.

4 كتب يجب أن تقرأها لصلاح عيسى

Foto

ى مايو 1950، فى مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، أعلنت البرنسيسة فتحية، ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق،


الكُتاب نوعان، الأول يرحل أثره من الحياة فور مغادرته الدنيا، ذلك لأن حضوره كان قائمًا على شخصه وذاته وصخبه وقدرته على فرض اسمه. والثانى يتعاظم أثره بعد رحيله، ذلك لأنه ترك خلفه ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض. وقد كتب بعرقه ودمه وعقله وروحه، وربما دفع من حريته وحياته ثمنًا لما كتب أيضًا. صلاح عيسى يأتى على قائمة النوع الثانى بكل تأكيد؛ ولهذا فإن كتبه وأسفاره ستظل ملهمة لأجيال وأجيال. وهذه الكتب بعض مما ترك لنا من ثروة لا تُقدر بثمن:
 
1- البرنسيسة والأفندى 
فى مايو 1950، فى مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، أعلنت البرنسيسة فتحية، ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق، زواجها بشاب مصرى لا يحمل إلا لقبًا متواضعًا يمنحه الناس لبعضهم بعضًا على سبيل المجاملة، هو رياض أفندى غالى، الذى كان -فضلاً عن ذلك- قبطيًّا أرثوذكسيًّا!
فجر هذا الحدث أزمة سياسية واجتماعية ودينية فى مجتمع كان على وشك الانفجار بالأساس، ووجد الملك فاروق نفسه مضطرا أمام سيل من الحملات الصحفية الشرسة أن يصدر أمرًا ملكيًّا يقضى بتجريد شقيقته المتمردة من لقبها الملكى، ومعها والدتها العصية على الترويض، الملكة نازلى، لتصبح البرنسيسة تحمل لقب «فتحية هانم صبرى». لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك. 
بعد ذلك الحدث المدوى بعشرين عامًا، أخرج الأفندى «رياض غالى» مسدسه، وأطلق الرصاص على البرنسيسة السابقة فقُتلت من فورها، ثم صوّب مسدسه نحو رأسه فمات بدوره منتحرًا، معلنًا نهاية دراماتيكية لهذه الزيجة التى هزت فعليًّا عرش مصر.
هذا أحد أسفار صلاح عيسى الخالدة، أكثر من 600 صفحة من القطع الكبير، مليئة بالمتعة والاستعراض السياسى والمجتمعى لمصر خلال نحو ربع قرن، ومكتوبة بأسلوب روائى شائق، يجعل القارئ وهو ينتهى من التهام الصفحات يردد ما ختم به عيسى كتابه: «.. دنيا».
 
‪-‬2 مثقفون وعسكر
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة 1986، كان أهل اليسار المؤمنون، وعلى رأسهم صلاح عيسى، يعيشون فى صدمة «السلام مع إسرائيل»، ويحاولون استيعاب الزمن الجديد الذى لا صوت يعلو فيه على صوت «الاستقرار»، والذى صار فيه نشر صورة علَم إسرائيل فى الصفحة الأخيرة من جريدة الشعب المعارضة «إنجازًا». زمن محبط، استدعى إلى صلاح عيسى أن يعيد ترتيب أوراقه، ليكتشف أنه قد كتب على مدار نحو 20 عامًا ما يمكنه وصفه بـ«السيرة الذاتية لجيلنا»، ذلك الجيل الذى نما وعيه على أربعينيات القرن الماضى، ثم اشتبك مع أحلامه فى الخمسينيات والستينيات قبل أن يجد نفسه فى مأزق وجودى حقيقى مع أفكاره فى السبعينيات.
يفتتح الكتاب بفصل عنوانه «دقات جنائزية على دفوف الستينيات»، والذى كتبه عيسى عن الأديب يحيى الطاهر عبد الله، وقد كتب عيسى فى الهامش أنه افتتح الكتاب بهذا الفصل عمدًا؛ لأنه «أقرب إلى سيرة موجزة لتاريخ جيلنا». ويبدو أن اختيار أن تكون نهاية الكتاب عبارة عن ثلاثة حوارات مطوّلة مع محمد حسنين هيكل مقصود أيضًا؛ ذلك لأن الحوارات تلك أجريت عقب الحملة الصحفية الشرسة التى طالت هيكل عقب صدور كتابه المثير للجدل «خريف الغضب»، والحوارات هذه فضلاً عن أنها درس حقيقى فى كتابة الحوارات الصحفية بطريقة تجعل القارئ كأنه يراها، فهى أيضًا درس فى طريقة التحاور مع ثعلب مخضرم فى دروب السياسة والصحافة مثل هيكل، ثم إنها تعطى ملمحًا أيضًا لكيف كان نظام مبارك فى بداياته يدير معاركه مع آخر مَن تبقى من «أبناء عبد الناصر».
 
‪-‬3 الثورة العرابية
أول الكتب التى بشّرت بقدوم ذلك الصحفى الفذ والباحث الحقيقى والروائى الأصيل، المعروف اختصارًا بـ«صلاح عيسى».
من حسن الحظ أن مكتبة الأسرة قد أصدرت نسخة مخفضة من هذا السفر الضخم ضمن إصداراتها عام 2013، وقد يسهل معرفة أسباب ودوافع كتابة عيسى لهذه الدراسة الشاملة عن أولى الحركات المناهضة للاحتلال والفساد فى مصر الحديثة، عندما نعرف أنه كتب الإطار العام لهذا الكتاب فى الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 1967، وقد كانت شهورًا حزينة وسوداء بطبيعة الحال على كل مَن استفاق ذات يوم فعرف أن هناك تاريخًا مفصليًّا فى عمر الوطن هو 5 يونيو 1967.
يعترف صلاح عيسى بذلك صراحةً فى المقدمة: «كان لابد فى وقت عجز فيه الجميع عن تقدير ما يجب عمله، أن أنقذ نفسى من حالة أشبه بجنون الاكتئاب، وأن أعيد لها اتزانها، ولم يكن هناك مفر من التماس العزاء.. عدت إلى تاريخ بلادى فى تلك الأيام الحزينة، أقرؤه بحب كما لم أقرأه طول عمرى، تجولت فى العذاب المصرى العظيم، عبر عصور ضاربة فى القدم.. تعزيت عبر صفحاته السوداء -وما أطولها!- بأن الفجر يشرق دائمًا وبأن الموت لا يقهر الحياة مهما كان جبارًا وعاتيًا وغادرًا». يبدو هذا المقتبس ملهمًا للغاية، ليس لأنه يحاول أن يجد الأمل دومًا، وإنما لأن صلاح عيسى كتب مقدمة هذا الكتاب عام 1970، عندما كان نزيلاً فى معتقل طرة السياسى!
وكعادته، وبينما يوثق ويزيح الركام والأتربة عن الأدلة والشهادات والأوراق حينما يغوص فى التاريخ، لا يترك صلاح عيسى اللحظة الدرامية إلا وقد أمسك بها، فهاهو بعدما صال وجال، وفكك وحلل وفسر ما الذى حدث فى الثورة العرابية، يعود بقارئه إلى تلك اللحظة الموجعة التى مات فيها عرابى منبوذًا من أهل وطنه فى بلده»، يوم مات لم يجد أهله فى بيته نفقات جنازته فتكتموا عن نبأ الوفاة إلى اليوم التالى، إذ كان مقررًا أن تصرَف المعاشات بمناسبة حلول عيد الأضحى، وخرجت إحدى الصحف تكتب فى مكان متواضع: «علمنا أن المدعو أحمد عرابى صاحب الفتنة المشهورة باسمه قد توفى أمس»!.. دنيا.
 
‪-‬4 رجال ريا وسكينة
أحد الأعمال الجبارة لصلاح عيسى باقتدار.
الكتاب هنا لا يصحح أوضاعًا تاريخية خاطئة، أو يجرى وراء القصة المثيرة لذلك التنظيم العصابى الذى تخصص فى اختطاف وقتل السيدات فى الإسكندرية، فى بدايات القرن العشرين، وإنما هو بالفعل مسح تاريخى واجتماعى شامل للإسكندرية، ومن خلفها مصر فى هذا الزمن العجيب، وكيف أدت العوامل السياسية، والحروب العالمية، وما تبعها من تغيرات فى البنيان الاجتماعى المصرى، إلى صعود طبقات واختفاء طبقات، وظهور أنماط جديدة من الجريمة والسلوك الاجتماعى.
هو ملحمة صلاح عيسى الراسخة فى نحو ألف صفحة، يمكن التهامها فى ساعات من فرط المتعة والاستغراق فى عالم ثرى بتفاصيل مشوقة ومثيرة، وتدعو للتفكر والتدبير.
عقب صدور الطبعة الأولى من الكتاب عام 2002، تحول إلى مسلسل حقق نجاحًا كبيرًا بنفس الاسم عام 2005، ورغم الجودة الفنية للمسلسل، فإن قراءة الكتاب والغوص فى عالمه الخاص بأسلوب صلاح عيسى الأخّاذ يظل تجربة تستحق أن تخاض لكل مَن يحب قراءة الملاحم الأدبية الخالدة؛ ذلك لأن الكتاب كما قال عنه الأديب الراحل إبراهيم أصلان ذات يوم: «رغم أمانته التاريخية ووفائه للوقائع وظلالها فإن معجزته الحقيقية لا تتمثل فى الجهد المدهش الذى بذل فيه، والذى كان جديرًا بمؤسسة أو عائلة من الباحثين‏،‏ ولكن معجزته تتمثل فى أنه يقدم لك عبر هذا البناء الروائى نماذج بشرية من لحم ودم على خلفية من جغرافيا واضحة للحوارى الضيقة والبيوت الرثة المعتمة فى وضح النهار».
هذا كتاب، كباقى أعمال صلاح عيسى، يظهر أنه فعلاً لم يكن كاتبًا واحدًا منفردًا، وإنما -بتعبير أصلان- عائلة من الكُتاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات