.

مدارس الفقه المزايدة على القرآن

Foto

هل كان النص التشريعى يجيب عن أسئلة مفروضة من الواقع المحلى أم عن أسئلة مفترضة؟


انقسمت مدارس الفقه بين الاعتدال والتطرف، أو بين الأخذ بظاهر النص القرآنى والتفسير المتشدد، ومن أمثلة ذلك تفسير «القتال فى الشهر الحرام» المنصوص عليه فى سورة البقرة/ 217، هذا النص قرأه البعض فى ظاهره «تحريم القتال» باعتباره إثما كبيرا، ثم تأتى المشكلة عندما يقول النص «قل قتال فيه كبير»، وكان التبرير فى نفس الآية «وصد عن سبيل الله وكفر به..».


فى هذه الآية فإن بعض مدارس الفقه يتعاملون معها على أنها صالحة لكل زمان وكل مجتمع وفق قاعدة «عموم اللفظ وخصوص السبب» أى تجاهل أسباب النزول بل وتجاهل أن الآية تبدأ بالسؤال: يسألونك، خصوصا أن «تحريم القتال فى الشهر الحرام» كان هو العرف السائد، فى المجتمع الذى نعته الإسلام بالجاهلى، لدرجة أن قال البعض «يجوز نسخ القرآن بالسنة»، وقال الجوينى «وهو من متكلمى الشافعية» إن «نسخ القرآن بالسنة غير ممتنع» «الجوينى- البرهان فى أصول الفقه- ج2- ص1307- نقلا عن عبد الجواد ياسين- الدين والتدين- دار التنوير للنشر- عام 2012- ص110». وأضاف ياسين: لقد توقف الفقه أمام اللحظة المحلية والعابرة فى التاريخ، وهى لحظة «حرب» ليستخلص منها حكما نصيا فى غاية الخطورة ويجعل منه القاعدة الأساسية التى تحكم علاقة المسلمين بالأغيار حتى إن ابن العربى شرح المقصود بتعبير «المشركين»، فقال «الذى عندى أن هذا عام فى كل أحد ممن له عهد دون من لا عهد له وفقا لآية (إلا الذين عاهدتم من المشركين) (التوبة/ 4) فمن كان له عهد أجل أربعة أشهر ويحل دمه، ومن لم يكن له عهد فهو على أصل الإحلال لدمه بالكفر الموجود به» «ابن العربى- أحكام القرآن- ج1- ص364»، وكتب فى تعليقه على آية «فاقتلوا المشركين» «التوبة/ 5» أن «هذا اللفظ وإن كان مختصا بكل كافر بالله عابد للوثن فى العرف، ولكنه عام فى الحقيقة لكل من كفر بالله... ويبقى الكلام فيمن كفر من أهل الكتاب، فيقتلون بوجود علة القتل وهى الإشراك فيهم» «مصدر سابق- ص370»، وكان تعليق ياسين أن ابن العربى تجاوز مشركى العرب إلى كل «كافر» أى إلى كل من لم يدخل فى الإسلام، ويسرى فى كل مكان بدليل قوله تعالى «حيث وجدتموهم» فكان تعليق ياسين: وأخطر ما يمكن قراءته عند ابن العربى فى هذا الصدد هو تعليقه على آية «واقعدوا لهم كل مرصد» بقوله «قال علماؤنا من مذهب المالكية: فى هذا دليل على جواز اغتيالهم من قبل الدعوة»، فكان تعليق ياسين: إن ابن العربى يوقفنا على نمط تفكير نابع من ثقافة تدين خشنة ظلت محملة بأعراف الحروب العربية التى لابست النص القرآنى فى مراحله الأولى، كما أن ابن العربى كتب إن الله «غفور رحيم بخلقه فى إمهالهم ثم المغفرة لهم» فكان تعليق ياسين: فكيف يستقيم الإمهال مع الاغتيال؟ «الدين والتدين- ص116». وتساءل ياسين: هل كان النص التشريعى يجيب عن أسئلة مفروضة من الواقع المحلى أم عن أسئلة مفترضة؟ وإلى أى مدى كان النص يستمد حلوله الموضوعية من النظام العرفى السائد فى المحيط العربى والمتأثر بتسريبات بابلية وتشريعات توراتية؟ لقد اهتم القرآن بأحكام الحرب لأنها لم تكن حدثا استثنائيا فى الاجتماع القبلى العربى، وكانت كذلك بعد الإسلام فى فترة تأسيس الدولة، وقد عكست صياغات النص المدنى هذا الحضور المكثف بوجوب القتال، مقارنة مع الصياغات المكية التى اتسمت بنبرتها الهادئة.


إن الدراسات القرآنية تنبهت إلى فروق النص المكى والمدنى، ولكن هذه الدراسات لم تتوقف أمام دلالة النص المدنى خصوصا آيات القتال التى وضعتنا فى أجواء المجتمع القبلى العربى، للتأكيد على «ثقافة الغزو» وكانت -فى وقتها- حالات ظرفية وممعنة فى المحلية، وبهذا نكون أمام نموذج بارز فى الفقه وفى العقلية الدينية، بالتماهى والتشابه مع التراث التوراتى حيث نقرأ «حين تقترب من مدينة لكى تحاربها استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح فيكون كل الشعب لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك... فحاصرها واضرب جميع ذكورها بحد السيف» «تثنية 20: 10- 13» وكان تعقيب ياسين: وهذا ما سار عليه التوجه العنيف فى مسار التدين الإسلامى وتاريخه، سواء على المستوى الخارجى تحت عنوان «الفتوحات/ الغزوات» أو الاقتتال الداخلى بين الفرق، وهو ما انعكس على الذات الإسلامية المعاصرة.
وعلى مستوى الفقه تم تحويل الغزو القبلى تحت مسمى الجهاد إلى «فريضة دينية» مؤبدة وتقسيم العالم إلى «دار الإسلام» و«دار الحرب»، والربط بين حِل الدم وحالة الكفر أو عدم الدخول فى الإسلام، ويعنى ذلك وجوب مبادأة الناس بالقتال والاستمرار فى ذلك حتى يدخلوا جميعا فى الإسلام أو يدفعوا الجزية إذا كانوا من «أهل الكتاب»، وأن مدارس الفقه المتشددة استندت إلى قول الرسول «بعثت بالسيف وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى»، وهذا هو تصور المذاهب الفقهية التى انحازت للانتصار السياسى وتمدد الدولة «الإسلامية»، وهذه المذاهب الفقهية استندت إلى نصوص القرآن التى تبيح القتال، مثل الآية 39 من سورة الحج، وكذلك سيرة الرسول حيث إنه فى السنة الثانية للهجرة قاد بنفسه سبعين جنديا لملاقاة قافلة قرشية فى ما يعرف بغزوة الأبواء ولكنه فشل فى اللحاق بها، وتكرر ذلك حين خرج فى مئتى مقاتل ليعترض قافلة أمية بن خلف فيما يعرف بغزوة «بواط» وفشل فى اصطياد القافلة.. وغزوات كثيرة إلى أن كانت سرية عبد الله بن جحش التى نزلت بشأنها آيات القتال فى شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وبينما كل هذه الغزوات أخذت «طابع الهجوم» فإن الفقه أضفى عليها صفة غير حقيقية عندما منحها صفة «غزوات دفاعية» مثل «ابن العربى» الذى كتب أن القتال «مكتوب على جميع الخلق» وكفر المعتزلة والقدرية، وفسر آية «اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم... إلخ» «التوبة/ 5» أنها «عامة فى كل موضع» «أحكام القرآن- ص371».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات