.

المفسرون شركاء فى ضياع فلسطين بأفكارهم

Foto

كيف شارك المفسرون فى ضياع الأرض بينما نحن صامتون؟ إلى متى ستظل النصوص التراثية كالفخ الذى نسقط فيه كل مرة دون أن نتعلم؟


بعض التفاسير والروايات والأحاديث والفتاوى قد ضيعتنا وما زالت تضيّع فينا، فما بين هوية مشوهة وضحايا عبر الزمن إلى تواطؤ أو ربما جهل يؤذينا كل يوم ويشوّه ديننا، أدخل إلى هذا المقال بقلب مرتعد وانكسارات مقيمة لم تغادرنى غصّتها منذ ما يقرب من نصف عمرى الضائع فى مطالعة التراث ومحاولات شتى للصلح والتصالح مع الكثير من النصوص، تنتهى جميعها بالفشل والخيبة، لا أظن أن عربيًّا واحدًا، أيًّا كان دينه، يختلف على أحقيتنا فى فلسطين كاملة، فهى لنا جميعًا، وقداستها قد تقسمت بتساوٍ إلهى بديع بين أديان الله الثلاثة. لكن الأمر الذى يثير دهشتى أن يصر الكثير ممن يطلقون على أنفسهم رجال الدين على انتزاع تلك القداسة فقط لأنفسهم. أخجل كثيرًا من ذلك، وكلما بحثت فى كتب التراث عن سبب واضح يجعلهم يتشدقون بهذه الأفضلية ويدّعون أن القداسة ملك لهم، أصابتنى الدهشة ووددت لو همست فى آذانهم: فلتراجعوا التفسيرات المتعلقة بالأرض، ولا أقصد فلسطين فحسب، ولتنقحوا ما بها من مصائب أولاً قبل هذا التشدق.


ففى تفسير الطبرى لقوله تعالى: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ»، يقول الطبرى: «وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التى بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويل والسيَر والعلماء بالأخبار على ذلك». «تفسير الطبرى- 8:286».


هذا كما يرى القرطبى نفس التفسير، فيقول إن مشارف الأرض ومغاربها المقصودة هى الشام ومصر، ثم يردد الشيخ الشعراوى فى أحد الفيديوهات الشهيرة التفسير ذاته. لكن السؤال، ألم يتوقف أحد منهم ويسأل نفسه: هل ورث بنو إسرائيل الشام ومصر مجتمعتين أبدًا بعد الخروج؟ هل حدث هذا فى التاريخ ولو لمدة يوم واحد؟ الإجابة هى أن هذا لم يحدث قط، فهل كلام المفسرين والشيوخ -إذن- محض عدم فهم، وتكهن جاهل بالنص، أم أنه «وعد بلفور» آخر من النيل للفرات، يعترف ويقر بما جاء فى كتب التراث اليهودى المقدسة، التى استخدموها للحصول على فلسطين قبل ذلك؟ فهل يأتى اليوم الذى يستخدمونها فيه للحصول على مصر أيضًا، ويرفقون معها تفسيرَى الطبرى والقرطبى وفيديو الشيخ الشعراوى مجتمعين، حتى يحصلوا عليها باعتراف تراثنا وتفاسيرنا؟! هل يأتى اليوم الذى يرفع فيه الإسرائيليون كتب التراث الإسلامى ويُشهرونها فى وجوهنا، ويقولون إنها تطابق ما جاء فى كتب التراث اليهودى من وعد إلهى بأن تمتد أرض الميعاد من النيل للفرات، وإن كتب التفسير الإسلامية لا تخالف فى حقيقة الأمر كتب التراث اليهودى، بل توافقها وتعضد من موقفها؟ فلو أن بنى إسرائيل الذين يقصدهم القرآن لم يحصلوا على الأرض تاريخيًّا من النيل للفرات، فمعنى تفسير الطبرى والشعراوى والقرطبى أنهم سيحصلون عليها لأن هذا لم يحدث، أو أنهم مخطئون فى تفسيرهم للفظ القرآنى «مشارق الأرض ومغاربها» وأن المقصود هنا ليس مصر والشام بحسب زعمهم، فلمَ لا يلتفت المدعون والمتشدقون إلى فخ كهذا قبل أن يطلقوا الصيحات التى تفرغ القضية الحقيقية، وهى قضية الوطن والهوية التى نتمسك بها، وسنظل؛ لأن الوطن لا يقبل المساومات ولا يعرف الأفضلية بين أبنائه، ولم يكن تاريخ قداسة أى مكان ذريعة لاحتلاله وطرد أبنائه منه، ولا للمطالبة به بأثر رجعى، مثلما يفعل الصهاينة للحصول على الأرض. فمتى نفيق من سُباتنا العميق ونراجع هذا التراث المدسوس علينا حتى نتمكن من معرفة هويتنا الحقيقية؟! هل نستطيع؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات