.

«ديسالين».. كما جاء ذهب!

Foto

كيف استطاعت إثيوبيا الهروب من مقترح مصر بإشراك خبراء من البنك الدولى فى المفاوضات الثلاثية؟


جاء «هايلى ماريام ديسالين»، رئيس الوزراء الإثيوبى، إلى مصر، ثم ذهب، وكأنك يا «أبو زيد» ما غزيت!
لم يكن لزيارة «ديسالين» أى نتائج أو حصاد أو جوانب إيجابية، نستطيع أن نلمسها إما خلال تلك الزيارة وإما بعدها؛ فلم يكن اجتماعه بالرئيس السيسى فى القاهرة إلا لونا من ألوان الدبلوماسية الباردة التى تكتنف العلاقات المصرية الإثيوبية منذ سنوات، حتى إن وجه الرئيس السيسى، خلال المؤتمر الصحفى مع «ديسالين» كان ينطق بالغضب والامتعاض، الأمر الذى يؤكد أن المؤشرات السلبية لتلك الزيارة ظهرت فى أثنائها، خصوصا بعد أن أحس الرئيس السيسى أن «ديسالين» يماطل للهروب من اقتراح مصر مؤخرا بإدخال خبراء من البنك الدولى بصفتهم محكمين دوليين!


كما جاء «ديسالين» ذهب؛ فلا اتفاق بين مصر وإثيوبيا أبرم، ولا حتى سمعنا عن تعهدات إثيوبية، ولو من باب المجاملات السياسية والدبلوماسية، بالنظر فى التخوفات المصرية من إتمام بناء سد النهضة وملء بحيرة خزان السد، فقط كان الكلام الإنشائى الذى لم يقدم «ديسالين» غيره فى أثناء مؤتمره الصحفى مع السيسى؛ فقد قال إننا نعمل على «مواجهة الصعوبات، وحل القضايا العالقة كافة، والعمل مع الأطراف المعنية كلها لحل أى مشكلات!»، وهو -كما ترى عزيزى القارئ- كلام ابن عم حديت؛ وإلا كنا وجدنا أى أثر إيجابى يتمخض عن تلك الزيارة، وإلا لم يكن الرئيس السيسى، نفسه، قال بالحرف فى أثناء المؤتمر الصحفى «إن مصر تشعر بقلق بالغ بسبب الجمود فى مسار التفاوض الفنى الثلاثى»، ثمة خلاف بائن بين البلدين، ففى الوقت الذى اقترحت فيه مصر إشراك البنك الدولى، كطرف فنى محايد، فى المفاوضات بينها وبين إثيوبيا، مع ضرورة وجود السودان وموافقتها هى الأخرى على ذلك، بحيث يحضر اجتماعات اللجنة الثلاثية خبراء فنيون من البنك الدولى كحل لتجاوز التأخر الذى اكتنف المفاوضات والمباحثات الفنية خلال الأشهر الماضية، فإن «ديسالين» استطاع بذكاء وسرعة بديهة التملص تماما من ذلك المقترح، فقال «يجب أن يناقش ذلك المقترح داخل اجتماعات اللجنة الثلاثية نفسها؛ لأن السودان طرف فيها، والأمر يخصها لا يخص إثيوبيا وحدها!»، وهو ما يشير صراحة إلى أن إثيوبيا استطاعت ضم السودان إلى جانبها على الرغم من أنها دولة عربية كمصر، فضلا عن كونها دولة مصب أيضا، لكن إثيوبيا نجحت تماما ليس فى تحييد السودان فقط، بل إنها نجحت فى فهم طبيعة النظام السودانى الحاكم الذى يركض خلف مصالحه وحدها دون النظر إلى أى روابط أو علائق أو وشائج تربطه بمصر منذ فجر التاريخ!


قبل زيارة «ديسالين» اعترف الدكتور محمد عبد العاطى، وزير الرى والموارد المائية، يوم الأربعاء الماضى، خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس النواب، أن هناك أزمة ومشكلة مياه فى مصر، ويبدو بجلاء أن اعتراف وزير الرى، ربما للمرة الأولى، بوجود أزمة مياه فى مصر، إنما هو تمهيد لسلسلة من القرارات الحكومية التى يأتى على رأسها التوسع فى إنشاء محطات تحلية المياه، بحيث تعتمد المحافظات الحدودية كسيناء الشمالية والجنوبية، ومطروح، والبحر الأحمر، على تلك المحطات لتخفيف الضغط على الاستهلاك المتزايد للمياه، وفى الوقت نفسه اللجوء إلى الخطاب الإعلامى والوعظى لحث المواطنين على ترشيد استهلاك المياه، ما يعنى اعترافا صريحا من قبل الدولة بوجود أزمة من المتوقع لها أن تتفاقم خلال الشهور القادمة، ولا سيما أن مصر لم تتخذ حتى الآن أى إجراء فعال تجاه إثيوبيا، وهو ما يؤكد أن الحكومة المصرية باتت عاجزة أمام الوضع الحالى، مهما خرجت التصريحات العنترية من هنا أو من هناك، فالحقيقة الوحيدة التى ينبغى الاعتراف بها أن الحكومة بعد أن فشلت فى إدارة مسار مفاوضات سد النهضة الكهرومائى مع إثيوبيا، منذ البداية، وقبل نحو سبع سنوات من الآن، ها هى ذى حكومتها لا تجد سبيلا إلا إزجاء النصائح للمواطنين بحسن استخدام المياه وترشيد استهلاكها، وقد كان من الأولى منذ البداية، أن لا تدير ملف السد الإثيوبى بطريقة عبثية، غير شفافة، من خلال طائفة من الموظفين محدودى، بل معدومى الكفاءة السياسية والدبلوماسية والفنية على السواء! الوضع حاليا شديد التعقيد بالفعل، فقد فشلت، فى نوفمبر الماضى، سبع عشرة جولة من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، لتجد الحكومة المصرية نفسها الآن أمام جملة من الحقائق الصادمة القائمة، أهمها أن إثيوبيا أنجزت أكثر من 65% من إنشاءات سدها الكهرومائى، حسب تقارير إثيوبية حكومية، ما يعنى أن السد بات حقيقة لا مناص من التسليم بها، خصوصا مع انصياع مصر، طوال السنوات السبع الماضية ولا سيما الثلاث الأخيرة منها، إلى الجانب الإثيوبى الذى كان يواصل إنشاء السد دون هوادة على الرغم من قبوله الدخول فى مفاوضات حوله، وأما الحقيقة الأخرى التى تواجهها مصر، فهى تلك التى تتعلق بالسودان وتصعيدها المتواصل ضد مصر الذى توجته بسحب سفيرها فى القاهرة للتشاور، قبل أن تتهم مصر مؤخرا بأنها تهددها عسكريا مع إريتريا، الأمر الذى دفع السودان إلى نشر قواتها على حدودها الشرقية مع إريتريا، بخلاف اتهامها مصر باحتلال مثلث حلايب وشلاتين، وتدشين حملات صحفية وإعلامية موجهة بحقها، بغرض تشويه سمعتها واتهامها تارة بمضايقة السودانيين المقيمين بحلايب وشلاتين، ودعم المتطرفين فى «دارفور» تارة ثانية، وسرقة منجم ذهب داخل الحدود السودانية تارة ثالثة، وتوريد أسلحة لحكومة جنوب السودان تارة رابعة، وأخيرا كان الاتهام الأغرب، وهو أن مصر تسرق حضارة السودان الفرعونية وتنتحلها لنفسها (...)، وهو ما جعل مصر تجابه وحدها طوال الفترة الماضية مخطط الجانب الإثيوبى الذى نجح فى استكمال إنشاء سد النهضة، وبالتالى حرمان مصر من حصتها التاريخية (55 مليار متر مكعب) من مياه النيل، إذ من المتوقع أن يحجب هذا السد نصفها على الأقل، فلم يعد السودان إلى جانب مصر، مهما حاول عمر البشير الخداع بالابتسامات الصفراء، فالسودان -إذن- عبء ثقيل على الرغم من أنها دولة مصب كمصر تماما، لكن نظرا لظروف السودان الجغرافية وامتداد أراضيه وعدم اكتراث حكومته بالتنمية وبالحفاظ على نصيب الفرد السودانى من المياه، فإن إنشاء سد النهضة الإثيوبى أو عدم إنشائه لن يفرق كثيرا فى نظر السلطة السودانية، التى لا تستنكف عن تعبئة المواطنين السودانيين ضد مصر، وتكيل الاتهامات بحقها، تماما كما يفعل الجانب الإثيوبى؛ فالسلطات الإثيوبية وصحفها الموالية لها تشيع باستمرار أن ثمة خطة ممنهجة ومحكمة من قبل كل من مصر وجنوب السودان (لاحظ، جنوب السودان فقط، لا السودان نفسها!) وإريتريا من أجل تدمير سد النهضة، لذلك لم نستبعد فى ما مضى وجود تنسيق إثيوبى/ سودانى حتى يتم تفريغ مهام عمل المكتب الاستشارى الفرنسى من مضمونه، واستبعاد كل الدراسات الفنية التى تؤكد مدى الأضرار الخطيرة التى ستهدد أمن مصر المائى، وهو ما سكتت عنه مصر لأنها ببساطة لم تكن تملك بدائل أخرى تواجه بها تلك الأزمة، فكانت معظم تصريحات وزراء حكومة شريف إسماعيل المعنيين بالملف/ الأزمة عبارة عن إعراب عن القلق المصرى من جمود المفاوضات وتباطؤ المكتب الاستشارى الفنى، جاء «ديسالين» إلى مصر ثم ذهب ورجع إلى بلاده دون أن يقدم لمصر أى ضمانات أو تعهدات أو أى مؤشرات عملية تحلحل الوضع الحالى بين بلاده ومصر، حتى مقترح الرئيس السيسى بإشراك خبراء من البنك الدولى فى المفاوضات الثلاثية تملص منه بذريعة وجوب مناقشة هذا الأمر مع السودان، ولم تكن زيارته سوى حلقة فى سلسلة «المكلمة» التى نتسامع بها منذ سبع سنوات دون أن نرى أى ضمانات أو تعهدات أو خطوات إيجابية؛ فلا تأجيل لملء خزان السد، ولا تعهد بضمان تدفقات النيل الأزرق، ولا وعود باستمرار حقوق مصر المكتسبة من مياه النيل التى لا نستطيع الاستغناء عنها بحال، مهما حاول البعض الآن الترويج بأن تحلية مياه البحر أحد البدائل أمام مصر، فمما هو معلوم أن تكلفتها مرتفعة جدا للغاية، ولا تستخدم بالأساس إلا فى التنمية الصناعية وتوليد الطاقة، بدليل أن الزراعة لا تستهلك على مستوى العالم سوى 1% فقط من المياه المحلاة، وليت المسؤولين الذين يروجون لهذا الحل البديل فى دولة كمصر تعانى من ظروف اقتصادية صعبة ما يعلم بها إلا ربنا، أن يسألوا السعودية، أكبر دول العالم فى تحلية مياه البحر، عن تكلفة تلك العملية باهظة التكاليف!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات