«بيكيتى» أو«PIKETTY» فى القاهرة.. «جيت فى وقتك»

Foto

عالم الاقتصاد الذى قلب كل النظريات الرأسمالية التى حاولت التقليل من أهمية إعادة توزيع الثروة بشكل عادل، مكتفية بترويج وهم أن الأكثر أهمية هو خلق الفرص لنمو الثروة


«بيكيتى» الذى بكتابه عن «رأس المال فى القرن الواحد والعشرين» قلب العالم فى مصر لأربع وعشرين ساعة، ونحن نقول له: «جيت فى وقتك».  

                 
 عالم الاقتصاد الذى قلب كل النظريات الرأسمالية التى حاولت التقليل من أهمية إعادة توزيع الثروة بشكل عادل، مكتفية بترويج وهم أن الأكثر أهمية هو خلق الفرص لنمو الثروة، الرجل الذى استطاع بعلمه أن يعيد الاعتبار إلى «قيمة» العدالة الاجتماعية مرة أخرى بعدما أغرقتنا أنظمة الفساد والرأسمالية «المفترسة» فى أن العدالة الاجتماعية كانت «موضة» وانتهت، توماس بيكيتى كاشف الوهم الذى  تسوقه الرأسمالية المتوحشة عن قدرة السوق على تنظيم نفسه بنفسه، وعن ثمار النمو التى سرعان ما تتساقط دون تدخل الدولة؛ لتنال بقية الطبقات أنصبتها «بيكيتى» الذى كذب المقولة التى ربطت ما بين «معدل  النمو» و«تحسين مستويات المعيشة».. «بيكيتى» صاحب «المانيفستو الجديد للعدالة الاجتماعية»- كما وصفه كثيرون ومنهم زميلنا الأستاذ إبراهيم نوار «فى شروحه لبيكيتى»، جاء إلى القاهرة لأربع وعشرين ساعة؛ ليدشن صدور الترجمة العربية لكتابه الصادر عام 2013 عن واحدة من أعرق دور النشر الفرنسية دار LE SEUIL، تصاحبه مديرة الحقوق الأجنبية «بدار لوسوى الصديقة العزيزة التى جابت العالم مع بيكيتى وغيره من أشهر وأبرز كتاب العالم فى جميع المجالات «مارتين هيسة»، الترجمة العربية الصادرة عن دار «التنوير» بدعم من برنامج طه حسين لدعم النشر بالمعهد الفرنسى والتى قام بها الزميلان وائل جمال وسلمى حسين، أعتبرها حدثًا وهى بالفعل كذلك، ولأجلها حضر بيكيتى ليوم واحد هو الأمس الخميس؛ ليشارك أو ليتحدث ويلتقى  بالمتلقين العرب مرتين صباحًا فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ومساء فى قاعة إيورت مع زياد بهاء الدين، ويسبق اللقاءين إفطار فى السابعة صباحًا، ثم يطير فى الليل إلى بيروت مستكملًا لقاءات قراء العربية.


صدور كتاب «بيكيتى» عام  2013 كان بمثابة «ثورة» قلبت العالم.. وقد لعبت الصدفة معى دورها حين كنت شاهدة على لحظتين فى غاية الأهمية بالنسبة لكتاب عد فى حد ذاته «ثورة»، اللحظة الأولى أعقبت صورة بالفرنسية، وكنت فى باريس وقتها، وهالنى ما جرى من استقبال للكتاب وتداعياته التى حولت عالم اقتصاد إلى ما يشبه الأيقونة التى تنافس فى الشهرة أشهر نجوم هوليوود.. أيامها وبقدر ما استطعت كتبت عن بيكيتى الذى يؤكد لنا قبل غيرنا كارثية ما يروج عن اقتصاد السوق الذى يتكفل بتنظيم نفسه بنفسه، وعن ثمار النمو التى سوف تتساقط على الجميع تباعًا ودون تدخل.. أيامها كان الناس قد ثاروا فى يناير وعلى رأس ما دفعهم للثورة ما كتب عنه توماس بيكيتى: تمركز ثمار النمو فى يد الحفنة المحدودة..  (كان معدل النمو سبعة بالمئة، ومتوسط من هم تحت خط الفقر يتجاوز ثلث سكان المحروسة على الأقل) واللحظة التالية بعدها -2014- بعام لحظة صدور ترجمته بالإنجليزية عن جامعة هارفارد، ووزعت فى العام نفسه نحو نصف مليون نسخة فى شهرين، وكان التزاحم على محاضراته التى يعرض فيها أفكاره من أعاجيب العصر أو قد تحدث بيكيتى عن كتابه فى أهم مؤسسات السياسة والاقتصاد.. من البيت الأبيض إلى صندوق النقد الدولى والبنك الدولى والاتحاد الأوروبى، ومجلس العموم البريطانى وقد كنت وقتها بين بوسطن ونيويورك، ومن دون مبالغة يمكن القول إن كتاب بيكيتى الذى هو ثوره حقيقية فى مصائر الاقتصاد، قد أحدث صداه فى كل أنحاء العالم وإنه لم يترك لغة إلا وانتقل إليها وإن صدوره بالعربية جاء فى وقته وربما تأخر وإنه كتاب على الرغم من صعوبته وشدة تخصصه فإنه كتاب «رجل الشارع» وعالم الاقتصاد معًا، وربما لهذا حاولت الاستعانة إلى جانب النص الفرنسى الذى أحوزه منذ عام 2013 بشروحات الأستاذ والباحث إبراهيم نوار.


واحدة.. واحدة تعالوا نفهم ثورة السيد بيكيتى التى هى لصالح فكرة العدالة الاجتماعية والتى احتاج بيكيتى إلى خمسة عشر عامًا من البحث (من 1998 إلى 2013) فى فهم ما يسميه القوى المحركة للثورة.. اشتغل فى البداية السيد بيكيتى على نمو الثروة فى فرنسا فى القرن العشرين، ثم اكتشف أن هذا لن يوصله إلى ما يرمى إليه وهو بإيجاز وببساطة إعادة الاعتبار إلى نظريات إعادة توزيع الثروة والدخل كما كانت عند آدم سميث وديفيد ريكاردو وكارل ماركس والتى تراجعت تحت تأثير تيار الرأسمالية المتوحشة وأقطاب مدرسة شيكاغو فى الاقتصاد والذين تركز همهم على كيفية خلق الثروة مع تهميش مقصود لآليات عدالة توزيعها عبر آليات تعتمدها الدولة سواء فى صورة إصلاحات ضريبية أو حوافز اجتماعية لغير القادرين أو نفقات تدعم بها الدولة التعليم والصحة والمعاشات، وهكذا تتوحش الرأسمالية ولا يصبح لرأس المال أى مسؤولية غير تحقيق الربح ما بين عامى 2007 و2011 اشتغل بيكيتى على تاريخ الثروة فى إنجلترا وبلدان أخرى، نحو عشرين بلدًا، وقدم مع باحثين ما يمكن اعتباره قاعدة بيانات عن «التطور التاريخى للمساواة فى الدخول، وتناول بالبجث الحالة الأمريكية، وقد أشار بيكيتى إلى تأثره فى هذا العمل بعمل تاريخى عن سجلات التركات الباريسية منذ الثورة الفرنسية.. يقول لنا «بيكيتى» إن إعادة توزيع الثروة من الأهمية بحيث لا يمكن تركه للاقتصاديين وعلماء الاجتماع والمؤرخين والفلاسفة وحدهم.. هو موضوع «الجميع»، إن الواقع المادى الملموس للمساواة مرئى بالعين المجردة.  
وبحس تعبيرى فإن النبيل والفلاح والمصرفى وصاحب المصنع و.. و، كلٌّ لديه موقعه الذى يراقب منه للكيفية التى يعيش بها الناس أو لعلاقات القوى والسيطرة بين المجموعات الاجتماعية ومع ذلك لابد من سؤال ممنهج متتبع تاريخ علم الاقتصاد، ويستعرض بيكيتى فكرة إعادة توزيع الثروة أواخر الثامن عشر وأوائل القرن التالى  وبتفاصيل، من ريكاردو وحتى ماركس.. بعض الاقتصاديين استندوا فى تبريراتهم إلى نظرية العالم الاقتصادى الأمريكى صاحب الأصل الروسى سيمون كوزنتس الذى ودون الدخول فى تفاصيل قد تبدو مضنية للقارئ، لم يكن قلقًا من التفاوت فى جنى ثمار النمو ومن بعده ميلتون فريدمان وريجان ثم تاتشر التى تحولت إلى مقدسات فى البنك الدولى وصندوق النقد وكانت الرسالة السياسية: «لا تصدعوا رؤوسنا بالحديث عن التفاوت فى توزيع الثروة فقط انشغلوا بخلق الثروة ونموها فإن فى ذلك تكمن تلقائيًّا القوى القادرة على خلق التوازن والرخاء للجميع»، وهكذا ولدت سياسات الخصخصة والتخفيضات الضريبية لمصلحة ملاك الثروة وتراجع الدور الاقتصادى والاجتماعى للدولة إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية، ونتج عن ذلك تركيز للثروة ومزيد من التفاوت الاجتماعى والاقتصادى بل مزيد من الظلم وما كشفه توماس بيكيتى فى كتابه عن «رأس المال فى القرن الواحد والعشرين».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات