب أن يكون»، فإن هناك حصنًا اسمه مركز الإبداع ما زال قائمًا يذود عن المسرح فى مواجهة كل مَن يحاول النيل من هذا الفن الذى سيبقى دائمًا وأبدًا «أبا الفنون».

هامش
سلم نفسك
المسرحية نتاج مادة الارتجال لقسم التمثيل للدفعة الثالثة من بطولة طلبة مركز الإبداع. إعداد وإخراج خالد جلال رئيس قطاع الإنتاج الثقافى.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات