الغزو العثمانى.. الضربة القاصمة للحضارة المصرية

Foto

أصدر ابن عثمان، أواخر شهر ربيع الثانى من تلك السنة، أمره لأمير المؤمنين العباسى: «اعمل برقك حتى تسافر إلى إسطنبول»


المدخل الأساسى للدكتور حسين فوزى إلى تاريخ مصر يقوم على أن «الضربة القاصمة والقاضية» للحضارة المصرية كانت هى «الغزو العثمانى»، وأن مصر عندما تسعى إلى استلهام تاريخها روحيًّا، فعليها أن تعى أن الحضارة المصرية لا تنحصر فقط فى الحقبة الأقدم، كما يرى المتخصصون الغربيون المولعون بذلك، والذين يكادون يقصِرون تاريخ مصر على حقبة دون أخرى.

لم تعرف مصر أظلم من قرون تلَت موقعة «مرج دابق» بالشام، وموقعة سبيل علان على مشارف القاهرة.. لم يقاسِ أهل مصر شدة كما قاسوا إبان الشدة العثمانلية.


أصدر ابن عثمان، أواخر شهر ربيع الثانى من تلك السنة، أمره لأمير المؤمنين العباسى: «اعمل برقك حتى تسافر إلى إسطنبول»، وخرج أمير المؤمنين «المتوكل على الله» يوم الثلاثاء الثانى عشر من جمادى الأولى قاصدًا السفر إلى إسطنبول، ومعه أولاد عمّه وصهره وآخرون من الأعيان، فحصل للناس على فقد أمير المؤمنين من مصر غاية الأسف، وقالوا: انقطع الخلفاء من مصر، وصاروا بإسطنبول.

وهذه من الحوادث المهولة.. خرج جماعة من المبشرين وبعض النصارى من كتاب الخزينة، ومن جماعة البزددارية، وأرباب الصنائع من كل فن، وشيخ سوق الغزل بالزرادكاشية والسيوفية والصياقلة والسباكين والحدادين، وتجار الباسطية وتجار سوق مرجوش، ومقدمى السقائين والمرخمين والمبلطين والمهندسين والحجّارين والفعلاء وجماعة من اليهود السامرية وطائفة النصارى، نحو ١٨٠٠ نفس.. «سنة صعبة على الناس».. يختتم ابن إياس وصفه لمجريات سنة ١٥١٧م- ٩٢٣ هجريًّا، وأنها سنة صعبة شديدة على الناس، بعبارة بسيطة «أنهى ما أوردناه من حوادث سنة ٩٢٣، وقد خرجت هذه السنة على خير».


كان العلّامة المؤرخ محمد بن أحمد بن إياس الحنفى المصرى، مقتصدًا فى التعبير واصفًا غزو العثمانيين لمصر وعودة سليم العثمانى: «ومن العجائب أن مصر صارت نيابة، بعد أن كان سلطان مصر أعظم السلاطين فى سائر البلدان قاطبةً، لأنه خادم الحرمين الشريفين، وحاوى مُلك مصر الذى افتخر به فرعون اللعين حين قال (أليس لى مُلك مصر؟) وقد تباهى ملك مصر على سائر ممالك الدنيا.

ولكن ابن عثمان هتك حريم مصر، وغنم أموالها، وقتل أبطالها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لم يقاسِ أهل مصر شدة مثل هذه قط إلا ما كان فى زمن بختنصر البابلى، لما أتى من بابل وزحف على البلاد بعسكره وخربها وهدم بيت المقدس، ثم دخل مصر وخربها عن آخرها وقتل من أهلها مئة ألف شخص، حتى أقامت مصر أربعين عامًا وهى خراب، ليس بها ديار ولا نافخ نار، فكان النيل يعلو ويهبط فلا يجد من يزرع عليه الأراضى، ولا ينتفع به، ولكن هذه الواقعة لها نحو ألفى سنة، وهى قبل ظهور المسيح ابن مريم، عليه السلام، ثم وقع مثل هذا لبغداد فى فتنة هولاكو».


حملت مراكب سليم بن عثمان حتى الشبابيك الحديد، والطيقا والأبواب والسقوف، وحمل معه على ألف جمل أحمالاً من الذهب والفضة والتحف والسلاح والصينى والنحاس المكفت، ثم أخذ الخيول والبغال والجمال والرخام الفاخر، ومن كل شىء أحسنه، وكذلك غنم وزراؤه من النهب ما لا يُحصى، وصار أقل فرد منهم أعظم من مئة أمير، مقدم ألف، وبطلت من القاهرة نحو خمسين صنعة، ومسك رجال الدرك الناس على أبواب القاهرة، من رئيس ووضيع، ووضعوهم فى الحبال، حتى يلوح لهم من القضاة والشهود، وطلعوا بهم إلى القلعة وهناك ربطوهم ليسحبوا المكاحل النحاس، وينزلوا بها إلى شاطئ النيل، ويضعوها فى المراكب، وكان الرجال يربطون الحبال فى رقابهم، ثم يسوقونهم بالضرب الشديد على ظهورهم، ولو كانوا من أعيان الناس. وفى يوم الجمعة الحادى عشر من ربيع الأول، كانت ليلة المولد النبوى، فلم يشعر به أحد من الناس، وبطل ما كان يعمل به فى ليلة المولد، فلم يشعر بها أحد من الناس، وأشيع أن ابن عثمان باع خيمة المولد للمغاربة بأربعمئة دينار، فقطعوها وباعوها للناس ستائر وسفرًا، وهذه الخيمة من عجائب الدنيا، فقيل إن تكاليفها على السلطان الأشرف قايتباى كانت ثلاثين ألف دينار، وقيل بل أكثر من ذلك، وكانت كهيئة قاعة ولها أربعة لواوين، وفوقها قبة بقمريات والكل من قماش.. ونزل رخام القلعة ووضع فى صناديق وحمل إلى المراكب وهو الرخام الذى أمر ابن عثمان بفكّه من قاعة البيسرية والدهيشة والبحر والقصر الكبير.. وصار يحيى بن بكار يركب ومعه جماعة من المرخمين، فيهاجمون قاعات الناس ويأخذون ما فيها من الرخام السماقى والزرزورى الملوّن، فخرّبوا عدة قاعات من أوقاف المسلمين وبيوت الأمراء قاطبةً، حتى القاعات فى بولاق.. وهى السنة التى شُنق فيها طومان باى، آخر سلاطين مصر، على باب زويلة، وأقام وهو معلق حتى فاحت رائحته، وفى اليوم الثالث أحضروا له تابوتًا ووضعوه فيه، وتوجهوا به إلى مدرسة السلطان الغورى عمّه، فغسّلوه وكفنوه وصلّوا عليه ودفنوه فى الحوش الذى خلف المدرسة.


ومضت دولة السلاطين كأن لم تكن، وشرعت العثمانلية تقبض على المماليك الجراكسة المختفين فى الترب ومساقى الموتى وغيطان المطرية، وتضرب أعناقهم، وقبض على مشايخ العربان، وعلى الأتابكى سودون الدويدار، وأحضروه بين يدى سليم الذى وبّخه بالكلام، وكان جريحًا مكسور الفخد فى حالة الأموات، فلم تأخذه عليه شفقة، بل أركبه على حمار، وألبسه عمامة زرقاء، وجرّسه، وقصد أن يشهّر به فى القاهرة، ولكنه مات وهو على ظهر الحمار، فحزّ رأسه وعلقوه فى الوطاق.


ضرب العثمانلية فى يوم واحد ٣٣٠ رأسًا، وصاروا يكبسون الحارات والبيوت، ويقبضون على المماليك الجراكسة من إسطبلاتهم، ويضربون أعناقهم، ونصبوا صوارى وعلّقوا رؤوس المماليك والجراكسة وغيرهم، حتى قُتل فى الريدانية فوق الـ٤٠٠ إنسان ما بين الجراكسة وعربان من الشرقية والغربية، وصارت الجثث مرمية من سبيل «علان» إلى تربة الأشرف قايتباى.


ثم يورد ابن إياس العبارة التى تضغم الموقف: «فجافت منهم الأرض، وصارت لا تعرف جثة الأمير من جثة الصعلوك، وهم أبدان بلا رؤوس».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات