.

الحريات والقدس وكوريا الشمالية.. أسباب مجىء بنس إلى القاهرة

Foto

ما أبرز مطالب الجانب الأمريكى حول كوريا الشمالية؟ ما الذى طرحه بنس حول القدس ومحتجزين أمريكيين فى السجون المصرية؟


فى وقت عاصف شهدته الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن فشل أعضاء الحزبَين الجمهورى والديمقراطى فى مجلس الشيوخ فى الاتفاق على مشروع موازنة مؤقتة مساء «الجمعة» الماضية، مما دفع البلاد إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية، كان على نائب الرئيس الأمريكى مايك بنس، أن يغادر مضطرًّا إلى القاهرة. فهذه المرة لم يكن واردًا أن يتم التراجع أو تأجيل زيارته إلى مصر والمنطقة، بعد أن جرى التأجيل مرتَين فى السابق، كان آخرهما فى ديسمبر بسبب ما قيل إنه احتياج من إدارة ترامب إلى بنس فى المساعدة الداخلية فى تمرير مشروع قانون الضرائب فى الكونجرس، وهو المشروع الذى كان يحظى بأهمية كبيرة لدى ترامب. لكن هذه المرة حتى إن كانت هناك حاجة حقيقية إلى بقاء بنس فى أمريكا فى وقت عصيب وكما قُلنا سيبدو التأجيل مريبًا كونه للمرة الثالثة، وكون الترتيبات قد تم إعدادها على مدى شهر تقريبًا، إذ قد يتم تأويل التأجيل أو قد يُساء تفسيره على أنه توتر فى العلاقات مع مصر أو الأردن أو كلتا الدولتَين على خلفية قرار ترامب بالاعتراف ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

ثم هناك الحاجة أيضًا إلى امتصاص تداعيات القرار الذى خلف موجة من الغضب فى المنطقة العربية، وقد رفض فى أعقابه كل من شيخ الأزهر والبابا تواضروس والرئيس الفسطينى أبو مازن لقاء بنس، وقد اعتبر الأخير أمريكا لم تعد طرفًا محايدًا فى عملية السلام.


لكن، وعلى غير المتوقع، فإن الزيارة المهمة التى تعد الأولى لمسؤول أمريكى على هذا المستوى إلى مصر منذ سنوات، والتى التقى فيها بنس الرئيس المصرى يوم السبت الماضى، لم تحظَ بزخم إعلامى كافٍ أو كشف لما جرى بها يتجاوز تحديد المشاركين فى الاستقبال مع الرئيس (وزير الخارجية ووزيرة التخطيط ووزيرة السياحة والقائم بأعمال رئيس المخابرات العامة)! أو يتجاوز العبارات الدبلوماسية العامة والتقليدية حول الشراكة الاستراتيجية وعمق العلاقات بين الجانبين، وإلى آخر هذا الحديث التقليدى الذى لم يطَّلع المتلقى على أى جديد يخلص إليه بمراجعة ما نشره المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية فى بيانه على موقع «فيسبوك»!


وهنا، فلربما هو زخم الأحداث فى الفترة نفسها الذى جعل الزيارة تحظى بقدر قليل من الاهتمام والتقصِّى من وسائل الإعلام المصرية المستقلة لصالح الانشغال بانتخابات الرئاسة وما يتعلق بها من تطورات جرت سريعة خلال الأسبوع الماضى، أو لربما كانت هناك رغبة مفرطة فى الإفراج فقط عن القليل من المعلومات عن عمد، وهى فرضية قد تعززها ما سردته صحف أجنبية من بينها «تايم» و«واشنطن بوست» وموقع «بلومبرج» حول وقائع أزمة جرت بين الصحفيين الأجانب الذين جاؤوا مع بنس، بينما رفضت السلطات المصرية تغطيتهم الاجتماع فى البداية، ومنعتهم من الخروج من الأوتوبيس الذى أقلَّهم إلى القصر. لكن فى النهاية تم السماح لهم بدخول القصر دون حضور الاجتماع أو التقاط الصور.

ثم بعد ما يقرب من ساعة ونصف الساعة، وبتدخل شخصى من نائب الرئيس الأمريكى مايك بنس، سمح لهم بالدخول لحضور إلقاء بيان مقتضب حول الزيارة والتقاط بعض الصور.


البيان الذى ألقاه بنس وقتها لم يتجاوز ثلاث دقائق ونصف الدقيقة، كان بيانًا عامًّا شكر فيه الرئيس عبد الفتاح السيسى على الضيافة، وأشاد بقيادته وعلاقات الود بينه وبين ترامب، واستخدم فيه تصريحات دبلوماسية عامة لا تختلف كثيرًا عن بيان المتحدث المصرى باسم رئاسة الجمهورية، حيث تأكيد الشراكة الاستراتيجية وعمق العلاقة التاريخية بين البلدين، وأن الاجتماع تناول جوانب عدة اقتصادية وتجارية وأمنية، مؤكدًا استعادة الطرفَين شكل العلاقة القريبة فى العام الأخير بعد ما بدا أنه تباعد فى السنوات السابقة بين مصر وأمريكا، ووقوف أمريكا «كتفًا بكتف» إلى جانب مصر فى الحرب ضد الإرهاب، والأسى الذى شعرت به أمريكا فى أعقاب الهجمات الإرهابية التى استهدفت كنائس ومساجد فى مصر.

غير أن المزيد من التفاصيل حول المباحثات التى تمت مع الرئيس السيسى لمدة تقرب من ساعتين ونصف الساعة كان قد أطلع بنس عليه الصحفيين الذين كانوا برفقته فى المطار قبل صعوده إلى طائرته، بعد أن فرغ من تناول عشاء مع الرئيس السيسى فى القصر الجمهورى، وَفق ما ذكر بنس، وإن كان بنس حافظ على لغته الدبلوماسية التى كرر فيها الكثير من جمله وعباراته أكثر من مرة، لكنه خرج قليلًا من العموميات إلى المزيد من التفاصيل التى يبدو منها أن الحديث مع الرئيس السيسى تناول العديد من الأمور، كان بينها قضية مكافحة الإرهاب التى يوجد فيها تعاون قوى بين مصر وأمريكا فى مناطق مختلفة، وتأكيد بنس الدعم الأمريكى الحاسم لمصر فى هذا الملف.

ثم كان حديث بنس مع الرئيس عبد الفتاح السيسى حول ملف كوريا الشمالية، وما وصفه بنس فى حديثه وعبَّر عنه للرئيس المصرى أنه «أولوية لدى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، لعزل كوريا الشمالية اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا»، حيث طالب مصر «بعدم تواصل أى خطوط دبلوماسية مع كوريا الشمالية»، وقد أشار بنس إلى أن «الرئيس السيسى استقبل الأمر جيدًا» (He received it well)، وهو لديه أمل (أى بنس) فى أن مصر سوف تأخذ موقفًا تنضم به إلى دول أخرى تقف فيه مع الولايات المتحدة، لعزل كوريا الشمالية.


كما أكد بنس أنه تحدث إلى الرئيس السيسى حول قضية الحريات الدينية، كونها قضية ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الشعب الأمريكى، وناشد الرئيس السيسى فى هذا الشأن بدعم التنوع الدينى فى مصر والحاجة إلى إصلاح القوانين المتعلقة بعمل الجمعيات الأهلية فيها، وهو ما كانت هناك محادثات منتجة وبناءة بشأنه.


وأثار بنس مع الرئيس السيسى قضية مواطنَين أمريكيَّين سُجنا عدة سنوات فى مصر منذ عام 2013، ونقل بنس عن الرئيس السيسى ردَّه أنه «سيولِى اهتمامًا شخصيًّا لقضاياهما». وقال بنس إنه قال للسيسى «إننا (أى أمريكا) نود أن نرى مواطنينا يأتون إلى ديارهم»، مضيفًا «لقد قدمت ذلك واضحًا له». المواطنان الأمريكيان اللذان أشار إليهما بنس هما مصطفى قاسم وأحمد عطوى، يحملان الجنسية الأمريكية، ومعتقلان منذ سنوات على خلفية مشاركتهما فى احتجاجات.

وحينما سُئل بنس هل أثار قضايا حرية الرأى والتعبير وقضايا أخرى متعلقة بحقوق الإنسان، عاد إلى لغته الدبلوماسية، مؤكدًا أنه تحدث مع الرئيس السيسى بشكل عام حول قضايا التنوع فى مصر، وأنه يرى الرئيس المصرى يمضى بمصر إلى الأمام. أما عن ملف القدس، فقد قال نائب الرئيس الأمريكى إن الرئيس السيسى أخبره فى الاجتماع ما قاله قبل ذلك فى العلن عن «عدم الاتفاق بين الأصدقاء» (يقصد بين مصر وأمريكا) حول القرار الأمريكى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، لكن بنس قال إنه كان حريصًا على أن يبيّن للرئيس السيسى، وبخلاف تأكيد ترامب القرار، أنه أكد فى الوقت ذاته أن التزام أمريكا بالإبقاء على الوضع الحالى فى ما يتعلق بأماكن العبادة المقدسة فى القدس، وأن أمريكا لم تتخذ أى قرارات بشأن الحدود، وأنه ذكَّر الرئيس السيسى ما قاله الرئيس ترامب حول أنه حال اتفاق الطرفَين سوف تدعم أمريكا حل الدولتَين. وهنا قد أضاف بنس فى توصيفه رد فعل الرئيس السيسى «انطباعى أنه تشجَّع بسبب تلك الرسالة».

وقد أكد بنس أنه سوف يقوم بنقل تلك الرسالة إلى القيادة السياسة فى الأردن وإسرائيل، واستعداد بلاده لاستئناف عملية السلام ما بين الطرفَين، لإنهاء عقود طويلة من النزاع.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات