وحدة العلم والإدراك الصوفى على عتبة الجيتا

Foto

كان غاندى يرى أنها تحتوى على جوهر القانون الإلهى وأن مبادئها لن تتغيَّر. وتنوع أتباع الجيتا واتسعت دائرتهم وتعددت مستوياتهم المعرفية،


كان غاندى يقول إنه حين تعتريه الشكوك وتحدق فى وجهه الخيبة ولا يعود يرى بصيصًا من النور، فإنه يلجأ إلى الجيتا، مقطع من هنا ومقطع من هناك، فإذا به يشرع فى التبسُّم فى قلب المآسى الغامرة «ولكم كانت حياتى غامرة بالمآسى الخارجية وإن لم تترك لى المآسى جرحًا مرئيًّا لا يمكن محوه، فذلك بسبب تعاليم الجيتا».

الجيتا لغاندى مرجع كلما غاص فيه شعر بالسمو، وكتب عنها أيضًا «وأما أنا فإنى أجرى لائذًا بأُمِّى (الجيتا) كلما أحدقت بى المصاعب، وحتى الآن لم يحدث أن أخفقت فى التخفيف عنى، واليوم هى ليست إنجيلى وقرآنى فحسب، هى أُمِّى».

كان غاندى يرى أنها تحتوى على جوهر القانون الإلهى وأن مبادئها لن تتغيَّر. وتنوع أتباع الجيتا واتسعت دائرتهم وتعددت مستوياتهم المعرفية، والذين يجدون إجابات عن كثير من الأسئلة المتعلقة بالحياة والموت، وفى الوقت نفسه أسئلة الإنجاز فى الحياة، يعنى أن تحيا بالفعل، أن تحيا حياة مليئة بالإنجاز، وحياة يسودها السلام وتملؤها المعانى.


الجيتا تخبرنا أن سرعة رحلة الحياة يمكن قياسها، نحن جميعًا نرغب فى النمو والاتساع والارتقاء بأنفسنا، والجيتا ما زالت تحمل لإنسان اليوم المغزى والتصوُّر الإيجابى والقيم النفعية أيضًا.


الجيتا ثمانية عشر فصلاً، كل فصل ينتهى بإشارة موجزة، يمكن القول إنها موجهة إلى القارئ لتشير إلى علاقة الجيتا وصلتها الفكرية والعقائدية بـ«الأوبانيشاد» التى هى فلسفة عريقة عتيقة، وكذلك نصوص الفيدا وفلسفة اليوقا. بشكل عام تتسم النصوص الهندوسية بمستويات من التأويل، هناك نصوص تنقاد ببساطة إلى أفكار الزهد والمجاهدة القاسية ونصوص أخرى تقود إلى محاولة خلق توازن واعتدال.


يقول ألدوس هكسلى على لسان شخصية باح رواياته إن البربرية كمعنى تفتقر إلى التناغم والاعتدال والتناغم تستطيع أن تكون بربرىّ الجسم والعقل معًا، بربرىّ النفس والحواس والمشاعر، لقد جعلتنا المسيحية برابرة الروح، وهاهو العلم يجعلنا برابرة العقل.

هذا الانتقاد للتطرف من زاويتَيه الروحية والعلمية دفع الإنسان للبحث عن نقطة توازن دقيقة، ليتحصَّل على أحسن ما فى الرخاء المادى مع سكينة النفس واتزان العقل، والجيتا تقدّم مفتاح الناغم والانسجام ما بين مرتبتَى الروح والإنجاز.

هناك منعطف أو نقطة تتلاقى فيها المعرفة الصوفية والعلم يوضحها دكتور ثامور بادئًا بشرح مصطلح المعرفة الحدسية أو الإشراق والمعرفة المباشرة الفورية، ويصل إلى أن التطور العلمى قد بلغ نقطة تهاوت معها الأُسس الثابتة للعلوم الفيزيائية، ويصل إلى أن القطيعة التى كانت قبل الثورة العلمية الأخيرة موجودة بين العلم والمعرفة الصوفية، بحيث كانت الواحدة تنفى الأخرى، والتى كانت تقوم على أن العلم ذهنى وأن الصوفية حالة إيمانية، وأنه من غير المفيد محاولة إيجاد أية أرضية مشتركة، لكن ما جرى فى النظرية الكمية من اندلاع غيَّر فى الوقف، بل وصل الأمر إلى اعتبار كثير من اكتشافات العلم الحديث جاء تمحيصًا للحكمة القديمة لدى الفكر البوذى والهندى.


إن كابرا عالم الهند النووى يقول إن أساس العلوم الفيزيائية النظرية الكمية والنظرية النسبية، فأيهما تحتم النظر إلى العالم بنفس الطريقة التى نظر بها الهندى والبوذى والتاوى. إن التوازن ما بين الفيزياء الحديثة والمعرفة الشرقية جد مدهش، ولسوف نقابل فى معظم الأوقات تلك المقولات، حيث يبدو تقريبًا من المستحيل القول إنه كان قد قالها علماء فيزياء أو حكاء الشرق.


إن التحقق من التوازن بين العلم والاستبصار الروحى قد قاد إلى نهضة.. الآن يمكن الحديث عن مناخ يخلو من القطيعة ما بين الاتجاهَين، فالدين والعلوم الطبيعية يخوضان معًا معركة مشتركة ضد الجمود والأوهام، كما يقول ماكس بلانك، وأن صرخة الاستنفار لهذه الحملة كانت وستظل دائمًا: «فلنسر والله».


معظم مراجع وجهة النظر هذه آتية من النصوص البوذية والتاوية والهندوسية والتى منها الجيتا والموجودة قبل ألفَى عام. معظم المفكرين الذين درسوا «الجيتا» اعتبروها كتابًا يحتوى مجردات ميتافيزيقية، وعند الاطلاع على كتاباتهم تبرز دراستهم للجيتا، ولديهم نفس ما سوف يجده المرء عند مناقشة فلاسفة مثل إسبينوزا وراسل وهيجل وكانط.


الجيتا لم ترَ العالم من عين كعين هيجل الجدلى ولا داروين صاحب نظرية التطور.

الجيتا نص رفيع موحى، نتاج نوع من الوعى الذى يوفره فقط الدرس والوعى الاستبطانى التأملى، نتاج حالة تمتع ملكات العقل بسكينة وسلام نهائيين.


الجيتا تتجاوز المنطق وتمدنا بوصف يعلو على الحقيقة الحياتية. الحقيقة المطلقة ليست بحاجة إلى التثبت أو الدحض، بل إلى أن تعاش.

وتحقيقها يعنى الذهاب فى رحلة استكشاف داخلية، والتوغل فى ذات الإنسان نفسه، إنها تعنى إذكاء شعلة المقدس الكامنة تحت حجاب كثيف من الجهل، ومناغمة كون المرء الداخلى بتوقيف حالة تسرب المقدس فى اللهث وراء الطمع والشهرة والحقد والكراهية.

إنها تعنى تناول الطعام المناسب، وممارسة النوع الملائم من التأمل وإذكاء القدرة على العمل والاستجابة إلى النظر فى أعماق الذات.


الجيتا تعنى شحذ الحدس وتعميق الاستبطان لفحص الأفكار والدوافع والمشاعر، بحيث تصير المعرفة بالله تجربة شخصية سامية، أو كما يقول الشاعر الصوفى الإنجليزى «بليك»: «إذا نظفت أبواب الإدراك سيتبدى كل شىء كما هو: لا نهائى».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات