.

عرابى الذى تحاربه الحكومة حين تمنع زراعة الأرز!

Foto

لماذا قانون منع زراعة الأرز والمحاصيل كثيفة استهلاك المياه كارثى وغير سياسى؟ ولماذا لجأت إليه الحكومة حاليًّا؟


مع كل أزمة تواجهها مصر تبحث الحكومات المتعاقبة، دائمًا، عن مخرج/ مخارج، تحاول من خلاله/ خلالها، الخروج من تلك الأزمة، لكنها فى كل مرّة لا تملك استراتيجية تمكّنها من وضع حلول جذرية، أو حتى بدائل تخفّف من وطأة وشدة الأزمات، والتعاطى معها بشكل يضمن تقليص وتقليل الخسائر، بل يضمن السلامة للجميع!

وجدت الحكومة نفسها، فجأة، أمام مشكلة نقص المياه وندرة وثبات موارد البلاد المائية، إن بسبب كثافة الاستهلاك، وإن بسبب تزايُد السكان، وإن بسبب الاعتماد على طرق رىّ تقليدية كالرى بالغمْـر، وإن بسبب مشكلة سدّ النهضة الكهرومائى الإثيوبى، فحاولت مواجهة تلك المشكلة، فلم تجد أمامها سوى الفلاح وأرضه ومحاصيله التى تستهلك كميات كبيرة من المياه، ويأتى محصول الأرز على رأس تلك المحاصيل، إذ يستهلك الفدان الواحد نحو 7000 متر مكعب من المياه، وبلغة الأرقام يكون إجمالى كمية المياه التى يستهلكها الأرز فى مصر سنويًّا نحو 6 مليارات متر مكعب من المياه العذبة، ما يجعل هذا المحصول يمثّل عبئًا على الموارد المائية للدولة، لذلك جاء تفكير الحكومة مباشرة فى مواجهة شراهة ذلك المحصول، وغيره، للماء، من خلال مشروع قانون قامت بإرساله إلى مجلس النواب، ليوافق عليه بدوره نهائيًّا، يوم الأحد الماضى، وهو مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون الزراعة الصادر بالقانون 53 لسنة 1966، الذى يعطى لوزير الزراعة بالتنسيق مع وزير الرى، طبقًا للسياسة العامة للدولة، الحق فى أن يُصدر قرارًا بحظر زراعة محاصيل معينة من الحاصلات الزراعية فى مناطق محددة، ويُعاقَب الفلاح المخالِف بغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه، ولا تزيد على عشرين ألف جنيه عن الفدان أو كسور الفدان، بالإضافة إلى إزالة المخالفة على نفقة المخالِف على أن يُعاقَب بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر، ليجد الفلاحون أنفسهم بين عشية وضحاها فى قبضة الشرطة ومواجهة الحبس مع المجرمين وأرباب السوابق، وقد جاء هذا القانون بعد قرار وزارة الرى بتقليص مساحات زراعة الأرز إلى ما يقرب من النصف تقريبًا، لتقتصر المساحة المسموح بزراعتها هذا العام على 724 ألف فدان فقط، ومما يُعجب منه تضارُب البيانات حول المساحات المزروعة بالأرز فعليًّا عام 2017، بين وزارتَى الزراعة والرى، حتى إننا لا نستطيع الاهتداء إلى بيانات موحّدَة منضبطة، على الرغم من أن تيْنك الوزارتَين، الرى والزراعة، تتبعان حكومة واحدة!
تعتقد الحكومة أنها بذلك تتخذ تدابير لمواجهة الأزمة المائية المتفاقمة، والتى تشتدّ كلما اقتربت حكومة أديس أبابا من استكمال إنشاء سدّ النهضة، وملء خزان السد، حسب المتوقّع، فى نهاية العام الحالى، فى الوقت الذى تتعثّر فيه المفاوضات مع إثيوبيا، لكنها تدابير لا تعالج المشكلة ولا تتوافق مع السياسة والاقتصاد والعدالة والعلم، فمما هو معلوم أن محصول الأرز يُعدُّ من المحاصيل الأساسية التى يعتمد عليها المواطنون جميعهم فى الغذاء، فهو يأتى فى المركز الثانى بعد القمح فى مكونات الغذاء للشعب المصرى، كما يُعد كذلك من المحاصيل الزراعية القليلة التى تُصدَّر إلى الخارج فتوفر عائدًا كبيرًا من العملة الأجنبية يُسهم فى اقتصاديات الدولة، خصوصًا مع تمتُّع هذا المحصول فى مصر بأعلى إنتاجية على مستوى العالم، الأمر الذى يعنى جدوى زراعته على مستوى تأمين الغذاء للمواطنين، والاكتفاء الآتى منه على مستوى الاستهلاك المحلى، فضلًا عن وجود فائض كبير منه للتصدير خارجيًّا (سعر الطن المُعدّ للتصدير يبلغ نحو 1000 دولار)، فقد بلغ إنتاج محصول الأرز فى مصر عام 2016 نحو 5.1 مليون طن مقابل استهلاك قدره 3.95 مليون طن، وفى الوقت الذى يتذرّع فيه البعض بشراهة هذا المحصول للماء، فإن الحقائق تنطق بأنه يحتاج إلى 120 يومًا فقط لحصاده، بينما تحتاج المحاصيل الصيفية الأخرى كالذرة الشامية وفول الصويا إلى وقت أطول للحصاد، فضلًا عن أن آلاف الأفدنة منه تُروى بالأساس، حاليًّا، بمياه الصرف الزراعى، لا بمياه الشرب.
وثمة أمر آخر، ربما يكون أقوى الحقائق العلمية على الإطلاق، ولا أدرى كيف غاب عن أذهان السادة المسؤولين فى وزارتَى الزراعة والرى، فكل الخبراء أجمعوا على أن الأرز هو البديل الوحيد حاليًّا لفيضان النيل، الذى يغسل تراكمات الأملاح والتلوث من أراضى الدلتا المجاورة للمياه المالحة للبحر المتوسط.. فنحو 47% من أراضى شمال الدلتا بطبيعتها ملحية ضعيفة الإنتاج تحتاج إلى حتمية زراعات الأرز، الذى لولاه لبارت أراضى شمال الدلتا جميعها، لذلك أكّد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة، أن الأراضى فى مصر إذا لم تُزرَع بالأرز «فستخرج عن نطاق إنتاجيتها، وتتحول إلى أراضٍ مالحة قاحلة غير قابلة للزراعة وتزيد فجوتنا الغذائية، وبالتالى ما نستهلكه من مياه لزراعة الأرز بالدلتا فى مكانه الصحيح وليس هدرًا، بل هو محصول مربح للفلاح ويجدد نشاط الأراضى الزراعية المصرية ويحافظ عليها من التدهور والتصحر»، ما يعنى أن منع أو تقليص المساحات المنزرعة بالأرز سيدمّر أخصب أراضى الدلتا، ويزيد من نسبة ملوحتها، ويعرّضها إلى البوار.  
بالطبع، لا أدرى هل استمعت الحكومة إلى آراء الخبراء والاختصاصيين قبل اتخاذها هذا القرار الكارثى أم لم تستمع إلا إلى موظفيها؟! وأيًّا كان الأمر، فإن ثمة أزمة، أزمة اصطنعتها الحكومة الحالية بالاشتراك مع مجلس النواب، لا لشىء إلا لأنها وجدت نفسها بين سندان سدّ النهضة الإثيوبى ومطرقة نقص المياه وفقر مصر المائى، فى الوقت الذى يزيد فيه استهلاكنا للمياه يومًا بعد يوم، للأسباب التى ألمعنا إليها فى صدر هذا المقال، ولعل حرص الحكومة والبرلمان معًا على إقرار تعديلات جديدة على أحكام قانون الزراعة الصادر بالقانون 53 لسنة 1966، إنما يأتى حتى لا يتم التراجع عن القرارات الخاصة بتقليص المساحات المنزرعة بالأرز، كما حدث فى السابق، ففى عام 2015 وبعد أن أصدرت وزارة الرى والموارد المائية قرارها بتخفيض المساحة المنزرعة من الأرز إلى 700 ألف فدان، ما نتج عنه اختفاء الأرز من الأسواق، وخوفًا من عدم كفاية الكمية التى ستتم زراعتها من تغطية احتياجات السوق من الأرز، اضطرَّت الوزارة إلى إعادة المساحات المنزرعة إلى مليون و76 ألف فدان، وفى عام 2016 اتخذت الوزارة نفسها قرارًا آخرَ بتخفيض مساحة الأراضى المسموح بزراعتها بمحصول الأرز فى موسم 2017، إلى 704.5 ألف فدان، مقابل 1.076 مليون فدان الموسم الماضى، ثم تراجعت عن تطبيق القرار لتظل المساحة المنزرعة من الأرز كما هى!
لم نضبط حكومة شريف متلبّسة بأى كلام عن بدائل علمية تضمن استمرارية إنتاج ملايين الأطنان من الأرز المصرى، مع المحافظة على الموارد المائية للدولة، فقط انصبّ تفكيرها فى إصدار قانون تأتى إحدى مواده بنصّ يقضى بحبس الفلاحين المخالفين، وكأن الفلاحين فى برّ مصر «ناقصين!»، فلماذا لا توجّه الحكومة اهتمامها بتبنّى مشروع أرز الجفاف أو ما يطلق عليه «أرز عرابى»، وهو ذلك المشروع العلمى الذى أعدّه منذ سنوات الدكتور سعيد سليمان، أستاذ الهندسة الوراثية بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، والذى استخلص أربعة أصناف من أرز الجفاف تحت اسم «عرابى»، وتحمل أرقام 1 و2 و3 و4، وهذه الأصناف تتمتع بميزة مهمة تتعلق بالجودة، وجميعها أصناف مرتفعة الجودة والإنتاجية وقليلة استهلاك المياه، ذلك أن فدان الأرز «عرابى» يستهلك خلال 120 يومًا فقط 3500 متر مكعب مقابل 7000 للفدان العادى، وينتج 5 أطنان مقابل 3.5 طن للأرز العادى، ولكن كيف تهتدى الحكومة إلى أمر كهذا وهى بعيدة تمامًا عن نطاق البحث العلمى؟! ومن ضمن نطاق البحث العلمى تغيير وسائل الرى التقليدية واتباع طرق رى حديثة غير طريقة الرى بالغمر التى تعرفها مصر منذ قرون، فهناك الرى بالتنقيط، والرى السطحى، وغير ذلك مما يعرفه أهل الاختصاص.
وبالطبع لن تُطبَّق تعديلات القانون 53 لسنة 1966 على محصول الأرز وحده، بل ستُطبَّق على محاصيل أخرى تستهلك كميات كبيرة جدًّا من المياه، مثل: قصب السكر والموز والكتان، وبهذا يزدادُ الوضع كارثية وبؤسًا، فمعنى أن تُمنَع زراعة تلك المحاصيل بقوة القانون، أننا سنتّجه بالضرورة إلى استيرادها بالعملة الصعبة، ليرتفع ثمنها نتيجة لذلك، بالإضافة إلى تعطيل مضارب الأرز ومصانع السكر والورق والأعلاف وخطوط زيت بذرة الكتان والصناعات المرتبطة بذلك، وفقْد آلاف بل ملايين العمال والموظفين والسائقين والفنيين وعمال الصيانة وغيرهم وظائفهم، وهى كارثة حقيقية بكل المقاييس، لن تؤدى إلى خلل اقتصادى فقط، بل إلى خلل اجتماعى رهيب، من شأنه تهديد السلم الاجتماعى فى الداخل، إذا ما اتخذت الأمور مسارات غير طبيعية، فإذا أضفنا إلى ذلك كله دخول مصر رسميًّا مرحلة الفقر المائى خلال مدة تتراوح من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، بسبب سد النهضة، فهذا معناه زيادة الضغوط الاجتماعية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية المستمرة!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات