.

القاهرة وما فيها.. قبس من عجائب الحوارى والقصور

Foto

كيف نجح مكاوى سعيد فى استحضار روح القاهرة فى أزمنة مختلفة ليقدمها فى كتابه الأخير الآسر؟ كيف ضاع لقب الباشا على «بسى بك» بسبب «تغفيلة»؟


هذا كتاب ماتع آسر وعصىّ على التصنيف.

هو أكثر من مجرد كونه كتابًا يضم مقالات سبق نشرها، خصوصًا أن ثمة نفَسًا أدبيًّا واضحًا فيها. ثم إنه لا يتبع منهجًا محددًا فى طريقة ترتيب الموضوعات، فهى بلا تسلسل زمنى منتظم، فالكتاب -مثلًا- يبدأ بحكاية من زمن الخديوِ إسماعيل فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، ثم ينتقل إلى قصة تحريم العنب المجفف فى زمن الحاكم بأمر الله فى القرن العاشر الميلادى، حتى يُخيَّل للقارئ أن الكتاب سيتحدث عن نوادر وعجائب حكام وسلاطين القاهرة، ليفاجئه المؤلف الكاتب الراسخ مكاوى سعيد بقصة عن عبد الفتاح القصرى واستيفان روستى وأنور وجدى، قبل أن يعاجله بقصة الأديب والشاعر والفيلسوف الألمانى «هانز إبندورفر» الذى بدأ حياته قاتلًا فى سن السابعة عشرة، قبل أن يكتب الأدب ويتعلم الصحافة فى السجن وتأسره القاهرة فيسافر إليها 30 مرة، وحينما استشعر دُنوّ أجله، اختار القاهرة ليتم تصوير فيلم فيها عن حياته الدرامية، وقد شاركته فى هذا الفيلم الفنانة المصرية صاحبة العيون البراقة والأداء التلقائى «يسرا».
ويبدو أن مكاوى سعيد قد استشعر أن كتابه الأخير «القاهرة وما فيها» -إصدار «المصرية اللبنانية»- سيحتار القراء فى تصنيفه، فاختار أن يبادر هو بنفسه بالحديث عن طبيعة كتابه فى المقدمة، فكتب قائلًا: «الكتاب لا يتناول أحداثًا تاريخية بعينها ولا حوادث سارة أو مفجعة بذاتها، إنما هو يجرى كمياه المطر كيفما اتفق، بما يحويه من مقالات وتدوينات الكتب والأخبار، وما كتبه الأجانب والمصريون والمتمصرون عن القاهرة فى عهد الفاطميين وعن القاهرة الخديوية وعن السلاطين والملوك فى ما قبل عصر ثورة يوليو 1952، وفى ما حدث بعدها، وصولًا أحيانًا إلى عصرنا الحالى».
الكتاب -إذن- هو وصف تفصيلى لروح القاهرة الآسرة، مكتوب بقلب مُحب وبعقل واعٍ وعين ذكية لمَّاحة قادرة على استخلاص الدراما الإنسانية من قلب كتب التاريخ والمرويات وقصاصات الصحف وذاكرة الشهود على الأحداث فى موطنها من حوارٍ وقصور وأماكن لَهوٍ.
وهو أمر يضمن للقارئ رحلة شديدة المتعة فى قلب مدينة عمرها ألف عام وأكثر، وهى ذات الرحلة التى تجعله يتأمل فى عجائب الأقدار والزمن والشخصيات والظروف التى مرت على هذا البلد، خصوصًا أن الكتاب يضم صورًا نادرة عدة مثل تلك التى توضح طبيعة بركة الأزبكية قبل ردمها، وشارع كلوت بك عام 1870، وزوجات الخديو إسماعيل وأطفالهن عام 1874، وأيضًا صورة نادرة لأم كلثوم تبدو فيها فاتنة بماكياج يبدو أقرب إلى العصرية من ماكياج زمنها.
خذ مثلًا قصة الباشَوية التى ضاعت على «بسى بك» بسبب «تغفيلة»، إذ كان «بسى بك» هو مدير المخابرات البريدية «التلغرافات» سنة 1862، وكان السائد فى هذا الزمن أن أول شخص يُبلغ الوالى الجديد بأن الحكم آل إليه، يفوز بلقب «بك» إذا لم يكن يحمله، ويرقى إلى لقب «باشا» إذا كان «بك» مثل صديقنا «بسى». وفى هذا الوقت بدا واضحًا للجميع أن محمد سعيد باشا، والى مصر، ينتظر أن يناديه ملك الموت، وكان الأمير إسماعيل خليفته ينتظر البشارة، وهكذا ظل «بسى بك» إلى جوار التلغراف ينتظر خبر وفاة سعيد لينقله إلى إسماعيل فيفوز بلقب باشا، وظل مستيقظًا 48 ساعة، إلا أن روح سعيد أبَت الصعود، وانتصر النوم على «بسى بك» فطلب من موظف صغير لديه «لم يذكر مكاوى سعيد اسمه، ويبدو أنه كان موظفًا صغيرًا لدرجة أن لا أحد قد سجل اسمه» أن يبقى مستيقظًا ليتابع الأخبار، وأن يقوم بإيقاظه فور أن يأتيه الخبر المنتظَر، ووعده بمكافأة، لكن الموظف المجهول طمع فى البكَوية، وحينما جاءه الخبر ورئيسه يغفو فى النوم، انطلق بالبشارة إلى قصر الأمير إسماعيل، الذى منحه من فوره لقب «بك» بينما ضاع لقب «باشا» على «بسى بك» للأبد. قصة لا تخلو من دلالة على ألعاب القدَر، وعلى الضغائن بين الموظفين، وتعطى درسًا قويًّا مفاده أن لا ينام رئيس العمل مطلقًا وهو ينتظر خبرًا هاما؛ لأن ذلك قد يحرمه من تبديل حاله إلى أخرى.
يؤصل كتاب «القاهرة وما فيها» للعديد من المصطلحات التى لا تزال متداولة حتى يومنا هذا دون وعى بأسباب ظهورها، فكلمة «معيد» مثلًا، التى لا تزال سارية حتى اليوم فى المعاهد والكليات، أصلها يعود إلى تأسيس مدرسة الطب فى «أبو زعبل» على يد الطبيب الفرنسى الشهير «أنطوان كلوت» عام 1827، بتوجيه مباشر من محمد على، وقد كانت وقتها أول مدرسة حديثة للطب فى الشرق الأوسط كله، ولما كان المدرسون فيها فرنسيين، فقد تم استقدام بعض الأطباء الأكفاء الذين تعلموا فيها كأول دفعة ليقوموا بإعادة شرح الدرس بالعربية للطلاب الجدد، وأُطلق على هؤلاء لقب «المُعيد»، وعاشت الكلمة منذ هذا الحين وحتى وقتنا هذا.
خذ مثلًا أيضًا -نرجو أن تتحمل المفاجأة- أصل الأغنية الشهيرة «سالمة يا سلامة.. رُحنا وجينا بالسلامة»، بحسب «القاهرة وما فيها»، فإن هذه الأغنية كانت ترددها «الغانيات» بحماس فى طريق عودتهن من الكشف الطبى فى مستشفى «الحوض المرصود» بالسيدة زينب، وهو الكشف الذى إن صَح فإنه يسمح لهن بالاستمرار فى مزاولة أقدم مهنة فى التاريخ! وقد ظلت الدعارة فى مصر مُقننة وتجرى وفقًا للوائح وقواعد صحية مُتبعة حتى عام 1949.
ولا يكتفى «القاهرة وما فيها» بسرد وقائع التاريخ القاهرى المذهلة فحسب، بل يعيد رواية ما جرى من وجهة نظر أخرى، تتقصى الحقائق بعيدًا عن روايات المنتصرين أو أصحاب السلطة، ويتجلى ذلك فى الفصل المعنون بـ«مغنية ضعيفة فى مواجهة زعيمة سياسية»، الذى يرصد فيه وقائع المعركة القانونية والأخلاقية العنيفة التى جرت بين السيدة هدى شعراوى، المعروفة تاريخيًّا بأنها أول مَن دعا إلى الانتصار لحقوق المرأة فى مصر، والمغنية فاطمة سرى، التى كانت شهرتها تفوق الآفاق فى هذا الزمن «العشرينيات من القرن الماضى»، وكانت إحدى نجوم مسرح يوسف وهبى، وقد قام ابن هدى شعراوى «محمد بك الشناوى» بمطاردة فاطمة سرى حتى تزوجها، ثم ملَّها وهجرها، لكنها اكتشفت أنها حامل فى جنين منه، فأجبرته -وقد كانت قوية الشخصية والعزيمة- على توقيع إقرار بأنه تزوجها وأن نجلها فى بطنها هو ابنه، وكان هذا الإقرار بداية لمعركة بين «هدى شعراوى» وفاطمة سرى بعد هروب الابن إلى أوروبا، وقد استخدمت هدى شعراوى كل السبل من الترغيب والتهديد والوعد بتقديم شيك بـ25 ألف جنيه لفاطمة، وأب بديل صورى لابنتها حتى تتنازل عن دعوى إثبات نسب الابنة لمحمد شعراوى، إلا أن فاطمة رفضت ذلك بقوة، وظلت تخوض معركة قانونية طالت -بالطبع- جزءًا من شرفها بحكم أن خصمها كان هدى شعراوى صاحبة الشأن والسمعة، قبل أن تنتصر فى نهاية الأمر وتفوز باعتراف المحكمة بأن ابنتها هى حفيدة هدى شعراوى!
هكذا يأخذ «القاهرة وما فيها» القارئ فى رحلات زمنية فذة وبأسلوب قصصى ماتع وجاذب هو سمة مميزة لكل كتابات مكاوى سعيد، تجعله يتأمل ويفكر فى عجائب الأقدار والأشخاص والأزمنة، ويفكر فى كل هذه الكنوز والأسرار والعجائب التى تحتفظ بها القاهرة وتفرج عنها بين الحين والآخر.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات