.

تحريم «البيتكوين».. من هنا يستبد الفقهاء بنا!

Foto

كيف كان تحريم القهوة قديمًا لأسباب سياسية؟ ما أسباب تراجع وانهيار الفقه الإسلامى؟ لماذا ولع الفقهاء بتحريم كل جديد ولو كان مفيدًا؟!


فى منتصف القرن الخامس عشر الميلاى، اخترع الألمانى «يوهان جوتنبرج» أول آلة طباعة عرفها العالم، آنذاك، وبعد نحو خمسة وثلاثين عاما من ظهور آلة الطباعة تلك، أشار بعضهم على السلطان العثمانى «بايزيد الثانى»، ثامن سلاطين الدولة العثمانية، استيراد ذلك الاختراع من ألمانيا؛ كنوع من أنواع التطوير والتغيير ومجاراة التقدم، بيد أن فقهاء الدولة العثمانية رفضوا تماما استيراد آلة الطباعة، وتذرعوا إلى ذلك بالخوف والخشية من تحريف القرآن وكتب الأحاديث والفقه، فالطباعة من وجهة نظرهم مفسدة كبيرة ووسيلة لانتشار الموبقات والكبائر مثل طباعة الرسوم وتغيير حروف القرآن، كما أنها ستقضى بالتدريج على حرفة/ صنعة كتابة الخط العربى التى كانت رائجة فى تركيا، مما سيحرم طوائف كثيرة من الخطاطين والكتبة من مصدر رزق واسع، إذ كانت الكتابة والخط حرفة مجزية، يرتزق منها كبار موظفى الدواوين فى بلاط الخلافة العثمانية، فيغنمون من ورائها مالا ونفوذا ومكانة اجتماعية واقتصادية كبيرة، بل إن بعض الفقهاء، أنفسهم، كانوا يرتزقون من تلك المهنة؛ إذ كانوا يحترفونها، فتم وأد فكرة استيراد آلة الطباعة بعد إذ تحالفت السلطة الحاكمة مع فقهائها الرسميين على تحريم الطباعة ليس لأنها رجس من عمل الشيطان وباب من أبواب الموبقات والكبائر فقط، بل لأنها كذلك ستقف حجر عثرة فى طريق حرفة الكتابة والزخرفة التى كانت تجلب عليهم أموالا وفيرة، ما يثبت أن الفقهاء، خصوصا الرسميين منهم، إنما يدافعون بالأساس عن مكتسباتهم المالية والأدبية قبل أى شىء آخر!


وبعد سنوات، تم إحياء الفكرة من جديد بعد إذ استقر اليهود الإسبانيون فى تركيا تحت مظلة الدولة العثمانية فرارا من محاكم التفتيش، ولمهاراتهم فى أعمال المال والمحاسبات والإدارة تمكنوا من بسط سيطرتهم ونفوذهم على دواوين الدولة العثمانية وبلاط السلطنة، فقام بعضهم بإقناع السلطان «بايزيد الثانى» بأن يسمح لهم -وحدهم- باستخدام آلة طباعة كانوا قد جلبوها معهم بعد نزوحهم من إسبانيا؛ حتى يتمكنوا من حفظ ديانتهم من الاندثار وطباعة توراتهم، ليتم استثناء اليهود من فتوى تحريم الطباعة، فسارع اليهود فى العام 1494م، بانتهاز الفرصة وقاموا بطباعة ترجمة عربية للتوراة وكذلك مبادئ تعلم اللغة العبرية، ليتم بالتدريج اشتهار أمر آلة الطباعة فى أنحاء الدولة العثمانية، حتى جاء القرن الثامن عشر، وفى منتصفه تقريبا نجح سفير دولة بنى عثمان فى فرنسا «محمد الجلبى» فى إقناع الفقهاء والسلطان باستصدار فتوى تبيح استخدام آلة الطباعة، وبالفعل وافق الفقهاء بشرط أن لا تكون الكتب الدينية من ضمن الكتب المطبوعة، ليتم فى العام 1728م، استخدام آلة الطباعة بتوسع فى طباعة الكتب غير الدينية، وبمرور الوقت أجاز الفقهاء طباعة وتجليد القرآن الكريم وكتب الفقه والتفسير والحديث وغير ذلك من كتب الدين لتنتشر بعد ذلك المطابع وتتطور المطبوعات!


تثبت هذه الواقعة أن الفقه الإسلامى ارتبط، فى أزمان انحداره وانهياره، بسيادة نمط الإنتاج العسكرى الإقطاعى، كما هى الحال فى الدولة العثمانية، التى لم يكن الفكر الإسلامى فيها إلا حلقة فى سلسلة التخلف والانهيار اللذين ضربا هذا الفكر عموما بعد انتصاف القرن الخامس الهجرى، ولم ينحدر الفكر الإسلامى عموما، والفقه وأصوله خصوصا، إلا بسبب غلق باب الاجتهاد تماما، وتقليد السالفين والاعتماد على مروياتهم ومتونهم وشروحهم وحواشيهم، ليتم نزع الأحكام منها دون أدنى اعتبار للزمان والمكان وتطور العصور والأحوال، فتعددت واختلفت الفتاوى، وسيطرت العادات والتقاليد والثقافات الشعبية على العقول والنصوص معا، وفوق ذلك كله، فقد تم اضطهاد كل من يحاول التجديد والاجتهاد؛ لأن الفقهاء الرسميين التقليديين كانوا يعدون الفقه الذى أسسه فقهاء المذاهب الشهيرة «الحنفى والمالكى والشافعى والحنبلى» قد اكتمل على أيديهم، ولم يعد ثمة داع للاجتهاد فيه!


وثمة واقعة شهيرة أخرى تثبت أن انحدار وضعف الفقه الإسلامى إنما يرتبط بتحالف الإقطاعية العسكرية مع الفقهاء الرسميين؛ فهم الذين تعتمد عليهم الإقطاعيات العسكرية فى تبرير وجودهم باسم الدين والشرع، وهم الذين فى مقابل ذلك يفيدون من تلك الامتيازات التى تغدقها عليهم السلطة الحاكمة، وتتمثل هذه الواقعة الشهيرة فى تحريم القهوة؛ فلم يكن تحريم أشياخ «مكة» -والتى كانت تخضع آنذاك لحكم السلطان المملوكى فى مصر قانصوه الغورى- لشربها وبيعها من منطلق أنها مفسدة للبدن ومذهبة للعقل، كما ادعوا وقتذاك، بل إن التحريم كان لأسباب سياسية فى المقام الأول؛ ذلك أن أشياخ مكة كانوا يتوجسون من «القهوة» لأن حبوبها كانت مجلوبة من أرض «اليمن»، ولم تكن اليمن فى ذلك الوقت على وفاق وسلام مع أهل مكة والحجاز وكذا المماليك، كما أن العمال اليمنيين هم من يقومون بإعدادها وتقديمها للناس فى دكاكين القهوة التى كانت منتشرة فى مكة وجدة، فتحريم القهوة وتحريم بيعها كان لونا من ألوان حفظ أمن مكة ودولة المماليك، كما أنه تحريم لغرض اقتصادى «يستهدف ضرب مجال العمل لرجال ينتمون لدولة معادية» هى اليمن!


(راجع باستفاضة كتاب: غواية الاسم.. سيرة القهوة وخطاب التحريم، تأليف: سعيد السريحى، ط المركز الثقافى العربى)، واستمر تحريم القهوة أكثر من قرنين من الزمان حتى أصدر مفتى الدولة العثمانية فى عهد السلطان مراد الثالث فتوى تبيح شرب القهوة! الشاهد من تينك الواقعتين؛ تحريم الطباعة ثم إباحتها وتحريم القهوة ثم إباحتها، أن السلطة الحاكمة بتحالفها مع الفقهاء الرسميين جعلت الفقه الإسلامى طوال القرون السالفة جامدا هشا، فضلا عن كونه لعبة فى يدها، خصوصا مع حرصها على انتقاء المقلدين لا المجتهدين، الأمر الذى جعل الفقه الإسلامى فى كامل الانحدار والانهيار، على الرغم من ظهور حركات تجديدية هنا وهناك، ولا سيما من المذاهب والمدارس الفكرية المعارضة كالشيعة والمعتزلة والإباضية، لكنها لم تكن ذات تأثير طاغ أو أصالة كاملة، ذلك أنها كانت محاصرة سياسيا وعسكريا!


ويبدو أننا لما نزل نحيا فى عصر انحطاط الفقه وانهياره، وهو العصر الذى ينتج ركاما هائلا من الفتاوى التى تتدخل فى أى شى، وتطغى على أى شىء، حتى صار الناس يستفتون ويسألون فى كل شىء، على الرغم من محدودية المحرمات فى الإسلام، لكن الفقهاء والمؤسسات الدينية الرسمية جعلت من التحريم تشريعا قائما بذاته، فلم يكتفوا بالأحاديث المنسوبة إلى النبى فقط، بل إنهم استخدموا القياس والعرف والعادات والثقافات الشعبية، فجعلوا كثيرا منها حاكما وأصلا فى ذلك التحريم، على الرغم من أن «الإباحة» هى الأصل، وعلى الرغم من أن «المحرم» لا يثبت إلا بشيئين: النص الصريح والعقل، ففهم النصوص بظواهرها واتخاذ الأحكام منها دون إدراك العلل ودون إعمال العقل لا يؤسس لأحكام وفتاوى صحيحة، وكذا التوسع فى باب «سد الذرائع» لا يؤسس لأحكام أو فتاوى صحيحة، ما يعنى أن القضاء على ثقافة التحريم يلزم معه تحكيم العقل والعلم، واعتماد المقاصد الشرعية، والاعتراف بسلطة الزمان والمكان «الزمكان»؛ لذلك كان غريبا أن تصدر دار الإفتاء المصرية، منذ عدة أيام، فتوى بتحريم التعامل بعملة «البيتكوين/ Bitcoin» الجديدة، وهى عملة إلكترونية يتم تداولها من خلال الإنترنت فقط، فهى عملة رقمية لا مركزية، تقوم على التعاملات المالية وتستخدم شبكة الند للند «Peer-to-Peer» والتوقيع الإلكترونى والتشفير بين شخصين مباشرة دون وجود هيئة وسيطة تنظم هذه التعاملات، إذ تذهب النقود من حساب مستخدم إلى آخر بشكل فورى ودون وجود أى رسوم تحويل «باستثناء رسوم الشبكة التى تدفع للمعدنين» ودون المرور عبر أى مصارف أو أى جهات وسيطة من أى نوع كان.


ربما ألمانيا هى الدولة الوحيدة -الآن- التى تعترف بتلك العملة الجديدة، وربما تعترف بها الولايات المتحدة خلال الشهور القادمة، إذ يرى بعض الخبراء أن الاعتراف الرسمى بها يحمل جانبا إيجابيا، وهو إعطاء تلك العملة مزيدا من الشرعية، فى حين يرى آخرون أن هذا قد يفتح الباب إلى مزيد من تنظيم العملة وربطها بالحكومات، وهذا يتعارض مع إحدى ميزات بيتكوين كعملة غير خاضعة لأى جهة، وأيا كان الأمر، فتلك العملة إنما هى نظام مالى عالمى جديد، لا دخل للشرع به، من قريب أو من بعيد، فلا يوجد نص قرآنى أو حديثى يحرم التعامل بها، وحتى المخاوف والذرائع التى تذرعت بها دار الإفتاء المصرية فحكمت بتحريمها إنما هى من باب «سد الذرائع»، وهو باب غير متناه بالأساس، ولا أدرى موقف حضرة مفتى مصر بعد شهور أو سنين إذا تم الاعتراف بتلك العملة اعترافا شاملا من قبل العالم خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى؟! وكيف سيكون حال فتواه إذا وجدت الحكومة المصرية نفسها عندئذ مدفوعة إلى الاعتراف بها؟!


تحريم «البيتكوين» فى مصر لون من ألوان الاستبداد باسم الدين، وأمارة جديدة، فى الألفية الثالثة، على انهيار الفقه الإسلامى وتجميده وفوضى الفتاوى والأحكام!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات