العالم ليس مُنصفًا أو عادلًا.. اتفاجئتوا طبعًا!

Foto


لا تنتظر التقدير، افعل ما تفعله بمنتهى الاجتهاد والإتقان والتفانى بدون انتظار تقدير من أحد أو من جهة أيًّا كان هذا الأحد وأيًّا كانت تلك الجهة. افعل ما تفعله لأنك تريد فعله، لأنك مدفوع برغبة داخلية عارمة إلى فعله، لأنك لو لم تفعله سوف تفقد تقديرك لنفسك، وهذا هو التقدير الوحيد الذى لا ينبغى عليك فقدانه، حيث إنك لو فقدته تكون قد فقدت نفسك بذات نفسها.

افعل ما تود فعله وحاول صُنع أجمل ما تستطيع فى ظل ذلك الإطار، هذا هو كل ما تملكه، وكل ما سوف يحدث بعد ذلك أنت غير مسؤول عنه.. نال ما صنعته التقدير خير وبركة، مر ما صنعته مرور الكرام ولم يُحدِث الأثر المرجو، برضه خير وبركة، فمجرد تعبيرك عن نفسك من خلال ما صنعته واجتهدت فى أن يصبح جميلًا هو قمة الخير وهو كل البركة.
هل يعنى ذلك أن ينعزل الإنسان ويصنع ما يصنعه -أيًّا كان- لنفسه فقط وليذهب العالم الخارجى إلى الجحيم؟! لا طبعًا، ما ذكرته لا يعنى سوى شىء واحد فقط، إذا تأخر تقدير العالم الخارجى لما تصنعه لا تجعل ذلك التأخير فى التقدير يُفقِدَك ثقتك فى نفسك -هذا طبعًا فى حالة إذا كان ما تصنعه يستحق التقدير بالفعل ومش أى رَطش والسلام- هذا بالإضافة إلى أن مقاييس الحصول على التقدير تتعدى بمراحل حسابات المنطق والكفاءة المتعارف عليها، فالحصول على التقدير أبعد كثيرًا من تصورات أى شخص، هذا بمنتهى البساطة لأنه أقرب كثيرًا إلى تصورات شخص آخر، هذا الشخص الآخر قد يكون رئيس مهرجان سينمائى وقد يكون رئيس لجنة تحكيم فى مسابقة أدبية كبيرة وقد يكون المسؤول عن مسابقة غنائية شهيرة، حصولك على التقدير فى تلك اللحظة له علاقة بتصورات لجنة التحكيم وبطريقة تفكيرهم وأولوياتهم والهدف الرئيسى من منح تلك الجائزة أو هذا التقدير.
لهذا، لا تنتظر التقدير، فهو قد يأتى وقد لا يأتى، وإذا أتى قد يأتى متأخرًا بعد أن تكون الرحلة قد شارفت على نهايتها وبعد أن يصبح الزُهد فى الحصول على أى شىء من تلك الدنيا الفونيا هو الشعور البطل على خشبة مسرح روح البنى آدم منا. معظم مَن حصلوا على نوبل مثلًا حصلوا عليها بعد أن تخطوا سن السبعين وبعد أن توقف بعضهم بالفعل عن الكتابة. سكورسيزى على سبيل المثال لم يفز بالأوسكار سوى مؤخرًا وبعد أن أبدع على مدار سنوات عمره لُكشة من الأفلام التى يستحق كل فيلم منها أوسكار لوحده، جوجان وفان جوخ والكثيرون من الفنانين العظماء لم يحصلوا على التقدير المناسب لفنهم العظيم سوى بعد رحيلهم عن ذلك العالم، وباستثناء سلفادور دالى وبيكاسو وماتيس لم يرَ معظم الفنانين العظماء على وجه ذلك الكوكب التعِس التقدير المناسب فى حياتهم، حيث لم تُبَع لوحاتهم بالملايين سوى بعد رحيلهم عن عالمنا البائس تحت وطأة الجوع والفقر والمرض والعَوَز، كافكا عاش مريضًا وبائسًا ومنبوذًا من العالم ولم تُنشر أعماله العظيمة ولم يحصل على التقدير المناسب سوى بعد وفاته، جمال حمدان العظيم اختار الابتعاد عن ذلك العالم الشرير والعبثى وغير المنصف ولم يحصل على التقدير المناسب سوى بعد اكتمال مأساته والعثور على جثته فى شقته المتواضعة التى لم يغادرها طوال أكثر من ثلاثين عامًا انزوى فيها عن الحياة وعن الجميع متفرغًا للكتابة والبحث والدرس.
هؤلاء والكثيرون غيرهم ليسوا سوى نماذج للتأكيد على إحدى بديهيات تلك الحياة الخدعة، العالم ليس مُنصفًا أو مثاليًّا كما نتصور، العالم ليس قاضيًا عادلًا يمنح التقدير للأكفأ والأجدر والأكثر جهدًا واجتهادًا، العالم لا يمنح تقديره فى معظم الحالات سوى للأكثر قدرة على الخداع ومهارة فى الغش والمراوغة.. لهذا، لا تنتظروا تقديرًا من عالم مُخادع وفظ القلب، ولا تستبدلوا شهادة التقدير التى لم تحصلوا عليها بشِحاتِة تقدير من ذلك العالَم المخادع.. شِحاتِة تقدير لن يساوى بصلة بعد أن تفقدوا فى سبيل الحصول عليه التقدير الأهم، تقديركم لأنفسكم.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات