الضالون فقط هم مَن يتقربون إلى الله بالخوف من استعمال عقولهم!

Foto

لماذا يخشى المسلمون استعمال عقولهم؟! كيف لعب الحنابلة والأشاعرة دورًا كبيرًا فى تهميش العقل من حياة المواطن المسلم؟


الجميع يتحدثون عن استخدام العقل، وأهمية العقل، حتى من يزدرون العقل، يتحدثون أيضا عن أهميته ودوره فى بناء الحضارة والتقدم، فمن يكرهون العقل ويعتقدون أن استخدامه واستعماله فساد وضلال وكفر لا يتحدثون عن كراهيتهم هذه للعقل بشكل مباشر وواضح فى الغالب، فكل الأديان والمذاهب والفرق تتحدث عن العقل وأهمية العقل وتأسف من عدم استخدام الأديان والمذاهب والفرق الأخرى لنعمة العقل هذه! ومع ذلك يقف هؤلاء جميعا عند نقطة واحدة، عندما يفكك العقل أصول وقواعد فرقهم ومذاهبهم ومعتقداتهم المزيفة، فيتحدثون ساعتها عن قصور العقل، ومحدودية إمكانياته، وقلة قدرته، وضعف حيلته، وهوانه فى إدراك عمق أفكارهم الألمعية اللوذعية، وضلاله فى البعد عنها، فمن يكرهون العقل ويهمشون دوره وفاعليته فى حياة المسلمين يتبعون مجموعة من الآليات التى يستطيعون من خلالها عدم ظهور كراهيتهم للعقل هذه بصورة واضحة وفجة حتى لا ينفر منهم المستمع.


وهذا ما يفعله بالضبط الحنابلة والأشاعرة مع العقل دائما؛ فعندما نتأمل عينة من كلامهما قديما وحديثا نلاحظ تلك الطريقة واضحة بقوة، فعندما نستمع إلى «عثمان الخميس» أحد شيوخ السلفية الحنبلية بالكويت نجده يقول: «الإسلام عظم النقل، وعظم العقل أيضا، والله تبارك وتعالى ذكر آيات كثيرة وفيها الأمر بالتفكر والتدبر والتذكر والتعقل، بل جعل العقل مناط التكليف، ولذلك المجنون غير مكلف، ولا يحاسب، وإنما يحاسب العاقل، فالعقل معظم فى دين الله، ولكن -وما أدراك من ولكن هذه- كل شىء له حد، فالعقل يجب أن نعطيه قدره فقط، فكل شىء إذا زاد عن قدره انقلب، فمعظم الناس عظموا العقل حتى غلوا فيه وقدموا عقولهم على النصوص، على كتاب الله وعلى سنة رسوله، وهذا مرفوض، فالعقل يعطى قدره فقط، لأن العقول هى أصلا قاصرة، والشريعة تعطى العقل مكانته ولكن بشرط أن لا يتجاوز حده فيتجاوز النصوص ويرد الكتاب ويرد السنة».


بهذه الطريقة ينجح الحنابلة والأشاعرة دائما فى تهميش العقل من حياة المسلمين، فهذا الشيخ بعدما ذكر تعظيم الإسلام للعقل ودور العقل وكونه مناط التكليف وعليه جاءت آيات قرآنية عديدة تأمر باستعماله، إذا به فى النهاية يتحدث عن قصور هذا العقل وتحجيم دوره خوفا من تجاوزه للنصوص، وهو نفس المنطق الذى يستعمله كل شيوخ السلفية، فنجد أيضا «محمد حسان» يقول: «إننا لا نقلل أبدا من شأن العقل ولا من قدره، بشرط أن لا يتعدى العقل قدره ولا يتخطى العقل طوره ولا يجعل من ذاته إلها». وهو كلام يحاول الانتصار فى الظاهر للعقل، بينما هو فى الحقيقة انتصار مزيف، ولعل «محمد حسين يعقوب» أكثر وضوحا ومباشرة فى إعلان الموقف السلفى المعادى للعقل، بقوله: «إن صلاة ركعتين أمر سهل، والتصدق بدرهمين أسهل، ولكن عبودية العقل هى الأصعب فى الحياة الدنيا، فلازم عقلك ده يبقى عبد لله عز وجل، ولما يبقى فيه حاجات متدخلش العقل، برضو أصدقها وأؤمن بها حتى ولو لم يقبلها العقل»! وهو الموقف السلفى الأكثر وضوحا فى تهميش العقل، فالحنابلة والأشاعرة لديهما قاعدة عقدية ثابتة ومؤكدة لديهما فى تهميش العقل، وهى أن «النقل مقدم على العقل» بحجة أن العقل عاجز عن معرفة العبادات والأمور الإيمانية وأن العقول تختلف أكثر مما تتفق، وأن حسم هذا الأمر يكون بالاعتماد على «النقل» من النصوص الدينية وحدها، وهى طريقة عجيبة فى استخدام العقل لإثبات قصور هذا العقل نفسه!


إن الأشاعرة والحنابلة يقولون إن القبيح قبيح لأنه جاء النهى عنه من النقل فقط، والحسن حسن فقط لأن النصوص جاءت آمرة به! فالصواب والخطأ أمور ليس من اختصاص العقل معرفتها عندهم! فأنت -من وجهة نظرهم- لا تعرف أن الصدق والنظافة والنظام والعدل والمساواة أمور صائبة وحسنة بعقلك، ولا تعرف أيضا أن الكذب والقذارة والعشوائية والظلم والتمييز أمور خاطئة وقبيحة بعقلك، وإنما تعرف حسن هذا وقبح ذاك من النقل وحده، فالتحسين والتقبيح عندهم ليس من العقل، وإنما من النصوص والروايات والأخبار المنقولة، وهو ما جاء عن «أبى حامد الغزالى» نفسه، قوله: «إن العقل لا يرشد إلى النافع والضار من الأعمال». ويقول «الجوينى» كذلك: «العقل لا يدل على حسن شىء ولا قبحه، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع». وهو ما يفسر لنا موقف الأشاعرة العجيب من كل ما توصل العقل الإنسانى إلى اعتباره غير إنسانى وغير منطقى وغير عادل كتفضيل الذكر على الأنثى مثلا، فهم لا يستطيعون إدراك ما فى هذا الأمر من تمييز وعنصرية، لأن الحسن والقبح عندهم يأتى من النقل لا من العقل، ومن ثمَّ الفعل البشرى لا يمكن معرفة صحته وحسنه أو سوئه وقبحه إلا من خلال النصوص المنقولة فقط! فالعقل عندهم أعجز من أن يحكم على الفعل بالحسن أو القبح، كذلك يزعم الحنابلة أيضا، فيدعى «محمد حسان» أن تقديم العقل على النقل طاغوت يعبد من دون الله وشر ومفسدة عظيمة وسلم للطعن فى الدين، فيقول: «إن أول شر وأول فتنة هى فتنة إبليس لأنه قدم العقل والهوى على النص»! بل يذهب «حسان» إلى اعتبار أى دعوة للتجديد وإعمال العقل مجرد دعوة لهدم الإسلام! ويقول بوضوح: «ما علاقة التجديد بتقديم العقل على النقل، إن هؤلاء يريدون أن يهدموا الدين باسم الدين، ويهدموا الإسلام باسم الإسلام»!


ولعل «المعتزلة» أفضل من فكك حجج الحنابلة والأشاعرة هؤلاء، فالمعتزلة اعتمدوا العقل مصدرا وأصلا من أصول التشريع من خلال قاعدة ومبدأ «التحسين والتقبيح العقلى»، وهى قاعدة أكدوا من خلالها أن العقل يعرف كل ما هو حسن وكل ما هو قبيح قبل أن تأتى الشرائع والأديان، ومن ثمَّ العقل هو المرشد والدليل لكل عمل حسن وصالح، ومن ثمَّ أيضا لابد أن يكون «العقل قبل النقل»، فالسرقة والغش والخيانة كلها أمور مكروهة والعقل الملحد والموحد يعرف قبحها من قبل وجود الرسل، ولو أتانا النبى بإباحة السرقة والغش والخيانة لن نقبله بالتأكيد، حتى علاقة العقل بمعرفة العبادات والأمور الإيمانية يستدلون عليها بأن العقل وإن كان لا يدل على تفاصيل العبادات وشروطها وأوقاتها، فهو بالتأكيد يدل على وجوب شكر المنعم، وهو ما يطلقون عليه «ما يُعرف بالعقل، وتفصيله بالسمع والنقل» فاحتياج الإنسان لمعرفة النبوة عند المعتزلة يلخصه القاضى عبد الجبار بقوله: «إن ما تأتى به الرسل لا يكون إلا لتفصيل ما تقرر جملته فى العقل». فالله لا يأمر بالفحشاء مثلا، ولذلك ينتصر المعتزلة إلى أن حُسن الأشياء وقُبْحها يُعرف من جهة العقل، وأن «الشرع لم يأتِ إلا بما أوجبه العقل أو جوزه»، فالنصوص الدينية عندهم مجرد سند ومعين ومساعد يدل على الحسن والصالح، والنقل عندهم ما هو إلا سبيل واحد من سبل المعرفة المتعددة، فهم لا يقولون إن العقل يعمل وحده هكذا فى الفراغ، وإنما يكشف العقل عن وجود الصفة الحسنة فى الشىء بالتجربة، فيقول القاضى عبد الجبار إن العقل «يعرف بالتجارب حال السموم القاتلة، والأدوية النافعة، والأغذية التى بها يقوم البدن». ولذلك يرفضون المرجعية الإلزامية للسلف، ويقولون: «لقد آتانا من العبرة أضعاف ما أتى آباءنا الأوائل». فالنقل نفسه عندهم يحتاج إلى العقل فى إثبات صدقه وفهمه ووضعه فى سياقه، لأن النصوص المنقولة لا تتكلم من نفسها، فالكتاب لا ينطق وإنما ينطق به الرجال، ومن ثمَّ يصل المعتزلة إلى أنه لا يوجد شىء اسمه خلاف بين العقل والنقل من الأصل، لأن ما يُقدم باعتباره نقلا هو فى الحقيقة مجرد فهم للنقل وليس النقل نفسه!


وإذا كان «محمد حسان» يرى أن «العقول تتفاوت، وأن ما يقبله عقلى لا يقبله عقلك، وبتفاوت هذه العقول تضيع الأمة»! فتفاوت العقول ليس عيبا كما يذهب «حسان»، وإنما ميزة تستطيع من خلالها العقول إنتاج تنوع وتعدد تتقدم من خلاله البشرية فى كل شىء، فالعقل يتطور باستمرار من خلال اكتساب الخبرات والتجارب التى يستطيع من خلالها معالجة القصور والأخطاء القديمة، أما تعطيل العقل وتقديم النصوص النقلية القديمة عليه فهو أمر بالغ الضرر والخطورة علينا وعلى مجتمعاتنا العربية، فمن تقديم «النقل» على «العقل» تمر كل جرائم العنف والكراهية والإرهاب بحجة انطلاق تلك الجرائم من نصوص قديمة لا يجوز عند الحنابلة والأشاعرة إعمال العقل فيها وتقديمه عليها، ولذلك وجدنا إرهابى الواحات فى حواره مع «عماد أديب» يقول: «لو أنا قتلت شخصا بهذا المنظور العقلى والإنسانى، أجدنى لن أقتل أبدا، ولكننى أقتل بمنظور عقدى قائم على علم وأدلة وأسانيد»! ومن هنا يأتى التخلف والإرهاب دائما، فتقديم «النقل» على «العقل» يمنعنا أيضا من قبول منتجات الحداثة بحجة أن تلك المنتجات تخالف ما ثبت لدينا من نقل، فتجريم الرق والتمييز بين الذكر والأنثى وإلغاء الجزية وغيرها من الأمور الإنسانية العقلية العظيمة يرفضها العقل الأشعرى والحنبلى ولا يرى فيها حسنا، لأنها تخالف ما لديه من نص، فهو عقل نصوصى من المستحيل أن ينتج فكرا جديدا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات