.

الساموراى المصرى

Foto

رجائى المستقر حاليًّا بمدينة «بيرث» بأستراليا بعد زواجه من أسترالية عاش بعواصم الدنيا، من روما إلى باريس، وجاب لندن وموسكو، لكن اليابان هى لحظته الفارقة ونقطة تحوُّله، وهى الفن والتجربة


العاصمة اليابانية القديمة «كيوتو» خلبت لبّ الفنان المصرى.. وبينما هو واقف على رصيف ميناء بورسعيد وفى وداعه الفنان ناجى، رحمه الله، وأخته وخاله، متأهّبًا للرحيل، كانت كل الخيوط تتجمَّع لنسج شخصية «الساموراى المصرى»، وهو ما يعنون به رجائى ونيس رحلته الثانية إلى اليابان.

رجائى المستقر حاليًّا بمدينة «بيرث» بأستراليا بعد زواجه من أسترالية عاش بعواصم الدنيا، من روما إلى باريس، وجاب لندن وموسكو، لكن اليابان هى لحظته الفارقة ونقطة تحوُّله، وهى الفن والتجربة، وحتى بعد مضى أكثر من خمسة وأربعين عامًا ما زالت تؤطر عالمه، حتى كأنها امرأة من ذلك النوع الذى يجب غيره من النساء، ما أن عشقها حتى صارت مندوبة كل النساء فى عالمه.

استغرق خروجه من مصر أربعة أشهر يستكمل خلالها الورق. بتأشيرة خروج وطاقة من الحب لكيوتو وطاقات من الأحلام حمله لنش صغير إلى عرض البحر حيث تقف السفينة التى سوف تقله ومعه حقيبتان كبيرتان وثلاثة كتب تحمل روح مصر، وكم من البيض المسلوق (طعامه المفضل) أعدَّته له أُمُّه، يأكله فى ما بين الوجبات.


كانت الكابينة ذات الأسرَّة الثلاثة، والتى حظى فيها بمكان يوائم إمكانياته، صعبة فى اهتزازاتها وإقامتها، مما دفعه لقضاء أوقات على السطح بأدوات الرسم والإسكتشات. كان ونيس يحس فخرًا وثقة بالنفس وقدرة على التواصل مع ركاب ليس من بينهم مصرى واحد. كان بخياله وصل إلى حيث المعابد والحدائق، وكان يستحضر من دواخله صورة مكتملة، وقد عاش حيث يحلم وأتقن اللغة والفن، متخيلاً معارض سوف يقيمها ونساء يكتشفهن.


بعد شهر من الإبحار، ولد ونيس من جديد ومعه حياته الجديدة التى يكاد لا يغفل منها ولو لحظة. يقول «كنت أحب حياتى الجديدة التى اختلفت تمامًا عن الماضى، كنت سعيدًا بالذهاب إلى الكلية ومعى دفتر الإسكتشات، وفى المساء أرسم ما رأيته. إلى عائلة «ميناموتو» يهدى ونيس بعضًا مما كتب، فهى كانت مدخله إلى حياته الجديدة. هذه العائلة كانت تدير مكانًا لطيفًا يسكنه الطلبة من أرجاء الدنيا المولعين باليابان. مستر ميناموتو الذى لا يجيد الإنجليزية وكذلك زوجته سوف يكون عدم إجادتهما للغة غير اليابانية الدافع وراء سرعة تعلم ونيس اليابانية.


كانت أخبار مصر تصل إليه عبر خطابات الأهل والأصدقاء وبالذات جوابات الدكتور مصطفى محمود وناجى، وقد أسهمت هذه الرسائل على ما يصفو رجائى بالماضى وأن يظل حيًّا.

كان مصطفى محمود بالذات حريصًا على أن لا يفقد صلته بمصر، وكان يرسل إلى ونيس نصوصه القصصية ليرسم لها أغلفة ورسوم الداخل فى لحظة إخراج ونيس الثلاثية المحفوظية من الحقيبة، ولم يستطع أن يفارقها وكان كلما توغَّل فى القراءة يزداد عطشًا وكأنه يعيد اكتشاف شخصيات من حياته.


يقول: كنت أحيانًا أرفع عينى عن الكتاب لأتأكد أننى لست فى مصر بل فى كيوتو فى الطرف الآخر من العالم. كنت أحب تلك اللحظات التى أتمتع فيها بالعالمَين، العالم الذى اخترته بإرادتى وأتمتع فيه بحرية كبيرة والعالم الذى تركته خلفى.

فى تلك اللحظات كنت أحس أن حرية الاختيار هى أهم ما فى الوجود بالنسبة إلى الفنان.. بين العالمين وبشعور من الحرية التامة كانت حياته وكان تأمله المستمر والمقارن ما بين حضارة ولد فى أحضانها وأخرى لجأ إليها.

كان يحس أنه يعيش أسعد سنوات عمره، ففى كل لحظة يتعلَّم جديدًا فى مجتمع يندمج فيه بغير قيود إلا التهذيب.


الإحساس بالحرية وبكل تجلياتها أمر بارز فى ما يكتبه سواء على مستوى العمل أو الدراسة أو حتى مجرد دردشة ما بعد العشاء. يذكر كاتبنا أكثر من شخصية يرجع إليها الفضل، الشخصية الأولى بعد عائلة مينا موتو هى السيد تاناكا مدرس اللغة العربية بجامعة أوساكا، والذى قدَّم فرصة تمثيل لرجائى أو دورًا فى أحد أفلام الدعاية لشركة منسوجات يابانية ترغب فى دخول سوق الخليج، وكان الدور الإعلانى دور أمير يرتدى أفخر الثياب، والشخصية الثانية هى السيدة ناكا مورت المحررة بجريدة «يوميورى»، وهى والدة فتاة كانت تدرس فى كلية الفنون والتى قابلتها فى أثناء زيارتى أحد المتاحف، والتى كانت تحمل فضولاً لا ينضب وكانت تعمل على إيجاد فرص لى للنشر والرسوم.


المرأة اليابانية هى آخر حظوظ الرجل وهى الأسطورة وحضارة اليابان، سلسلة من الألغاز المتوالدة، والأهم فى كل ما يكتب هو الإحساس بالحرية، وساموراى النيل عاش أسعد أوقاته عام ١٩٦٦، بعدما أتقن اللغة ودرس وعشق وعمل وصال وجال وقطع مئات بل آلاف الكيلومترات فى الاكتشاف، ومارس صنوفًا من الأعمال، واغتنت حياته وتعدَّدت جوانبها وتعدَّدت معارضه، إذ لديه معرض ضخم، ولقب «ساموراى النيل» الذى أطلقته صديقة.

الساموراى الحقيقى يعتمد على نفسه فى كل الظروف ولديه قوة داخلية للتغلُّب على الصعاب، والأهم أن الخوف لا يعرف طريقًا إلى قلبه، وقد كان. وكان أيضًا أن تحققت مقولة ذكرها لنا فى البداية أن لحظةً تواجه عاشقَ بلاد الشمس المشرقة ترغمه على رحيل.. ولو إلى حين.. وقد كان أيضًا.. كان السؤال المستمر عن القادم من الأيام.


ضفيرة الأيام عند ونيس تمزج بين عديد من الأسئلة، لكن أجمل ما فيها هو الشعور بأنه قد ترك شراعه مفتوحًا.. وأنه لم يخف، لا مما كان ولا مما هو قادم، وأنه قد واجه بصدق واختار ما يعيشه كساموراى أصيل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات