يا زملكاوى الوعى فى دمك.. ديوان شعر سبعينياتى «بخطين حمر»

Foto

هل كان الزملكاوية ينتقدون التحكيم عام 1978؟ كيف وثق الشاعر رغبة لاعبى الزمالك الدائمة فى الاستعراض؟


فعلها الزمالك، لا أقصد هنا أنه فاز على الأهلى، لكنه فعلها وانتفض، حتى لو لم يفز، استنهض اللاعبون همتهم، استحضروا عظمة القميص الذى يرتدونه، تذكروا تاريخه وصولاته وجولاته، لم يأبهوا بقوة المنافس ولا بسلبيات إدارتهم، ولا باللجنة الخارجية التى تدير النادى، ولا بأى شىء سوى اسم الكيان.

بمن يذكرنا الزمالك هنا؟
يقول الرسام عمرو سليم فى قصيدته:
«الزمالك زى مصر
يعنى بعد النكسة والهزيمة
تيجى العزيمة
وتجيب معاها ألف نصر»!
ثمة روح خفيّة تمكث تحت أوردتنا نحن المصريين، ندمن الخمول والكسل واللا مبالاة، ثم تأتى لحظة ليست كأى لحظة، ربما تأتى على هيئة حرب، وقد تفاجئنا فى صورة ثورة، عندها يظهر المعدن الحقيقى، ويعم السؤال: من أين لنا هذا؟
التفسير الأوسع انتشارا أننا وطن يجر خلفه قرونا من الحضارة، أمة لها تاريخ، يمدنا ذلك بالقوة والجلد والكبرياء عند اللزوم.. هل يمكن أن تخضع القلعة البيضاء لنفس التفسير؟
كبيرٌ هو تاريخ هذا النادى العظيم، كبير لدرجة أنك قد تفاجأ وأنت تتجول بين مكتبات سور الأزبكية، بديوان شعر أبيض بخطين حمراوين يعود إلى سبعينيات القرن الماضى! حقا إن رأس مال الزملكاوية «دماغهم».
«ذكريات وأغانى للزملكاوية.. وكشف الحساب للأهلوية» هكذا جاء عنوان الديوان مباشرا وصريحا، ويحمل مواويل وأزجالا كتبها من وصف نفسه بـ«شاعر الزمالك» سيد عوض أبو زيد، فى كتاب من 175 صفحة من القطع المتوسط، صدر عام 1978 عن المؤسسة الثقافية للطباعة والنشر.
يبدأ الكتاب بصورة لمحمد حسن حلمى «زامورا»، ثم قصيدة عن عبد اللطيف أبو رجيلة، رئيسى النادى سابقا، ستتذكر أن الزمالك سبق وأن حكمه عظام، وأنه مر عليه وقت كان جمهوره مقتنعا ومحبا لرؤسائه!
«الزمالك كما أراه» هو عنوان الفصل الأول، فكيف يرى المؤلف القلعة البيضاء؟
يجيب:
«يا زملكاوى الوعى فى دمك ** طب من غيرك هيروح فين؟
والذوق كله بكل صراحة ** جالك يا زملكاوى منين؟
لحن اللعب ولحن هتافك ** جوة الملعب بقوا لحنين».
حضور دائم للوعى والذوق والفن فى كل ما هو «أبيض بخطين حمر».. يواصل الزجال سيد عوض أبو زيد:
«إنت زعيم الفن الكروى ** من أيام عهد الأجداد
برضه بقيت نغمة كروية ** بترددها بلاد وبلاد».
فى لاعبى الزمالك آفة تاريخية شهيرة، تتعلق بالميل المبالغ فيه للاستعراض، لدرجة تجعلنى أعتقد أن مدربى الناشئين يصفقون لمن يلعب الكرة بالكعب أكثر ممن سجل هدفا! لكنها آفة ممتعة على أية حال.. وستجد الكعب حاضرا فى هذا الديوان:
«ويهزم خصمه بالفن دوما ** بهندسة ومن كعب لكعبِ
وكم هز الشباك بكل فخر ** بأهدافٍ لها يهتز قلبى».
هذا شاعر يحب الزمالك بالعامية والفصحى، وعاد للعامية فى قصيدة ذكر فيها أسماء جميع لاعبى الفريق فى السبعينيات:
«عادل مأمور زى الصخرة ** بيصد قنابل كروية
غانم سلطان برضه فدائى ** ممنوع من عنده التعدية
جعفر مين زيه فى ملاعبنا؟ ** له ألف تحية وتحية
وشحاتة لو قال هيسجل ** بتكون له الكلمة النهائية».
يضع «شاعر الزمالك» يده على أهم ما يميز النادى الأبيض.. جمهوره:
«عظمة نادينا فى جمهوره الحبيب جنبه ** وحبه ملهوش حدود للنادى من قلبه
جمهور تاريخه عظيم فى الوعى والإخلاص ** بيقول زمالك ويطلب نصره من ربه
واللى يشوف الزمالك لو يا دوب مرة ** من نظرة واحدة يشوف الفن ويحبه».
ثم نأتى لأحد أهم أجزاء الكتاب، سماه المؤلف «تحقيق سرى جدا مع أحمد بلال» بينما لو اخترت له اسما سيكون «المقاومة بالشعر»! أى مقاومة ونحن نتحدث عن كرة القدم؟ هذه قصة طويلة.
موسم 1977-1978 الذى شهد حصول الزمالك على الدورى بفارق هدف عن الأهلى، شهد أيضا إلغاء هدف لمهاجم الزمالك على خليل فى مرمى الأهلى بداعى التسلل، أما الأزمة فكان سببها أن الحكم المساعد لم يرفع رايته مشيرا بالتسلل، بينما اتخذ حكم الساحة أحمد بلال القرار من تلقاء نفسه! وقتها رددوا منطقا يقول: «حكم الساحة له القرار الأول والأخير، وهو سيد قراره».
هذا الهدف لم يصل لجيل الإنترنت، لكن هدف حسن الشحاتة الملغى أمام الأهلى خلال موسم 1981-1982 وصل، وشاهد الجميع ما لا يمكن وصفه بألفاظ تتسم باللياقة واللباقة، هنا رفع الحكم المساعد عبد الرؤوف عبد العزيز الراية، ورغم غرابة الموقف، أخذ حكم الساحة محمد حسام الدين برأى مساعده، وألغى هدفا صحيحا بنسبة 1000000%، ليرددوا منطقا آخر يقول: «الحكم المساعد هو المسؤول الأول والأخير عن التسلل».. وبين المنطق الأول والأخير ضاع حق الزمالك.
كانت هذه مقدمة لابد منها قبل قراءة ما كتبه الشاعر عن إلغاء الهدف الأول، ولنسأل عما كان سيكتبه لو عرف أنه بعد سنوات قليلة سيلغَى هدف يشيب لإلغائه الولدان!
«جون لغاه أحمد بلال ** زود الدورى اشتعال
جون أكيد من غير مجادلة ** جون صحيح آخر جمال
راح سأل يومها المساعد ** قال له جون من غير جدال
برضه صمم ع اللى قاله ** مهما حامل راية قال».
وفى إشارة لواقعة إلغاء الدورى عام 1971 بعد اقتحام جماهير الأهلى ملعب مباراة القمة، عقب تقدم الزمالك بضربة جزاء احتسبها الحكم السكندرى «الديبة»، يواصل عن أحمد بلال:
«أصله خاف م الأهلوية ** أصل طوبهم بالنبال
عقدة الديبة راحت له ** لما قرر جون حلال
لما كان حاسب بنالتى ** أجبروه ع الاعتزال
طلق التحكيم عشانهم ** شد ع الثغر الرحال».
ويوثق الشاعر أحداث الشغب الأهلوية، فيحكى تحطيم الجماهير الحمراء ملعب الزمالك بميت عقبة، موسم 1965-1966 بعد هدف الزمالك الثانى بقدم عمر النور، ليقرر الحكم صبحى نصير إلغاء المباراة واعتبار الزمالك فائزا 2-0:
«صبحى نصير الحكم إيه بس كان ذنبه؟ ** لما عمر حط جون نزلوا عليه ضربوه
معرفش ليه الهزيمة هزت الأهلى ** كان يومها ناقص عليه جوة الصحف ينعوه
إيه يعنى يجرى لو الأهلى يكون مهزوم ** واللعبة نصر وهزيمة فى الرياضة يا هوه».
تشعر أن الشاعر سيد عوض أبو زيد يشرح حالنا الآن، وستتأكد من ذلك حين تقرأ عتابه على الزمالك، الذى لا يكف عن مفاجأة جماهيره بسيناريوهات خائبة بين الحين والآخر:
«يا زمالك يا أبو الأحباب ** بلومك بس لوم بعتاب
قدام أعظم فريق كورة ** تكون زى الأسد فى الغاب
وفرفة ضعيفة بتلاعبك ** نقول أسماءها باستغراب
تكون فى اللعب مش إنت ** وتستهتر بدون أسباب».
ديوان ممتع، يؤكد تأصل الثقافة والوعى فى تاريخ ووجدان هذا النادى، لا نقول إنه ضم شعرا على أعلى مستوى، لكن نشدد على أنه لا يفتقد الصدق الفنى، ذلك الصدق الذى لمسناه فى ألبوم المئوية لعزيز الشافعى، وكتاب المئوية لعمر طاهر، ورواية «كورفا سود» لأشرف أبو الخير، وبرنامج «الكورة مش مع عفيفى» لأحمد عفيفى ومحمد مجدى.. وفى كل ما هو زملكاوى.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات