تجريم الإلحاد لن يجدد الخطاب الدينى!

Foto

على الرغم من تباين ماهية الإلحاد فى واقعنا الحالى بين رافضى الاعتراف بالأديان وغيبياتها


على الرغم من تباين ماهية الإلحاد فى واقعنا الحالى بين رافضى الاعتراف بالأديان وغيبياتها التى ربما تتعارض مع قوانين العلم المعرفية كما يعتقدون، وبين كثير من الباحثين والمفكرين فى قضايا الفكر الدينى، الساعين إلى تقديم قراءات معاصرة لنصوص هذه الأديان لا تتعارض مع ماهيتها المقدسة ولا تتباين بالضرورة مع واقعنا المعيش، وَفق نهج عقلانى وأساس معرفى، فإن القانون الذى يسعى إلى تدشينه بعض أعضاء مجلس النواب الناص على «تجريم ظاهرة الإلحاد»، والمعاقبة عليه بالسجن والغرامة، قد يبدو ضمنيًّا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بقانون ازدراء الأديان، وبالتالى فهو معنىٌّ أكثر بهؤلاء الباحثين التعساء -لا سيما أن هؤلاء الملاحدة المعاصرين غير ظاهرين للعيان، حيث لا توجد دراسة رسمية مصرية أحصت عدد الملحدين حتى الآن- ولعل تاريخنا المعاصر حافل بأبرز هؤلاء الباحثين -الذين طالهم سهام الرجعية والتخلف باسم ازدراء الدين الإسلامى على وجه الخصوص إلى حد التشهير بهم وتكفيرهم بل وصل الأمر ذروته إلى إباحة دمائهم- بدءًا من طه حسين وعلِى عبد الرازق، مرورًا بمحمد أحمد خلف الله، وفرج فودة، ونصر أبو زيد، وغيرهم الكثير، الذين أضحوا فى عداد الملحدين أو المرتدين الخارجين عن الملة، إن لزم التفرقة الظاهرية.
ولئن ارتبطت الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى الآن بمواجهة التطرف والإرهاب من جهة ومحاولة تحقيق نهضة منشودة فى كل مجالات الدولة من جهة أخرى، فإن الانشغال بمثل هذه القوانين والفتاوى التى عفَّى عليها الزمن، ضمن مخالفة صريحة للدستور المصرى، الذى يكفل «حرية الفكر والرأى»، وينص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة». لن يتجدد الخطاب الدينى فحسب، بل من شأنها أن تُخرج مصر من تاريخ الحضارة الإنسانية، هذه الحضارة التى أسسها وللغرابة بعض الملاحدة المسلمين! -ما دامت سمة الحضارة المتضمنة أمة ما من الأمم، مرتبطة بمدى تقدم هذه الأمة فى مجالات العلم الشتى وهذا ما سعوا إلى تحقيقه- وسمة الإسلام هنا قد يبدو أنها سمة حضارية وليست سمة شخصية، أى تزامن وجود هؤلاء تحت مظلة الحضارة الإسلامية.


ولعل يلزم التنويه أولًا أن براعة هؤلاء العلماء إنما تأتت من انصرافهم عن الانشغال والاشتغال فى البداية بالقضايا الدينية، والانصراف إلى العلم، فبرعوا فى مجالاته المتعددة (كالطب والرياضيات والفيزياء.. إلخ)، وقدموا للإنسانية إنجازات غرضها المحافظة على الإنسان، وتحقيقًا لمصلحته، ولكن سرعان ما انساقوا ضمن سياق سجالى مع الأصوليين، فأعطوا لخصومهم سلاح محاربتهم، حيث لم يقف الأمر بهم عند انصرافهم عن الأمور الدينية والانشغال بالعلم، بل راحوا يدخلون فى جدال أدى بهم إلى تقويلهم إنكار بعض الأسس الدينية.


يسرد عبد الرحمن بدوى فى كتابه «تاريخ الإلحاد»، لهؤلاء العلماء، معربًا فى البداية عن تحديد ماهية الإلحاد فى الإسلام، فى محاولة لتمييز حركة الإلحاد التى حصلت فى الغرب، عن نظيرتها الحاصلة فى المجتمع العربى الإسلامى آنذاك، فبينما سعى الملحدون هناك إلى هدم الفكرة الأساسية التى يقوم عليها التدين عندهم وهى وجود الإله، قصد الملحدون فى تاريخنا إلى التشكيك فى فكرة النبوة وهدمها، على اعتبار أن التدين فى الشرق كان قائمًا على هذه الفكرة فى الأساس.


ويأتى أبو بكر الرازى فى طليعة هؤلاء العلماء، وعلى الرغم من براعة الرازى فى الطب والكيمياء إلى حد تفاخر المسلمين به، فإن ذلك لم يشفع له نكرانه للنبوة على عمومها، فأقام فلسفته على هذا النحو وَفق منهج عقلانى صارم يرفض كل ما هو خارق للطبيعة، فيرى أن الكثير مما أتى به الأنبياء يخالف الطبيعة الإنسانية والسلام بين بنى البشر، بالإضافة إلى ادعاء كل دين استئثاره بالحقيقة منفردًا، وهو ما يؤدى بطبيعة الحال إلى الشقاق والسجال بين أطراف تتجاذب الحقيقة، معربًا على أنه ما دام الله قد منحنا العقل وميَّزنا به عن سائر خلقه وهيَّأ له القدرة على اكتشاف الخير والشر، فما حاجة الإنسان إلى نبِّى يعلمه الشرائع والأخلاق، ثم إن لعقل الإنسان قدرة أيضًا على معرفة الخالق من خلال النظر فى خلقه، فلا حاجة إلى إرسال نبى يعلم الناس طريق الله.


فالأولَى -فى نظره- بحكمة الله وعدله اللذين يؤمن بهما أصحاب الديانات، أن يساوى بين خلقه فى القدرة على معرفة الخير والشر، وأن الله إذا ميَّز بعضهم بهذه الموهبة عن البعض الآخر، يكون قد زرع بينهم الشقاق، وهو ما نراه يحدث بين أصحاب المذاهب المختلفة من القتال والنزاع وإراقة الدماء. وتبعًا لذلك كانت أفكاره سببًا جوهريًّا فى انتشار كراهيّته بين أوساط المسلمين، فاشتهر بأنه زنديق وكفَّره الأصوليون.


ومن الجدير بالذكر فى شأن أبو بكر الرازى أن آراءه المُبينة موقفه من النبوات أو الأديان على العموم، جاءت على إثر مناظراته مع أبى حاتم الرازى، كما أن مَن اهتم بدراسة فلسفته أشار إلى ندرة نصوصه الأصلية، وأن ما ورد بشأن نظريته للنبوة يرجع إلى ما يورده الخصوم من عرض لمذهبه وأقواله إما بنصها مبتورة من سياقها، وإما اختصارًا، وذلك بنحو ما أقر عبد الرحمن بدوى، مما يُحيل ربما من افتراض التحامل من قِبل هؤلاء الخصوم على هذا العالِم، الذى جعل العقل وحده مقياسًا يقيس به كل ما يدور حوله! ويلحق بأبى الأطباء كيميائى بارع وهو جابر بن حيان، الذى أضاف -بنحو ما أقر عبد الرحمن بدوى- الكثير إلى الكيمياء اليونانية، واتبع منهجًا علميًّا يضاهى ذلك الذى ابتدعه العلماء المحدثون فى أوروبا، ويأتى اتهام ابن حيان بالإلحاد والزندقة من اعتقاده فى مقدرة الكيمياء على تخليق ما يشبه الكائنات الحية والإنسان.


ويأتى على ذكر هؤلاء كل من ابن سينا وابن الهيثم الذى كان وما زال رمزًا بالنسبة إلى أى فيزيائى، إذ يعتبر مؤسس علم البصريّات، وخاض فى الكثير من العلوم والمجالات، مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات، وله أكثر من 200 مؤلّف ومقالة ومخطوطة. اتّهم ابن الهيثم بالكفـر الصريح والإلحاد بسبب آرائه، المتمثلة فى قوله بأن العالم قديم أزلى.


ولم يقتصر رمى العلماء بالإلحاد على هؤلاء العلماء الذين اهتموا بالعلوم الطبيعية وبرعوا فيها، بل نال أيضًا كل من سَوَّلَت له نفسه وأعطى للعقل مساحة من الحرية والتفاعل مع النصوص الدينية، ولعل أبرز هؤلاء الكندى، ذلك الفيلسوف العربى الذى آمن بأن النقل ليس مُقدّمًا على العقل، وأن العقل هو المقياس الذى يجب أن يُقاس به كل شىء حتى المقدّس، بما فى ذلك النصّ القرآنى، الذى كان يتعامل معه الأصوليّون عادة بظـاهر الآيات، واعتباره أن النصّ الدينى يخاطب العقلانيين بمعانٍ باطنيّة عميقة، ويخاطب النقلانيين بمعانٍ ظاهرية تتماشى مع فكرهم السطحى، مثل الوعد بالحور العين والفاكهة فى الجنة. فكانت طريقته العقلانية فى تفسير الكثير من الآيات القرآنية والأحكام، سببًا محوريًّا فى كراهية الأصوليين له.


وينضم ابن الروندى، الزنديق الأكبر، إلى الكندى فى رفضه تفسير القرآن تفسيرًا ليس ظاهريًّا فحسب بل أسطورى خارق، فعلى سبيل المثال ما تعلق بشأن نزول الملائكة يوم بدر لمحاربة المشركين مع المسلمين، يتساءل ابن الرواندى، إحدى الشخصيات المتهمة بالإلحاد والزندقة، قائلًا: «مَن هم هؤلاء الملائكة الذين أنزلهم الله يوم بدر لنصرة نبيه؟ فإنهم كانوا على كثرتهم واجتماع أيديهم وأيدى المسلمين معهم، لم يقتلوا أكثر من سبعين رجلًا! وأين كانت الملائكة يوم أُحد حين توارى النبى بين القتلى ولم ينصره أحد؟!».


وختام القول فإن هذه المقالة لم تتضمن مطلقًا دفاعًا عن هؤلاء العلماء، فالأمر يخرج -على حد تعبير عبد الرحمن بدوى- عن نطاق الدفاع عنهم أو الهجوم عليهم، إلى محاولة التوثيق لهم باعتبارهم جزءًا من هذه الحضارة الغنية، أثروا فيها وتأثروا بها، وكونوا حراكًا داخلها تأثر به حتى المدافعون عن الدين أنفسهم من شيوخ الدين والمتكلمين، واضطرتهم إلى تطوير أدواتهم حتى تتناسب بقدر الإمكان مع العلم الحديث والفلسفة الوافدة وروح العصر، مما وقع فى مصلحة العامة وأثرى حضارتهم. بل إن الإدانة التى يجب أن يحظوا بها، هى اختراقهم مجال الصراع السياسى/ الدينى -إن جاز التعبير- مما نالهم شذرات هذا الصراع، مما كان له تأثير على إنجازاتهم العلمية.


ومن ثَمَّ فإذا كان الغرض من تجديد الخطاب الدينى اليوم هو لحاقنا بركب الحضارة الإنسانية، فإن التمادى فى الشروع بمثل هذه القوانين والفتاوى المبررة -وللمفارقة- ضمن مناهضة الإلحاد، ستُعطى بالضرورة نتائج عكسية مما يزيد ربما من انتشار مثل هذه الظواهر.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات