.

قبل أن تتكرر مأساة 1990 بقوات عربية فى سوريا

Foto

لماذا يمثل انخراط قوات عربية تطورًا خطيرًا للأزمة السورية؟


جاءت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية المصرى سامح شكرى، حول وجود مناقشات فعلية رسميًّا حول فكرة إرسال قوات عربية إلى سوريا خلال مشاركته فى احتفال لأحد إصدارات جريدة «الأهرام»، لتؤكد ما يثار سياسيًّا وإعلاميًّا منذ فترة حول توجه الولايات المتحدة للدفع بفكرة استبدال قوات عربية بقواتها فى سوريا، فى إطار فكرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، حول تحمل دول المنطقة دورها فى الصراعات القائمة بالمنطقة، وحديثه المستمر حول ضرورة تحمل دول المنطقة تكلفة ما يراه باعتباره حماية أمريكية لهذه الدول!

ورغم البيان السريع الذى أصدره المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية بعد نشر تلك التصريحات، لينفى فيه أن هذه القوات العربية سوف تشارك فيها مصر، وأن ذلك يخضع حسب البيان للإجراءات الدستورية والضوابط السياسية والقانونية التى تحدد إرسال قوات مصرية خارج البلاد، فإن البيان لم يغيِّر من مضمون تصريحات شكرى نفسه التى تؤكد ولأول مرة رسميًّا أن هناك نقاشات ومفاوضات وأطروحات فعلية قائمة بخصوص فكرة إقحام قوات عربية فى النزاع السورى، وهو ما كان المسؤولون السعوديون قد رحبوا به علنًا وأبدوا استعدادهم له قبل أسابيع قليلة.
اللافت أن تصريحات وزير الخارجية وبيان المتحدث الرسمى للوزارة جاءت بعد أيام قليلة من تأكيد وزير الخارجية نفسه أن فرنسا لم تطلب من مصر إرسال قوات إلى سوريا وذلك فى المؤتمر الصحفى المشترك مع نظيره الفرنسى خلال زيارته الأسبوع الماضى إلى القاهرة، وهو ما يؤكد أن هذا المقترح فكرة أمريكية خليجية بالأساس وليست مطروحة من الجانب الفرنسى، لكن الأهم هنا هو أن السؤال لا يخص فقط مدى مشاركة قوات مصرية فى مثل ذلك المقترح، وإنما يمتد إلى موقف مصر من الفكرة نفسها حتى لو لم تكن بمشاركة قوات مصرية، خصوصًا فى ظل علاقات يفترض أنها قوية ووثيقة بما يكفى مع السعودية وغيرها من دول الخليج التى تبدو مرحبة بهذه الفكرة، وما ينبغى معه أن تلعب مصر دورًا رئيسيًّا فى وأد تلك الفكرة وإجهاضها قبل ولادتها كى لا تتورط القوات العربية فى مزيد من إشعال الوضع السورى، خصوصًا أنه لا يبدو واضحًا ما طبيعة تلك القوات ودورها، باستثناء فكرة أنها قد تحل بديلًا للقوات الأمريكية التى يفكر ترامب جديًّا فى سحبها قريبًا من سوريا، وإن كانت تراجعه مؤخرًا بضغوط فرنسية يبدو مجرد استجابة مؤقتة لحين الوصول إلى اتفاق بخصوص فكرة القوات العربية كبديل.
ورغم التباينات طوال السنوات الماضية بين المواقف المصرية من ناحية والسعودية والخليجية من ناحية أخرى تجاه الوضع فى سوريا، فإن هذه القضية تحديدًا التى ستعنى رسميًّا انخراطًا مباشرًا لقوات عربية فى الأزمة السورية، وهو ما قد يمثل تطورًا خطيرًا دون شك، وقد يمثل تصعيدًا جديدًا بدلًا من أن تسعى الدول العربية لتكون جزءًا من الحل، لابد أن تشهد موقفًا مصريًّا رسميًّا واضحًا ومعلنًا، ودورًا واضحًا سواء مع الولايات المتحدة من ناحية أو مع الدول الخليجية من ناحية أخرى، لمنع تحولها إلى واقع، بكل ما يحمله ذلك من تهديدات، لا فقط على مستوى الملف السورى بل كذلك على مستوى الأزمات الإقليمية بشكل عام، فدخول قوات عربية إلى سوريا ودون أن يكون ذلك فى إطار حل سياسى بتوافق جميع الأطراف وبدور واضح ومحدد لتلك القوات لتصبح أقرب إلى قوات حفظ سلام لا بديلًا لقوات أمريكية ولا جزءًا من إدارة الصراع عسكريًّا، سوف يعنى عمليًّا احتمالات نشوب مواجهات عسكرية على الأرض السورية بين قوات عربية مدعومة أمريكيًّا فى مقابل قوات سورية مدعومة روسيًّا وإيرانيًّا، وهو قد يكون احتمالًا شديد الخطورة لا فى سوريا وحدها وإنما فى مجمل أوضاع المنطقة وملفاتها.
هذا السيناريو يبدو مدفوعًا برغبة محمومة أمريكيًّا للتخلص من أعباء التورط فى ملفات المنطقة ومنها سوريا، وقبول واستعداد سعودى وخليجى لضمان عدم ترك الساحة السورية أمام الوجود العسكرى الروسى- الإيرانى وحده فى حال انسحاب القوات الأمريكية فعلًا، وفى المنتصف يبدو موقف مصر حائرًا ومحيرًا، خصوصًا بعد تلك التصريحات الأخيرة التى رغم تأكيدها وجود تلك المناقشات ونفيها، لأنها تخص مصر على وجه التحديد، فإنها تعنى أن هناك احتمالًا قائمًا خصوصًا بعد الحديث عن إجراءات دستورية وضوابط قانونية وسياسية وهو ما يعنى أنه أمر وارد لكن وَفقًا لتلك الضوابط وليس مرفوضًا من حيث المبدأ وليس مرهونًا بطبيعة دور تلك القوات وقيادتها وتوجيهها ودورها، وهو تطور يبدو مقلقًا فى حقيقة الأمر.
ورغم ذلك فإن الموقف المصرى يبدو شديد الأهمية فى اكتمال مثل تلك الفكرة أو عدمه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحديث عن قوات عسكرية فى ظل وزن ودور الجيش المصرى مقارنة بغيره من الدول العربية المطروحة للمشاركة فى مثل تلك الفكرة، وهو ما يذكرنا مجددًا بمقترح القوة العربية المشتركة الذى سبق طرحه لأدوار ومهام محددة وقوبل ذلك المقترح بالرفض والتعطيل، ثم تم الإعلان عن تحالف إسلامى عسكرى فى مواجهة تلك الفكرة، ومن هنا يبدو واضحًا أن الفكرة المطروحة أمريكيًّا والمقبولة خليجيًّا لن تكون فى سياق حل سياسى، خصوصًا أن آفاقه تبدو غائبة وغائمة، كما لن تكون فى إطار دور محدد وواضح لمثل تلك القوات وإنما إقحام لها فى صراع التوازنات على الأرض السورية، ولهذا كله يبدو واجبًا أن تعلن مصر رسميًّا وبوضوح شديد رفضًا قاطعًا لتلك الفكرة وبذل كل الجهود لإجهاض ذلك المقترح مبكرًا، لا سعيًا لاستمرار القوات الأمريكية فى سوريا بالتأكيد وإنما رفضًا لإقحام قوات عربية فى الأزمة السورية بما يزيد الجراح العربية ويعيد تذكيرنا بما جرى فى 1990 عندما تورط الجميع فى مواجهة القوات العربية بعضها مع بعض بعد غزو العراق للكويت وبرعاية أمريكية، والتى كانت بداية للمصير الذى شهدناه بعدها بسنوات للعراق والمستمر حتى الآن، وصحيح أن الوضع السورى أيضًا يبدو شديد المأساوية على مدى السنوات السبع الماضية، إلا أن المقترح الذى يقدم مخرجًا وحلًّا لإدارة ترامب بالتأكيد لا يخدم فكرة الحل السياسى فى سوريا، ولا يخدم مصر ولا سوريا، حتى إن كان يخدم تصورات وأغراض أطراف عربية أخرى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات