مش عايز تقلق؟ ما تفكرش! مش عايز تفكر؟ اقلق!

Foto

جميعنا كبشر نحمل بذرة القلق بداخلنا، تغذيها الاحتمالات اللا نهائية التى نواجهها فى كل لحظة من لحظات حياتنا


جميعنا كبشر نحمل بذرة القلق بداخلنا، تغذيها الاحتمالات اللا نهائية التى نواجهها فى كل لحظة من لحظات حياتنا، فتنمو وتكبر ويكبر معها قلقنا أكثر، أو نستبعد الاحتمالات من حياتنا ونسير فى الطريق المرسوم للجميع شأننا شأن الآخرين فتضمحل وتذوى نبتة القلق بداخلنا إلَّا أن بذرته تظل فى أرض حياتنا بانتظار من يعتنى بها ويرويها لتواصل نموها مرة أخرى.


إذن، جميعنا نحمل بداخلنا بذرة القلق، إلا أن هناك من يعى هذا وهناك من لا يعى. الاحتمالات كلها تملأ كل لحظة نعيشها، ونحن إما نشعر بكل تلك الاحتمالات فنشعر بالتالى بالقلق، وإما نستبعدها فيغيب عنا إحساسنا بالقلق بينما القلق نفسه لا يغيب حيث إنه جزء من تكويننا البشرى شأنه شأن كل تلك المشاعر الموجودة بداخلنا والمولودة معنا والتى لا تستلزم منا سوى أن نحفزها حتى نشعر بها، إلا أنه يتفوق على كل تلك المشاعر الأخرى بالعدد اللا نهائى من الاحتمالات التى نواجهها فى كل لحظة من لحظات حياتنا حيث يشتمل القلق على ما يخص كل المشاعر الأخرى بداخله.


خذوا الحب كمثال، نولد جميعًا ونحن نحمل بذرته بداخلنا ونواصل حياتنا بدون أن نشعر به أو بوجوده بداخلنا إلى أن تضع الأقدار فى طريقنا «قطة جميلة صغنتوتة» فتستيقظ بذرة الحب بداخلنا ونشعر فجأة بأننا نحب، إلا أن الحب يظل مجرد فرع من فروع القلق ومبحث واحد من مباحثه الكثيرة هو وباقى المشاعر الأخرى بينما يظل القلق هو المبحث الرئيسى والإحساس البطل بداخل درامتنا الكوميدية وأغنيتنا الحزينة وحياتنا الملتبسة والغامضة والعجائبية والمدهشة والكوميدية لدرجة البكاء والتراجيدية لدرجة الاستلقاء على الأقفية من الضحك.


يقول «فيريتيوف برانت» فى كتابه عن الفيلسوف الدنماركى «كيركجارد» -ترجمة «مجاهد عبد المنعم مجاهد» وأصدرته دار الكلمة للنشر- الذى اهتم كثيرًا فى كتاباته بالقلق كأب رسمى لباقى المشاعر: القلق حسب رأى كيركجارد «مختلف تمامًا عن الخوف والانفعالات المماثلة والتى لها ارتباط بموضوع واحد محدد على حين أن القلق هو إمكانية الإمكانية». وهذه العبارة الأخيرة ذات الطابع التجريدى تعنى بمنتهى البساطة أن القلق له علاقة بذلك الذى يمكن للإنسان أن يفعله.

كل ما يمكن للإنسان أن يفعله. والإنسان وهو مواجَه بهذه الإمكانية ينغمس فى القلق وينجذب ويتنافر فى الوقت نفسه. «ينجذب الإنسان إلى كل البشر وكل الأشياء ويملك من ضمن ما يملك من احتمالات لا نهائية احتمال إقامة علاقة معهم أو التعرف عليهم، كما أنه فى الوقت نفسه يتنافر من نفس هؤلاء البشر وتلك الأشياء ويملك من ضمن ما يملك من احتمالات لا نهائية احتمال الابتعاد عنهم وعدم معرفتهم لما يتضمنه احتمال التعرف عليهم من احتمالات أخرى كثيرة يتفرع كل احتمال منهم بدوره إلى عدد آخر من الاحتمالات، وهكذا».


وعند «كيركجارد»، أن قلقًا بالإمكانية المماثلة لهذا يسبق دائمًا فعل الخطيئة، ويقول «كيركجارد» فى تلك النقطة: القلق قد يكون شبيهًا بالدوار. ومن يتسنَ له أن تقع عيناه على الهاوية تفتح فاها يُصب بالدوار.

لكن السبب فى هذا يرجع إلى عينيه بقدر ما يرجع إلى الهاوية. فلنفرض أنه لم يتطلع إلى الأسفل. «لو لم يتطلع إلى الأسفل لما كان قد أُصيب بالدوار، لهذا فإن عينيه اللتين رأتا ومن خلفهما وعيُه الذى أدرك عمق الهاوية شريكان فى إصابته بالدوار، وليست الهاوية فقط هى المسؤولة».

وهكذا فإن القلق هو دوار الحرية الذى يحدث عندما تتطلع إلى إمكانيتها. «حيث تمنحك الحرية الفرصة لأن تفعل أى شىء، إلا أنك على الجانب الآخر تعلم جيدًا أن كل ما سوف تفعله سوف يترتب عليه ثمن ينبغى عليك أن تدفعه».


ما هو التفسير السيكولوجى لآدم الذى انتهك تحريم الله الأكل من شجرة المعرفة؟ إن التفسير السيكولوجى المعتاد يفترض أن التحريم أغرى آدم وبعث فيه الرغبة فى انتهاكه. غير أن «كيركجارد» يتصور من جهة أخرى أن التحريم أثار فى آدم القلق من انتهاكه.

«ومع ارتفاع معدل القلق تتصاعد نسبة الوقوع فى الخطأ الذى يصبح عندها ليس للرغبة فى الوقوع فى الخطأ بقدر ما يصبح للرغبة فى التخلص من القلق».


المشكلة أن الحل الأمثل للتخلص من القلق يتمثل فى التوقف عن التفكير، والتوقف عن التفكير يعنى التوقف عن الحياة. بينما الاستمرار فى التفكير يستتبع القلق بدوره، إلا أنه لازم للاستمرار على قيد الحياة، تلك الحياة التى يتحدث «صمويل بيكيت» عن ورطتها بإيجاز بليغ وبلاغة موجزة: «أنا فى تلك الحياة، لا علاج لذلك».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات