«حرب الكلب الثانية».. التاريخ لا يعيد نفسه.. البشر يكررون أخطاءهم

Foto

كيف تحذر رواية إبراهيم نصر الله الفائزة بـ«بوكر 2018» البشرية من تكرار أخطائها العبثية؟ ولماذا وقعت الجرائم بعد انتشار ظاهرة الأشباه وتقلُّص النهار إلى 5 ساعات؟


ربما هذه هى الرواية الأولى التى يذيِّلها صاحبها بكلمة «بدأت» بدلًا من «تمَّت»، كما ساد العُرف بين الكتاب، فى إشارة «تكنيكية» طريفة وذكية، للتحذير من أن حربًا جديدة قد تندلع، وأن رعبًا أكبر قد يجىء، وأن خطأً أكبر من هذا قد يتكرر.
«حرب الكلب الثانية»، الدار العربية للعلوم «ناشرون»، 2016، لإبراهيم نصر الله، هى الرواية الفائزة مؤخرًا بالجائزة العالمية للرواية العالمية 2018، والمعروفة بـ«البوكر العربية»، وهى السادسة فى مشروعه الروائى «شُرفات»، والذى بدأه فى 2005، والجديد هنا أنها رواية فى أدب «التنبؤ المستقبلى» وتحديدًا «الديستوبيا»، بينما تناولت الأعمال الخمسة الماضية من المشروع الحاضر.
الزمان هو المستقبل القريب، والمكان فى ما يبدو أنه بلد عربى بلا مُسمّى، والشخصيات كلها -باستثناء ثلاث- بلا أسماء، فقط وظائفهم أو صفاتهم.
«على نحو متسارع، بدأ النهار يقصر بطريقة غير مفهومة، وبمرور أقل من عشر سنوات، لم يعد طول النهار أكثر من خمس ساعات. تزايدت معدلات نفوق الطيور والحيوانات. وانحدر مستوى إنتاج الخضر والفواكه والحبوب. وعاد الأغنياء إلى داخل المدن، تاركين قصورهم وبيوتهم الفخمة فى الضواحى بسبب انتشار الفوضى»، هكذا نفتتح الرواية ذات الأجواء «المستقبلية السوداء»، لكن بأحداث ومفارقات وحوارات وحس ساخر فى أحيان كثيرة، فى إشارة إلى الظلام الذى تعيش فيه البشرية رغم الاختراعات ومظاهر التقدم.
«راشد» هو بطل الرواية، يسارى قديم حظى بتربية حزبية صارمة، ذكى وشجاع وصامد للغاية، وتتجلى شخصيته الغريبة الباهرة فى أنه «كان يتقلب بين غاندى وهتلر، فلا تعرف إن كان مصلحًا أم مروضًا، ملحدًا أم موحدًا، لصًّا أم نزيهًا، قائدًا أم قوادًا».
يقرر «راشد» أن يتزوج، فيوكِّل أمه لتختار له واحدة من شقيقتين، هما الأجمل فى البلد على الإطلاق: «سلام» و«مرام»، وهما شقيقتا ضابط أمن مهم فى الحكومة أو ما بات يسمى «القعلة» فى ذلك الزمن.
بعد شك ومناقشات فى هذه الخطوة الغريبة، يوافق الضابط ورؤساؤه على زواج «راشد» من «سلام»، إنه بالنسبة إليهم متمرد قديم لا يبدو لهم أنه شُفى تمامًا من «مرض الحنين إلى الماضى»، لكن لا بأس فليكن تحت أعيننا، هكذا قرروا ونصحوا الضابط بمراقبته.
بعد أن يذوق طعم الحياة مع هذه الفتاة أسطورية الجمال، يشكو «راشد» لأمه أن «الحياة جميلة لكنها ليست عادلة»، إنه يتمنى أن يتزوج شقيقة زوجته أيضًا، لكن هذا لا ينفع، فيلجأ -مستعينًا بالتطور الطبى- إلى استنساخ صورة من «سلام»، التى تبدو كرمز للخير والسلام، فى سكرتيرته الحسناء، وهكذا يصبح لديه الأصل والصورة، واحدة فى المنزل وأخرى فى العمل.
يستخدم «راشد» -لاحظ دلالة الاسم فى فقدان الرُّشد- ذكاءه الشديد وحيله التنظيمية القديمة فى هذا العصر الذى توحش فيه الإنسان، فيتاجر بأرواح المرضى ممن يسميهم «أسرى الأمل»، لنقل أى مريض فى أسرع وقت إلى أقرب مستشفى مقابل مبالغ مالية تنقص وتزيد حسب هوى «راشد»، الذى أصبح تاجرًا فى أرواح هؤلاء من «أسرى الأمل» فى الحياة.
لنتوقف هنا قليلًا لنفهم ماذا حدث ليبدو الحاضر «المستقبل» هكذا؟
إنها حرب الكلب الأولى، التى وقعت قبل أعوام بعيدة، عندما باع رجل كلبه لأحدهم، وقبض نصف الثمن، ولما راح يطالب بالنصف الآخر نبح عليه كلبه القديم، قبل أن يقفز على رقبته فيقتله، فيثأر أهله له من المشترى، ثم تتطور الحوادث بين العائلتين وفروعيهما فى بلاد أخرى إلى اقتتال كامل تنتقل عدواه إلى الجميع فتصبح حربًا كونية.
حادث عبثى متخيّل استخدمه إبراهيم نصر الله، للتدليل على أن هناك الكثير من الحروب العبثية، مستشهدًا بحربَى داحس والغبراء والبسوس، عربيًّا، وحروب عالمية مثل حرب الإيمو «1932» وحرب الفطائر «1886» وحرب الدلو «1325» وحرب أذن جينكيز «1739» وحرب الآيس كريم «1980» والحرب الأنجلو زنجبارية «1896»، ثم يغازل «نصر الله» القارئ بإضافة حرب «لا علاقة لها بهذه الرواية، ولا بحربها، وهى حرب الكلب الضال بين اليونان وبلغاريا فى عام 1925، وهى أكبر دليل فى ظنى، أعنى هذه الحروب، كما قال أحد الروائيين القدماء، على أن التاريخ لا يعيد نفسه، بل إن البشر يكررون الأخطاء!».
تنجب «سلام» طفلَين، ابن وابنة، ينشآن فى عالم متطور للغاية، بسيارات ذات قيادة ذاتية، وألعاب آلية، حتى كرة القدم التى لم تنقرض أصبح لاعبوها آليين، يتزعمهم فريقا «آبل» و«سامسونج». لكن هذا العالم يفتقد ذلك التواصل الإنسانى القديم: «كان أكثر مدعاة للقلق، هو حديث الأولاد المستمر مع الجدران، وكان يؤرق راشد أن ابنته الصغيرة، منذ عامها الأول، وجدت فى الجدار أفضل تسلية لها». نلاحظ هنا هذا المشهد الذكى المكرس لوحدة الإنسان الذى «يكلم الحيطان».
يستشرى الفساد فى البلد، المدير العام للقعلة يشارك «راشد» فى مشروع «أسرى الأمل» بعد التقاعد، الضابط متورط بخلاف جرائمه القديمة والمستمرة فى التعذيب. وبشكل عام يبدو المجتمع كيانًا مغلفًا بالوحشية والظلام: «نحن نعيش فى بلاد هشة، مهما حاولنا بأنوفنا الشامخة أن نكتب على السماء غير ذلك».
بعد فترة، تنقلب حيلة «راشد» فى استنساخ زوجته إلى ظاهرة عامة مدمرة، عندما تنتشر الأشباه فى كل مكان بالعدوى. يبدو الجميع كأنهم نسخ مشوهة من بعضهم البعض، حتى إنه «حضرته»، وهو اللقب الدال على الرأس الأكبر فى البلد، يكتشف وجود أشباه له.
كان الأمر ينتقل بالعدوى، فأى شخص من الممكن أن يصحو من نومه فيجد وجهه ينتمى إلى شخص آخر تمامًا. انتشرت الجرائم والقتل والانتقام، وأصبح «أسوأ مكان يمكن أن ينظر فيه الناس اليوم ليروا أنفسهم هو المرايا!».
وسط كل هذا «وحدهم القانعون، تشبثوا بخرافة التحديق فى المرايا لكى يظلوا على ما هم عليه»، إنهم من أولئك الذين كان يقصدهم «راشد» مرة عندما قال إن «ماضى الإنسان لا يمكن أن يمحى أبدًا، حتى لو كتب بأقلام الرصاص».
تفسد حياة «راشد» بسبب شبيه له يسكن فى العمارة نفسها، ويعمل راصدًا جويًّا لأحوال الطقس، ويختلط الأمر على «سلام» وطفليها بين هذا الرجل و«راشد» الذى يخطط لقتله، وهكذا تندلع «حرب الكلب الثانية»، وهذه المرة لا علاقة لأى كلب بالموضوع، لكن المُسمّى فى ما يبدو على غرار «الحرب العالمية الثانية».
«ليس ثمة رائحة فى الدنيا أنتن من رائحة الحرب»، يقول «راشد» بعد أن طغت رائحة القنابل والجثث على رائحة العفن المجهولة التى تغلف الأجواء على الدوام، فى إشارة إلى تعفن القيم البشرية وأخلاقياتها وسط هذه الممارسات المتوحشة التى تتاجر بالإنسان.
يسرد «نصر الله» عدة تبعات -فى هذا العصر المتخيل- للحرب الثانية، مثل إعصار «تسونامى 5، واحتفالات فى روما بإزاحة الستار عن موسولينى، وإحياء الحكومة الأمريكية ذكرى إلقاء أول قنبلة نووية على هيروشيما، وقيام إسرائيل ببناء جدار ثامن على مبدأ التقاطع لا التوازى، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية التاسعة على إثر ذلك، ثم الحدث الأبرز وهو تهديد إسرائيل بحرق ألمانيا، ورد الألمان بإدراج مذكرات هتلر فى جميع المراحل المدرسية».
بعكس ما كان يعتقد، نجح الضابط شقيق «سلام» والمدير العام المتقاعد فى السيطرة على عقل «راشد»، حتى إنهما -فى عيد ميلاده- يجبرانه على تعذيب أشباهه من المسجونين فى مكان سرى، حيث مقر مشروع «أسرى الأمل 2»، والذى اقترحه «راشد» على المدير العام كهدية، لاحتجاز المجرمين والقتلة -خارج القانون- ثم الإفراج عنهم مقابل مبالغ مالية.
يحتار رجال «القلعة» فى هوية «راشد»، هل هو بالفعل أم أنه أحد أشباهه، وفى زنزانة من الجحيم يعذبه الضابط شقيق زوجته ليعرف من مدى صلابته أى شخص هذا، لكن «راشد» يصمد، فلا يقتنع رجل الأمن حتى يقتله.
بعد سنوات، بدت أنها كثيرة، يتغير العالم شكلًا ومضمونًا، إلى الوراء تمامًا هذه المرة، فى واقع بدائى للغاية، إذ المساكن الحديثة تنقلب إلى خيام وسط الأنقاض، وفى يوم يظهر «الراصد الجوى» على ظهر ناقة، فيخرج له «راشد» بعباءة سوداء ولحية كثيفة طويلة صارخًا فيه: «ثكلتك أمك يا ابن الغبراء، ما الذى أعادك إلينا؟!»، وهكذا «تمّت» الرواية «وبدأت» حرب الكلب «الثالثة».
أهمية «حرب الكلب الثانية» لا تبدو متحققة من كونها رواية «ديستوبيا» أو «تنبؤ»، إذ لا يبدو الخيال طازجًا فى مواضع كثيرة، أو على الأقل بدا متوقعًا وغير متفرد، خصوصًا لمَن قرأ أعمال من قبل فى هذا النوع، بخلاف أن هناك إسهابًا فى تفاصيل بدت مثل عدمها، لكن الأهمية تبرز -بجانب تمكُّن واضح فى العموم لإبراهيم نصر الله فى السرد والحوار طوال 350 صحفة- فى أنها تحذير للبشرية التى تكرر أخطاءها، فبينما يقف العالم على أطراف أصابعه حاليًّا خشية اندلاع «حرب عالمية ثالثة» يقول الفائز بـ«البوكر» لمجانين العالم: إنكم لو فعلتموها فستصبحون مجرد أشباه أغبياء لألئك الذين اقتتلوا لسنوات فى «حرب الكلب» الأولى والثانية.. والثالثة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات