إعادة إحياء مونولوجات إسماعيل ياسين

Foto

كيف نجحت سى بى سى فى إجراء حوار مع إسماعيل ياسين؟ لماذا لا يتم تنقيح تراث سُمعة الغنائى وإعادة طرحه للجمهور؟


نفتقد بشدة الأعمال التى تمزج بين الدراما والوثائقية، تلك الأعمال التى تعيد إحياء الوقائع التاريخية، وتعيد تجسيد سيرة الشخصيات المؤثرة، وتقوم حاليا قناة «ناشيونال جيوجرافيك» بإنتاج سلسلة بعنوان Genius «العباقرة»، وهى من نوعية الأنثولوجى، وهو قالب يعتمد على فكرة واحدة للمسلسل، وموضوعات مختلفة لكل موسم، والمسلسل اختار شخصيات عبقرية، أضافت إلى التراث الإنسانى لتجسيد جزء من سيرة حياتها، وقدمت القناة فى الموسم الأول سيرة العالم الفذ «ألبرت أينشتين»، وجسد شخصيته الممثل جوفرى راش، وبدأت منذ أسابيع فى عرض الموسم الثانى، ويجسد فيه الممثل أنطونيو بانديراس شخصية الفنان التشكيلى العبقرى «بابلو بيكاسو».

قدم فريق برنامج «صاحبة السعادة»، الذى تقدمه الإعلامية إسعاد يونس، على قناة «CBC»، حلقة بديعة وباهرة عن مونولوجات إسماعيل ياسين، والحلقة بدأت بحوار بين الإعلامية إسعاد يونس وإسماعيل ياسين، الذى جسد شخصيته الممثل الشاب محمد فهيم، والفقرة بالأبيض والأسود، وكانت تمهيدًا خفيف الظل لحلقة خاصة واستثنائية عن جزء مهم من تراث الفنان العظيم، لا يحظى باهتمام كبير فى البرامج والأعمال الدرامية التى تتناول فنه.
لم يقم بتحليل هذه المونولوجات والكشف عن تفاصيلها الفنية البديعة بأسلوب فنى بسيط أحد سوى الموسيقار الراحل عمار الشريعى من خلال بعض فقرات برنامجه الإذاعى البديع «غواص فى بحر النغم»، وقدم من خلال تحليل الكلمات والألحان والتوزيع الموسيقى عبقرية هذه المونولوجات، وعبقرية مؤديها الذى كان يتميز بحلاوة الصوت وبقدرته على التلوين الصوتى، وتوظيف مهاراته الصوتية للتعبير عن موضوعاتها وكلماتها. والبديع فى هذه المونولوجات أنها «مثل أفلام إسماعيل ياسين» صالحة للزمن الحالى بما تحويه من أصالة فنية ونقد اجتماعى ساخر، وكشفت الحلقة عن أن من بين مَن لحَّنوا بعض هذه المونولوجات أسماء كبيرة؛ مثل محمد فوزى وفريد الأطرش، وبعضها من ألحان إسماعيل ياسين نفسه، وقام بكتابة جزء كبير منها أبو السعود الإبيارى، رفيق رحلة إسماعيل ياسين الفنية، ومؤلف كثير من أفلامه، وكل مسرحياته.
الحلقة التى تم تقديمها الأسبوع الماضى عبر جزأين لم تكتفِ بإذاعة مقتطفات من مونولوجات «سُمعة» واستضافة شخصيات للحديث عنها، بل حاولت إعادة إحياء روح إسماعيل ياسين من خلال أداء تمثيلى قدمه الفنان الشاب محمد فهيم، الذى قام بأداء عدد كبير من مونولوجات إسماعيل ياسين بماكياج وأداء حاول الاقتراب كثيرًا من شكل وأداء الفنان الراحل، ونجح بنسبة كبيرة فى تمثيل الشخصية واستحضار روحها، وهرب من فخ التقليد السطحى الخفيف للشخصية، وربما تنتبه شركات الإنتاج إلى موهبة فهيم، وتحاول تقديم عمل جديد عن إسماعيل ياسين، يليق بنجوميته الخالدة، ويكون أفضل حالًا من المسلسل المتواضع الذى قدمه أشرف عبد الباقى بأداء متواضع قبل سنوات.
يحمل محمد فهيم المادة الخام التى تجعله مع الملابس المناسبة والماكياج الجيد نسخة من إسماعيل ياسين فى شبابه، وهى ملامح وجهه، وبشكل خاص العيون الواسعة الجاحظة، والفم الواسع، والحواجب الكثيفة، ولكن ذلك ليس كافيًا، فهو ممثل موهوب، جسد فى رمضان الماضى شخصية سيد قطب، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين، وذلك فى مسلسل «الجماعة 2»، تأليف وحيد حامد، وكانت ملامحه وأداؤه عاملَين رئيسيين لنجاحه فى تجسيد الشخصية. وبنفس الحماس والبراعة انتقل محمد فهيم من شخصية سيد قطب المعقدة القاتمة إلى شخصية إسماعيل ياسين المرحة الساخرة.
ساعده فى ذلك موهبته التمثيلية، وأداؤه الحركى، وقدرته على الغناء فهو عضو فرقة «أيامنا الحلوة» وقام بغناء العديد من المونولوجات القديمة، ومن أبرزها بالطبع مونولوجات إسماعيل ياسين، وقامت أوركسترا «سينكوب»، بقيادة الموسيقار جورج قلتة، بإعادة توزيع موسيقى المونولوجات بصورة حافظت على طبيعتها القديمة المرحة، التى تعتمد على أصوات آلات النفخ والآلات النحاسية، والإيقاعات الراقصة، مع إضافة أناقة ونعومة أصوات الوتريات، فى توزيع أوركسترالى فخم.
أتحيز كثيرًا للمونولوجات الأصلية، رغم رداءة التسجيلات المتاحة لها على يوتيوب، لكنى مُعجب بشدة بما قدمه محمد فهيم وأوركسترا سينكوب وفريق برنامج «صاحبة السعادة»، وهو مجهود يستحق التحية والإشادة، ويشير إلى امتلاكنا ثروة عبقرية تحتاج إلى الكشف عنها وإعادة بروزتها وتنقيحها وعرضها من جديد.
من الصعب على أى ممثل إعادة تجسيد شخصية الفنان الراحل إسماعيل ياسين، فهو خليط من الأداء الخاص للغاية، والارتجال، ورغم أنه مُميز بـ«لازمات» وحركات مررها كثيرها، فإن تقليده صعب للغاية، ربما التقليد الكاريكاتيرى سهل لمُؤدٍّ كوميدى، يسعى لتقديم الشكل الخارجى لأداء واحد من أشهر فنانى الكوميديا الذين استخدموا الأداء الجسدى وتعبيرات الوجه فى التمثيل والغناء.
إذا كان تقليد أداء إسماعيل ياسين التمثيلى صعبًا، فالأصعب تقليد المونولوجيست إسماعيل ياسين، وهو الفن الذى برع فيه «سُمعة»، وخلده حينما نقله إلى شاشة السينما من خلال الأفلام التى قدمها فى مشواره الفنى الثرى.
استخدم إسماعيل ياسين كل شىء يمتلكه لأداء مونولوجاته، صوته وأداءه الجسدى التعبيرى، فكانت الكلمات والأداء متناغمَين، وهذا واضح فى القليل من مونولوجاته التى سجلها التليفزيون، والكثير من أغانى الأفلام، فكان يحول معانى الكلمات الساخرة إلى أداء كاريكاتيرى يضفى عليها حالة مرحة.
قدم محمد فهيم شخصية إسماعيل ياسين بحب شديد، ولم تكن تلك المرة الأولى التى يجسد فيها الشخصية، فقد جسد شخصية إسماعيل ياسين فى عام 2011 فى مسلسل «الشحرورة»، بطولة كارول سماحة. قدم محمد فهيم فى حلقة «صاحبة السعادة» نحو 16 مونولوجًا من مونولوجات إسماعيل ياسين الشهيرة، من أبرزها «صاحب السعادة»، و«أهل الفن»، و«عايز أروح»، و«مراتى نساية»، و«ماتستعجبشى»، وغيرها من المونولوجات الساخرة التى تلتقط لقطات خاصة من الحياة، وتعرضها بشكل كوميدى ساخر ومكثف، يقترب من النكتة ورسم الكاريكاتير. وتأتى أهمية إعادة إحياء مونولوجات إسماعيل ياسين من أنها تكشف عن كنز مهمَل قدمه الفنان الراحل، لا يقل قيمةً عن أفلامه ومسرحياته التى تم مسحها من مكتبة التليفزيون عن طريق الخطأ فى الستينيات «61 مسرحية»، وتتوفر نسَخ صوتية لها فى مكتبة الإذاعة، بجوار عدد من التمثيليات والمسلسلات الإذاعية التى قام إسماعيل ياسين بتقديمها خلال سنوات حياته الفنية الحافلة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات