.

سبعاوى كان يقدس قيمة العمل.. فتعاملنا معه كشخصية مسخرة واعتبرناه مجنونًا

Foto


عزيزى «سبعاوى».. أو العظيم فؤاد المهندس فى الفيلم التراثى الجميل «عائلة زيزى» الذى يمكننا من خلاله استشراف بعض ملامح الحياة فى عصور ما قبل السبعينيات، تحية طيبة وحقيقية وصادقة، وأما بعد..

نحن مدينون بالاعتذار لك، حيث ظللنا نضحك عليك طوال الفيلم، واعتبرنا مكنتك اللى مستنيها تطلع قماش إفيه كوميدى، ونظرنا إلى احترامك للوقت وتنظيمك له وتقديرك لقيمته نظرة ساخرة، وتعاملنا مع عشقك لعملك وتفانيك فيه وإخلاصك له على أنه جنون ولسعان، وسخرنا من عدم قدرتك على التواصل الاجتماعى من فرط استغراقك فى عالمك الخاص شأنك فى ذلك شأن جميع العباقرة، واستسلمنا لذلك التابوه السينمائى المصرى الفلكلورى المتوارث والذى ينص على أنه شخصية المخترع أو العالم المستغرق فى علمه أو العبقرى عمومًا هى شخصية كوميدية ولاسعة ومسخرة وينبغى عليها أن تثير الضحك!
نحن مدينون بالاعتذار لك، حيث ثبت الآن بما لا يدع مجالًا للشك أن تلك النظرة الفلكلورية التراثية السينمائية المتوارثة والتى تنص على أن شخصية العالم فى السينما ينبغى أن تكون شخصية مسخرة ليست مجرد تابوه سينمائى غير مقصود، وإنما هى تابوه سينمائى مقصود تمامًا مع سبق الإصرار والترصد، فنموذج «العالم» فى الأفلام السينمائية المصرية -القديمة منها خصوصًا- لن يثير فى نفس أى طفل يشاهد الفيلم الرغبة فى أن يصبح مثله عندما يكبر، سوف يضحك عليه فقط، ولكنهم عندما يسألونه وهم يلاعبونه: «عايز تبقى إيه لما تكبر»؟!، سوف يجيبهم بحاجة من إتنين، «ظابط أو دكتور»!
نحن مدينون بالاعتذار لك، ولولا الملامة يا هوا لولا الملامة لكنت قد أسميت تلك المقالة التى هى على هيئة رسالة اعتذار إليك، «إحنا آسفين يا سبعاوى»، إلا أننى تراجعت عن تلك الفكرة نظرًا لابتذال تلك التكوينة الاعتذارية، حيث أصبحت أى جملة اعتذار من نوعية «إحنا آسفين يا فلان» لا تفيد الاعتذار بقدر ما تثير التهكم والسخرية والتريقة، نعم عزيزى سبعاوى، لقد ابتذلنا مفهوم الأسف والاعتذار كما ابتذلنا شخصيتك كمخترع عبقرى يحترم الوقت فى الفيلم.
عزيزى «سبعاوى»، لقد أصبحنا شعبًا لا يقدر أهمية الوقت، بأمارة مواعيدنا اللى بنديها بعد الضهر أو قبل المغرب أو بالليل، كما أصبح العثور على شخص يحب عمله بجد ويتفانى فيه أشبه بالبحث عن إبرة فى وسط كومة قش، هذا طبعًا بالإضافة إلى انعدام التواصل الاجتماعى الحقيقى واستبدال العالم الشاسع الذى خلقه الله لنا لنبرطع فيه براحتنا بعالم آخر افتراضى اخترعناه وتركناه هو يبرطع فينا براحته، كل هذا ولا زلنا نضحك عليك كلما رأينا الفيلم، كل هذا ولا زلنا نتريق على انضباطك الصارم فى تقسيم جدولك اليومى وفى الالتزام بمواعيد تناول طعامك تقديرًا منك لقيمة الوقت والدقيقة والثانية، كل هذا ولا زلنا نتعامل معك كشخصية مسخرة كلما رأينا الفيلم، على الرغم من أن مجهوداتك قد أثمرت فى النهاية ومكنتك بالفعل طلعت قماش، بينما مكنتنا التى لم نخترعها حتى الآن أساسًا لسه ما طلعتش أى قماش، وعلى الرغم من ذلك، لسه بنضحك عليك!
لهذا كله، عزيزى «سبعاوى»، إحنا بجد آسفين..
والسلام ختام.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات