.

المصالحة الحرام.. لماذا على الدولة التعقل فى أمر المصالحة؟

Foto

لماذا لا يجب أن تكرر الدولة مأساة إبراهيم عبد الهادى مع الإخوان فى الأربعينيات والسادات فى السبعينيات؟


ليست الدعوة الأولى إلى المصالحة فى هذه الأيام، فقد صدرت دعاوى كثيرة للمصالحة ومبادرات بدأت بالدكتور سليم العوا وانتهت بالدكتور كمال الهلباوى، مرورًا بالدكتور أحمد كمال أبو المجد والمستشار العجاتى، وآخرهم كان الإعلامى الكبير عماد الدين أديب. عماد أديب أكد فى حواره مع أحمد موسى أنه لا يقصد التنظيميين أو المتورطين فى عنف، ولكنه يقصد الشباب فى الدوائر الأبعد من المحبين والمؤيدين، ورغم ذلك فإنه لاقى هجومًا كبيرًا من صحفيين وإعلاميين وأولياء دم من أسر الشهداء، وعلى رأس المهاجمين كان الكاتب الكبير وحيد حامد الذى وجه انتقادات لاذعة إلى عماد على الهواء.

الدكتور كمال الهلباوى لم يذكر تفاصيل ولكنه تحدث عن مجلس حكماء، ذكر منهم عبد الرحمن سوار الذهب والصادق المهدى من السودان، وذكر محمد فايق وعمرو موسى من مصر، وآخرين، مع حفظ الألقاب للجميع، ولكنه لم يتحدث عن التفاصيل، وحتى تصدر التفاصيل فإن الدكتور الهلباوى أستاذ نعزّه ونقدره وحسن النيَّات تجاهه متوفر لدىَّ على الأقل، وحتى تصدر التفاصيل إن كانت ستصدر، سنحاول استقراء الموقف.

 

المصالحة مع التنظيم مرفوضة
فكرة استعادة تجربة السادات فى التفاوض مع التنظيم لتحقيق مصالح وقتية مرفوضة، هذه التجربة فعلها إبراهيم عبد الهادى بعد حل الجماعة فى عام 49 من القرن الماضى واغتيال البنا، ولكن لعدم توافق الوفد وقتها والأحرار الدستوريين لتشكيل حكومة ائتلافية، وفى نوع من المكايدة السياسية أعاد الإخوان إلى الحياة مرة أخرى وزاد فى دعمهم وحققوا انتشارًا كبيرًا فى هذه الفترة، السادات فى ظل مكايدة سياسية للناصريين واليسار الذين ناصبوه العداء من أول يوم تولَّى فيه السلطة، ولتوافق ما مع النظام السعودى فى هذا الوقت الذى كان داعمًا كبيرًا للإخوان فى ظل خلافهم مع عبد الناصر والذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف فى ظل مكايدة سياسية مع النظام الناصرى الذى كان يمثِّل خطرًا كبيرًا على النظام السعودى فى هذا الوقت، أعاد السادات الإخوان إلى المشهد السياسى بقوة تحت ما أطلق عليه الضوء الأخضر وقتها، وانتشرت شُعبهم فى المحافظات تحت شعار السيفَين والمصحف (وأعدوا) فى كل ربوع مصر، ومعسكرات شباب الجماعة الإسلامية كانت تُقام فى المدن الجامعية وتصرف عليها الدولة المصرية برعاية كاملة منها.
ولكن للأسف كان مشروع الأمة التنويرى والحداثى هو الخاسر الأكبر فى ظل هذه المكايدات السياسية، فتأخرت مصر والعالم العربى عن ركب الحداثة وفصل الدين عن الدولة للسير قدمًا إلى الأمام بسبب الصراع على الهوية الذى أثاره الإسلام السياسى تحت قيادة الإخوان المسلمين وهو الذى يعرقل خطواتنا ويعيقنا حتى الآن، ففكرة إعادة إنتاج تجربة عبد الهادى والسادات أو حتى النظام السعودى فى الستينيات، مرفوضة، لأنها ستزيد من العراقيل التى توضع أمامنا، التفاوض مع التنظيم لعودته من جديد تحت أية لافتة خطر كبير.
وتلَت ذلك موجات من الإرهاب والتكفير المتتابع، وخروج تنظيمات من تحت عباءة الإخوان المسلمين كتنظيم جماعة المسلمين بقيادة شكرى مصطفى، الذى أطلق عليه التكفير والهجرة، متأثرًا بأفكار سيد قطب، وتبعه عدد كبير من التنظيمات التى تبنت مفاهيم قطب عن المجتمع الجاهلى وإعادة إنتاج العنف تحت دعاوى الجهاد انتشرت كالنار فى الهشيم ليس فى مصر وحدها ولكن فى العالم العربى بصفة خاصة وفى العالم أجمع بصفة عامة، وما زلنا فى دوامات هذه الموجات المتتابعة من العنف.

 

التنظيم لا الأفراد بشروط
التفاوض مع الشاطر وبديع والبلتاجى وغيرهم كتنظيم مرفوض، أما الأفراد فمن الضرورى تثمين المراجعات، وقد سمعنا عن مراجعات تقدم بها شباب فى سجون بنى سويف وكنج مريوط وغيرها، فعلى النظام أن يثمن تلك الجهود وأن تخرج مبادرة من داخلهم للتخلِّى عن العنف وعن الانتماء التنظيمى إن كان موجودًا، وكل مَن ينضم إلى المبادرة يعزل فى عنابر مختلفة تتميز بمحفزات وسُبل معيشة أكثر أريحية ويتم الحوار معهم ليس من منطلق فوقى ولكن من منطلق أفقى، مع صحفيين وباحثين وأصحاب تجارب مماثلة، وصياغة حلقات نقاشية وتقارب إنسانى بما يسمى إعادة التأهيل، وهى مراكز اعتمدت فى الغرب وأتت بنتائج إيجابية، فقد فعلتها ألمانيا والدانمارك، ففى الدانمارك عرف برنامج أرهوس نسبة إلى مدينة دانماركية انتشر فيها الإرهابيون والذاهبون إلى سوريا، وألمانيا فعلت الشىء نفسه، وكل العالم الغربى عرف برامج إعادة التأهيل التى كانت تستخدم مع الجنائيين فى السابق، والآن تستخدم مع الإرهابيين، لأن المحاولة لابد منها، لأنها إن لم تأتِ بمكاسب فلن تأتى بخسائر بالتأكيد، خصوصًا أننا أمام مشكلة كبيرة ومعقدة، فبعيدًا عن المتورطين فى عنف والمحكوم عليهم بمدد سجن طويلة المدى أو الإعدام هى أعداد لا تتجاوز 1%، أما الآخرون فتهمهم لا تتجاوز المظاهرات والانتماء إلى جماعة محظورة، وهذه أحكامهم بين السنوات الثلاث والسبع على أقصى تقدير، وأعداد كبيرة تحت الحبس الاحتياطى، وهو يمثل ضغطًا على النظام السياسى، فهؤلاء وجودهم خارج السجن فى الفترة القادمة أمر حتمى، ولا ننسى بالطبع الذين لم يدخلوا السجن من الأساس وهم أضعاف مَن هم داخل السجون. فتح مبادرات لتخلِّى هؤلاء عن شيئَين، العنف والتنظيم، هو أول العنف، فالتخلى عن التنظيم هو أمر ضرورى، هذا يساعد النظام على سرعة محاصرة التنظيم وتفكيك أواصره، وسيكون من السهل بعد ذلك ملاحقة مَن يصرون على عقد الاجتماعات التنظيمية وإنشاء المكاتب الإدارية، والكمون للانقضاض على الدولة المصرية فى أية لحظات ضعف قادمة.

 

المنشقون عن الإخوان
بعد تصريحات الهلباوى حدث هجوم كاسح على المنشقين عن الإخوان بشىء من التعميم بدأه الكاتب وحيد حامد وتبعه إعلاميون وصحفيون وبرلمانيون.
أُذَكِّر هؤلاء بأن عبد الناصر كان منشقًا عن الإخوان وكذلك السادات وخالد محيى الدين وعدد كبير من الضباط الأحرار، ومن قادة المجتمع حتى وصلت إلى رفعت السعيد الذى قال إنه كان يحضر فى شُعب الإخوان، فؤاد علام قال فى مذكراته إنه مسجل فى شعبتَين من شعب الإخوان، عبد الناصر استفاد من الانشقاق فاستعان بالشيخ الباقورى وعبد العزيز كامل، حتى بعبد الرحمن السندى قائد التنظيم الخاص، وهذا ما أنجح تجربة عبد الناصر، فقد قضى على التنظيم تمامًا، من 54 حتى موته عام 70، ناهيك بتجربة قطب قصيرة المدة التى أُنهيت سريعًا.
الذين يطلقون سهامهم تجاه المنشقين أو الخارجين عن الإخوان، هؤلاء يقدمون أكبر خدمة للتنظيم، التنظيم سيعزز لأفراده أن حضن التنظيم هو الأكثر أمانًا والباقى لهم، ولن تستطيع أن تتخلى عن التنظيم، فالنظام والمجتمع يلفظانك، لا مستقبل ولا أمان لك خارج التنظيم.
نظام عبد الناصر كان الأكثر ذكاءً وسياسة، والخارجون عن الإخوان ليسوا شيئًا واحدًا لا فى الأفكار ولا فى توقيت خروجهم، فكثير منهم واجه الإخوان وهم فى السلطة، منهم الهلباوى نفسه، فقد كان مشاركًا فى لجنة الخمسين لصياغة الدستور، وهو عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، وقد واجه الإخوان وهم فى السلطة وكذلك ثروت الخرباوى وآخرون، حتى الخارجون لأسباب إدارية كإبراهيم الزعفرانى وغيره، فمَن الضرورى أن تستفيد الدولة بكل هؤلاء.
فى الفترة الأخيرة أصدر إبراهيم الزعفرانى وكذلك محيى عيسى دعوات لحل التنظيم، وهذه الأفكار لابد أن تثمَّن ويترك لهؤلاء الفرصة لمناقشة آخرين لطرح رؤاهم، فلن يؤثر فى صفوف الإخوان أكثر من قيادات من داخل التنظيم بهذه الأوزان كالزعفرانى وعيسى، ولكن للأسف النظام منشغل بأمور كثيرة وغير قادر على توزيع المهام ومواجهة الإرهاب بصورة استراتيجية منظمة، وحتى الهيئة العامة لمواجهة الإرهاب لم تقُم بشىء ملموس حتى الآن، تجربة ناجح إبراهيم فى ما يسمى المراجعات قادرة على الاستنساخ مرة أخرى، بل لقد استفادت منها الجزائر، ولولاها لما استطاعت الخروج من العشرية السوداء.
الذين يدَّعون أنهم الأكثر وطنية والراعون الحصريون للدولة المصرية عليهم أن يتعقلوا وأن يناقشوا الأمور بموضوعية، وأن يقدموا البدائل للخروج من الأزمة التى تمر بها النخبة المصرية الآن، أما الذين لا يرون ثمة أزمة وثمة مشكلة، فهؤلاء لا أمل يرتجى منهم وعلى النظام أن يحظر من الدببة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات