«الحنكار».. سليم!

Foto

أميران خائنان فى هذه الحقبة، أحدهما أطلق عليه المصريون بالفعل لقب «خاين بك» بدلاً من «خاير بك»، والآخر الأمير جان بردى الغزالى، وكوفئ أحدهما بولاية مصر، والثانى بولاية الشام


ضحك مماليك مصر على الباشا العثمانلى، عادوا إلى المشهد بسرعة، واللفظ المستخدم فى توصيفهم هو أنهم «فلول».. لم يوصفوا كسلاطين ولكن كعصابة اجتمعت على أن «تنهب مصر».


الذى تولَّى حكم مصر بعد سفر سليم الأول كان أميرًا مملوكيًّا من الذين كانوا سببًا فى خراب مصر والديار الشامية، لأنهم «حسَّنوا لسليم بن عثمان عبارة أخذ مصر»، وضمنوا له أخذها من غير مانع، وعرفوه كيف يصنع لأجل أن يملكها.


أميران خائنان فى هذه الحقبة، أحدهما أطلق عليه المصريون بالفعل لقب «خاين بك» بدلاً من «خاير بك»، والآخر الأمير جان بردى الغزالى، وكوفئ أحدهما بولاية مصر، والثانى بولاية الشام، جوهرتَى الإمبراطورية المملوكية.


ما أن سافر سليم الأول حتى أمر خاير بك بظهور الجراكسة.. وعليهم الأمان.

يقول ابن إياس «فظهر منهم الحجم الكبير، وهم فى أسوأ حالة، عليهم برد سود وقمصان بأكمام كبيرة، فإذا رآهم أحد لا يفرق بينهم وبين الفلاحين! ولما طلع الأمير قايتباى الدوادار إلى القلعة لصرف أمراء المماليك واجتمع بخاير بك، لما نزل إليهم قال (يا أغوات، شاورت ملك الأمراء فى أمركم، فقال انظرونا حتى يجتمع المال وننفق عليكم، ولم يواعدنى بيوم معين)، فرجعوا بغير طائل وقد صارت وجوههم فى غاية الذل من الفقر والعرى، ومنهم مَن سأل الناس رغيفًا يقتات به، ومنهم مَن يطوف فى الأسواق، يسأل التجار والسوقة فى درهم يشترى به (كبشة فول) يأكلها».


ثم يختم ابن إياس الفقرة: «وكان هذا جزاء لما يعملون.. فسبحان مَن قهر الجبابرة بعزه وسلطانه»، لكن سرعان ما جاءت «المراسيم» من عند «الحنكار» سليم، بأن يصرف خاير بك لأولاد الناس، أى أبناء المماليك وأحفادهم، وأن يصرف للمماليك الجراكسة «عوائدهم» من كبير لصغير.


فى عام الغزو لم يشعر الناس لا بالمولد النبوى ولا بأفراح قطع الخليج، وكذلك كان الأمر وقت خاير بك، وقيل إن ملك الأمراء أحضر من عنده للمولد عشر جوخ للمقرئين، فضجّوا من ذلك، وقالوا: «نحن كان يدخل علينا فى المولد النبوى الذى كان يعمله السلطان، لكل واحد مئة شقة، فكيف نأخذ فى مولد ملك الأمراء جوخة؟»، ثم مد سماطًا تخاطفه العثمانلية فى لمح البصر.. و«بات أغلب الفقهاء بلا عشاء!!».


وحدث أن شخصًا من العوام دخل بعض الغيطان وقطع عيدان «خيار شنبر» ووضعها فى قُفَّة، فقبض عليه الخولى، وكان ملك الأمراء حرّج عليهم بيع الخيار الشنبر وصار يشتريه على ذمته ويتاجر فيه، فرسم الوالى بـ«شنقه»، وأشهر به فى القاهرة وعلَّق القُفَّة فى رقبته، وشُنق على القنطرة التى بزقاق الكحل، وأقام ثلاثة أيام وهو مصلوب لم يدفن.. هذا وملك الأمراء خاير بك، يسكر طول الليل ويصبح فى خيال السكر يحكم بين الناس بما يقوله عقله المتأرجح، وكأنه لم يكفِه ما حمل «الحنكار» سليم من خيرات لمصر، فما كان أسرعه إلى إهداء السلطان العثمانى الجديد سليمان بن سليم، تقدمة عظيمة: تفاصيل سكندرية، وأبدان منزلاوية، وقماش فارسكورى، وغير ذلك من شاشات ومقاطع خمسينى وخام رفيع وأحمال شقادف ضمنها «مرطبنات» أشربة مربى!


«وفى رمضان تشحطت الأسعار فى سائر البضائع، وكاد الناس أن يأكل بعضهم بعضًا، وجلس الأمراء فى المقعد بالقلعة، فتكاثرت عليهم المماليك الجراكسة، فحنق منهم وقال للانكسارية: اضربوهم واطردوهم من المقعد، فضربوهم بالعصى على وجوههم ضربًا فاحشًا، وحصل للمماليك فى ذلك اليوم (كسر خاطر!)»، ولكنهم عاودوا الطلوع إلى الميدان، بسبب تفرقة الإطلاق، فحضر القاضى شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وفرق الإطلاق، وأعطى لجماعة منهم فدانًا والبعض نصف فدان، فتضرر المماليك وقالوا: إيش يكفينا النصف فدان، فسبَّهم القاضى سبًّا قبيحًا، وقال لهم: «يا كلاب.. يا زرابين.. إنتم بقى لكم باب ولا رأس حتى تتكلموا، بيضتم وجوههكم فى إيش حتى تتكلموا، وبهدلهم غاية البهدلة»!!


غيَّر «الحنكار» سليم من سياسته نحو المماليك، لأنه احتاج إليهم كجنود ممتازين، وأحس ملك الأمراء بذلك، فغيَّر هو الآخر من سياسته نحو المماليك، وصار يترضى خواطرهم، وأخذ القاضى شرف الدين الصغير وهو الذى كان قد دعاهم بالكلاب والزرابين يخاطبهم بقوله «يا أغات يا أمراء»!!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات