The Humanity Bureau.. بؤس المستقبل وكوابيس نيكولاس كيج

Foto

هل تكفى كاريزما البطل وحدها لصناعة فيلم سينمائى جيد؟


واحد من انفعالات وجه نيكولاس كيج النمطية على الشاشة، فى مشاهد التوتر والإثارة، هو هذا التعبير المأساوى الخاص الذى يغطى ملامحه، ويمزج بين مشاعر الذعر والدهشة، يبدو كيج كما لو أنه استيقظ لتوه من كابوس، أو يعيش داخل كابوس، أو ذاهب باتجاه منطقة كوابيس. لا يوجد تفسير لتكرار هذا التعبير سوى أنه تعبير عن حالة اختياراته السينمائية الكابوسية المستمرة منذ سنوات.

حينما وقف كيج على المسرح فى حفل افتتاح مهرجان القاهرة الماضى، كان يشعر بحفاوة وإعجاب المصريين، وهو إعجاب بأعماله وأدواره الأولى التى شكلت شهرته ووضعته فى قائمة نجوم الصف الأول، من أبرزها فيلم «Leaving Las Vegas»، الذى جلب له جائزة الأوسكار الوحيدة التى حصل عليها، وفيلم الجريمة والإثارة «Face/Off»، وهو واحد من أكثر أعماله تحقيقًا للإيرادات.
وحسب العادة المصرية الأصيلة، فإن عملًا واحدًا جيدًا للفنان، يغفر له ما تقدم وما تأخر من أعمال سيئة، ولنا أسوة فى أعمال درامية سيئة كثيرة يتسامح معها الجمهور، عرفانًا بالجميل لأبطالها من كبار النجوم الذين قدموا أعمالًا جيدة يومًا ما.
يعانى نيكولاس كيج، منذ سنوات ليست قليلة، من سوء اختيارات أدواره، وفشل معظمها فى شباك التذاكر، ولكن رغم كل ذلك لم تدر هوليوود ظهرها له، وفى كل عام يقوم ببطولة عدد من الأفلام، أغلبها وربما كلها، متواضعة المستوى، ويبدو أن لديه دوافع خاصة على الاستمرار فى خوض هذا الطريق المظلم الذى يؤدى فى النهاية إلى نادى النجوم الذين أطفؤوا بريقهم بأيديهم.
فى كلمته على مسرح مهرجان القاهرة تحدث نيكولاس كيج بحماس ضد الإرهاب، مرض العصر، وثمَّن دور مصر فى مكافحته، وفى فيلمه الأخير «The Humanity Bureau» (مكتب الإنسانية)، يكافح كيج تداعيات مُستقبل الإنسانية القاتم، كما تخيله الفيلم، مُجسدًا شخصية عميل فيدرالى، فى المستقبل القريب، فى عام 2030، فى زمن يعانى فيه المجتمع كوارث بيئية، وأزمات اقتصادية (ميزانية الفيلم محدودة، وهذا جزء من أزماته الكثيرة)، ومُهمته تحديد مَن يستحق البقاء كمواطن مفيد للدولة، ومَن يتم التخلص منه، وترحيله إلى معسكر اعتقال خاص يسمى «جنة عدن الجديدة».
الفيلم من نوعية دراما الديستوبيا، المُنتشرة حاليًّا بشكل كبير فى أفلام ومسلسلات أمريكية وعالمية، وتعكس حكاياتها القاتمة الخوف من مستقبل الإنسانية بعد انهيار الحضارة المعاصرة، نتيجة حروب نووية، أو كوارث طبيعية، أو نتيجة نقص فى مصادر الطاقة والغذاء، ورغم المبالغات الدرامية لهذه الأعمال، فإنها تعكس هواجس حقيقية وواقعية حول مصير الإنسانية فى ظل شُح مصادر الطاقة والغذاء والماء، فى مقابل الزيادة السكانية المخيفة.
الحل الذى يطرحه الفيلم لإنقاذ مجموعة محدودة من البشر، هو التخلص من الشخصيات غير المفيدة للمجتمع، أو غير المنتجة، وهذه التيمة رأيناها فى عدد من الأعمال، من أشهرها فيلم «Inferno» (الجحيم)، المأخوذ عن رواية للكاتب دان براون، ولكن فى الرواية والكتاب يأتى الحل على هيئة محاولة متطرفة لشخص يحاول إعادة التوازن للحياة البشرية عبر القضاء على عدد كبير من البشر بإطلاق فيروس مميت فى المياه، فى محاكاة لعمل الأوبئة فى الأزمنة القديمة فى الحفاظ على التوازن بعد عدد البشر ومصادر الغذاء.
يقوم العميل نواه كروس «نيكولاس كيج» بالمهمة القبيحة، التى تبدو من وجهة نظره أهون من التخلص من البشر، فمعسكرات الاعتقال تعزل الفئات غير المنتجة، ولكنها تبقى على حياتهم، أو هذا ما يظنه قبل اكتشاف حقائق جديدة عن مصير مَن يقبض عليهم، تدفعه إلى التمرد على سلطات المكتب، وتبدأ الأمور بالخروج عن السيطرة بعد أن يتجاهل تطبيق القانون، وتساعده امرأة وابنها على الهرب من المصير القاتم، ويصبح العميل الذى يطارد الشخصيات العالة على المجتمع مطاردًا من السلطات التى تسعى للتخلص من المتمرد الذى كشف مخططات التخلص من البشر غير المفيدين للمجتمع بشكل نهائى.
رغم الأجواء العامة التى صنعها الفيلم فى بدايته لتصوير المستقبل الديستوبى للبشر، فإن سيناريو ديف شولتز وإخراج روب كينج لم ينجحا فى صناعة حبكة جذابة تلائم هذه الأجواء، والشخصيات تتحرك فى المشاهد بفتور لا يُشجع على المتابعة، وبالكاد يمكن للمشاهد التعايش مع الحكاية والأحداث السطحية، ومعظمها أحداث متوقعة لا تقدم جديدًا أو مثيرًا، والشخصيات لا تتطور ضمن الأحداث، وماضى كروس على سبيل المثال لا يضيف شيئًا له قيمة فى رحلة انتقاله من معسكر الموظف المطيع للأوامر إلى الثائر المتمرد، لو سمّينا المطاردات الهزيلة ورحلة هروبه بصحبة الأم وابنها ثورة، والفيلم إجمالًا يبدو محاولة رديئة لصناعة فيلم خيال علمى ديستوبى، ولولا وجود اسم نيكولاس كيج وصورته على الأفيش، ربما لم يكن الفيلم يلفت نظر أحد.
فى ظل أجواء الفشل المتكرر التى يعانيها نيكولاس كيج، أعلن نيته اعتزال التمثيل فى مدة أقصاها ثلاث سنوات، والتركيز على الإنتاج والإخراج، وهذا الاعتزال اعتراف ضمنى بأُفول نجمه كممثل، ومحاولة الدخول فى منطقة فنية جديدة يسير فيها على خطى عمِّه المخرج الشهير فرانسيس فورد كوبولا، ولو أن المقارنة بينهما صعبة، فنيكولاس كيج له تجربة وحيدة فى الإخراج قام بها عام 2002 وكانت إخراج فيلم بعنوان «Sonny» ولم يحقق نجاحًا يُذكر.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات