.

«سندباديات» حسين فوزى.. وحدة تاريخ مصر

Foto

وفى بحبوحة الفن والفكر يكاد يُبحر أستاذنا الراحل حسين فوزى فى تاريخ مصر، تاركًا روحه تحوم بحرية لا تحدّها «رؤية المؤرخ»، متنقلاً بقناعة تترسخ مع كل خطوة


فى أوقات بعينها، أدمنت معاودة أعمال تخص «مصر»، لا تفقد فاعليتها ولا دورها مع الزمن.

ولعل أهم ما تحدثه من أثر بالنسبة لى -على الأقل- يكمن فى «لملمة النفس» أو «استعادة التماسك» للروح، أو «تثبيت نوع من اليقين» كان الدافع وراء أن نتعامل معها على طريقة «الريبورتوار» فى المسرح، أى الاستعادة، استعادة «جوهر» يكون لازمًا أو ضرورة، مهما تعاقبت السنون، واختلفت الأجيال، وتباينت ظروف هذه الـ«مصر» التى أوجز عمّنا العبقرى صلاح جاهين ما نكنّه لها لمّا على اسمها «أفاض»، ومن فيضه «على اسم مصر يقول التاريخ ما شاء، أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء، بحبها وهى مالكة الأرض، وبحبها وهى مرمية جريحة حرب، بحبها برقة وعلى استحياء، وأكرهها وألعن أبوها بعشق زى الداء، وأسيبها وأطفش فى درب وتبقى هى فى درب، وتلتفت تلاقينى جنبها فى الكرب، والنبض ينفض عروقى بألف نغمة وضرب».


على هذا المنوال، وفى بحبوحة الفن والفكر يكاد يُبحر أستاذنا الراحل حسين فوزى فى تاريخ مصر، تاركًا روحه تحوم بحرية لا تحدّها «رؤية المؤرخ»، متنقلاً بقناعة تترسخ مع كل خطوة، أن مصر الواحدة جغرافيًّا امتلكت فى كل ما تعاقب عليها من حضارات متعاقبة نوعًا من الوحدة التاريخية المتماسكة. فى كتابه المحب «سندباد مصرى»، الذى يصلح دليلاً سلسًا لاكتشاف تاريخ مصر فى أحواله وحقبه المتتالية، يلج القارئ مجريات شعب ممتد الجذور، هو «البطل» فى رواية ذات فصول، وليس بطلاً لمجموعة من القصص المتراصّة، وشتان بين الشكلين. العقود الزمنية التى تفصلنا عن اللحظة التى توقف فيها الدكتور حسين فوزى لتاريخ مصر، تكاد لا تجد أثرًا لها إن قمت بطلة مُتمعنة على اختياراته الدالة، المفعمة بحب ووعى، والتى أتصور أنها ضرورة لأى منّا، إن أراد أن يفهم «المعيش» فى الوقت الراهن، على الرغم من إصرار الدكتور حسين فوزى على أن كتابه «أدبى» محض، وأن حريته فى التأليف الأدبى لم تلزمه بمطالعة كل ما كُتب عن تاريخ مصر، وأنه وحده يتحمل «وزر عمله». وهذه المبالغة فى التواضع تصاحبه والقارئ المندهش من عُمق وقفاته، التى يصفها بأنها كانت على هامش تاريخ مصر، وهى فى القلب منه، والتى يصفها أيضًا بكونها كانت وفقًا لانفعالاته بتاريخ بلاده، وهو الذى وُلد فى حقبة مصر «العثمانية»، أيضًا بحسب تعبيره «ما كان يوصف فى الدجل السياسى باسم السيادة التركية»، وسمع خطباء مساجد القاهرة يدعون للسلطان محمد رشاد، ولعب الجمباز فى مدرسته على وقع أو إيقاع كلمات لغة لا يعرفها، هى التركية، وشهد تغير العلَم المصرى من الأحمر ذى الهلال والنجمة الواحدة إلى الأهلّة الثلاثة بنجومها، فالأخضر مثلث النجوم والهلال الواحد، إلى علَم الجمهورية العربية المتحدة. عاش وطنية ثورة ١٩١٩، ثم غادر إلى أوروبا للدراسة ليعيش الغرب «بعقلية أوروبية وقلب مصرى».


«أؤمن بوطنى وشعب بلادى المؤلف من ملايين المحرومين من الصحة والتعليم ومن الرفاهية الجثمانية والعقلية» ولهذه الأسباب استبشر الدكتور حسين فوزى بثورة يوليو «ربما كان ذلك الفجر هو الذى أنار لى الطريق إلى تأليف هذا الكتاب».

الوحدة الكامنة وراء تاريخ مصر هى الرؤية التى تحرك الدكتور حسين فوزى، المُصرّ على أنه ليس مؤرخًا لا بالفكر ولا بالمهنة، وأن عرضه كان لصور من الحياة المصرية، على شاكلة دور المخرج السينمائى الذى لا يكتب القصة ولا يستخلص السيناريو ولا يضع الحوار ولا يصمم الديكور ولا يعمل على أجهزة الإضاءة، ولا يُمثل ولا يُصور «إنما هو يستخدم كل ما تضعه حرفة السينما وصناعتها وفن رجالها ونسائها بين يديه من ممكنات ليجمع ذلك فى صور تتجلى فى ذهنه أولاً، وقد ينجح فى تنفيذ الصورة الذهنية وقد يخيب».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات