كل الناس بيطلعوا من الأحداث بعبرة.. إلا المصريين.. بيطلعوا بإفيه

Foto


فليحدث ما يحدث، المهم هو الخروج مما يحدث بإفيه. المفترض طبعًا أن يخرج الناس مما يحدث بعبرة وعظة، إلا أننا كمصريين متفردين أنشأنا الحضارة وقت كان الكوكب يتخبط فى ظلمات جهله وهمجيته، اعتدنا أن نخرج من الأحداث بإفيهات، مش بعِبَر ومواعظ. أى نعم أنشأنا الحضارة ثم كبرنا مخنا وأنتخنا وتركنا الآخرين يكملون ما قد بدأناه ويستكملون ما كنا قد بدأنا إنشاءه، إلا أنه ينبغى على العالم أن يعترف لنا بفضلنا شوية من منطلق أننا نحن مَن بدأنا تلك الليلة من الحضارة التى تقطف البشرية الآن ثمارها على هيئة تكنولوجيا وإبداع وحياة باتت أشبه بحياة الروبوتات.

ربما كان ذلك هو مكمن عبقريتنا الحقيقية، أننا تقريبًا الدولة الأقدم فى ذلك العالم التى مرت بكل أنواع الكوارث الطبيعية والبشرية والتى تعرضت لكل أشكال وألوان وأنواع وأطياف الاحتلال، احتلالات خارجية واحتلالات داخلية، احتلالات خارجية من دول كثيرة وقوى عدة، بعضها لا يزال باقيًا فى حين اندثر بعضها الآخر «واحنا لسه ما اندثرناش»، واحتلالات داخلية من قوى فساد واستبداد وإقطاع واستنطاع وجماعات همجية وإرهابية، وكله فى النهاية بيتكل، بينما يبقى دومًا الشعب المصرى بلُغته بعاداته بتركيبته العجائبية الغرائبية غير المفهومة، يبقى دومًا الشعب المصرى بقدرته الغريبة على الخروج من أى شىء يخص أى حاجة فى حياته البائسة بإفيه.
إنها عبقرية البقاء على قيد الإفيه، حيث أثبتت التجربة العملية المعملية التى نحن بصددها منذ سنوات أن المصرى الحقيقى لا يستطيع مواصلة حياته دون إفيهات، فالإفيهات هى العمود الفقرى لأيامه التى باتت كوميدية حد التعاسة، والتهريج هو قوام حياته التى يعتقد أنه لو أخذها بجد وعلى صدره فإنه لن يتحمل كل هذا القدر من العبث الحياتى وسوف يطق ويموت فورًا.
وبصرف النظر عن مدى ما تتصف به تلك الطريقة فى الحياة من حكمة، إلا أن المشكلة تحدث عندما تتحول الحياة بأكملها إلى إفيه كبير ومتواصل، إفيه مالوش نهاية «زى مستر إكس» حيث ينبغى فى وقت من الأوقات أن يقف كل بنى آدم منا مع نفسه قليلا، ويتوقف عن إلقاء الإفيهات عمال على بطال على اللى يستاهل واللى ما يستاهلش، فالحياة وإن كانت فى الأساس عبارة عن إفيه كبير، إلا أنها فى الوقت نفسه تستحق منا بعض الجدّية أحيانًا، تستحق منا بعض اللحظات من التأمل الذاتى والتفكير العميق فى أنفسنا، فى ما الذى نريده من تلك الحياة، وهل نحن على الطريق الصحيح الذى يمكنه أن يصل بنا إلى مُبتغانا وغايتنا، أو حتى على مشارف الطريق، مش الطريق نفسه.
لا تتطرفوا فى الاهتمام بالأشياء التى تفرضها الأحداث عليكم، وإنما حاولوا أنتم التحكم فى الأحداث وتغيير دفّتها عن طريق تغيير دفة اهتماماتكم، فهناك أشياء أخرى فى ذلك العالم الواسع والممتد واللا نهائى تستحق منكم أن تمنحوها أوقاتكم. أرجوكم، امنحوا تلك الأشياء الأخرى وقتكم قبل أن ينفد هذا الوقت لتكتشفوا أنكم دخلتم لعبة الحياة وخرجتم منها من غير ما تتفرجوا على أى حاجة.
حاولوا أن تخرجوا من الحياة بشىء آخر بخلاف الإفيه. ولتتصور معى مشهدك فى الآخرة عندما يسألك أحد رفاق الرحلة: وحضرتك خرجت من الحياة بإيه بقى؟ حتقوله إيه ساعتها؟ حتقوله خرجت منها بإفيه؟!

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات