.

هل انصـرف النـاس عـن الشـأن العـام؟

Foto

لماذا لا يهتم أحد بمَن يكون رئيس الوزراء الجديد؟ ما نموذج الصين فى الإدارة؟


لا يبدو أن هناك ما يشغل الرأى العام فى مصر هذه الأيام، فالبعض يتكلم عن احتمال رفع أسعار البنزين والكهرباء، والبعض يتكلم عن أحوال نادى الزمالك، والكثير يتكلم عن محمد صلاح أبو مكة، ويتطرق حديثهم إلى كيفية مشاهدة مباريات كأس العالم القادمة فى شهر يونيو، وقد تكون أمور أخرى تحتل بعض الاهتمام العام، مثل حكم المحكمة الخاص بالتأمينات، الذى قضى بأحقية العلاوات لأصحاب المعاشات الذين لم يكونوا يحصلون عليها، ثم استأنفت الحكومة الحكم، وعاد الأمر لساحات القضاء، علما بأنه لولا معاشات الأهل، لوجد الكثير من الشباب مسألة المعيشة والزواج أمورا لا يقدر عليها إلا القليل، ومع هذا تناكف حكومتنا الرشيدة أصحاب المعاشات فى القليل الذى يحصلون عليه، وتماطل فى استرجاعهم حقوقهم. ثم بعيدا عن هذه الأمور، لا نجد موضوعا معينا يشغل الرأى العام بطريقة كبيرة، كنت مثلا أظن أن مسألة أن يحلف الرئيس اليمين فى شهر يونيو ستستوقف بعض الناس بالسؤال، ولكن لم أسمع عن استفسار بهذا الشأن، وكأن الأمر لا يعنينا، وعلى نفس المنوال، سمعت بعض الحوارات الجانبية الخافتة التى تتكلم عن تغيير الحكومة، لكن أحدا لم يكترث بمن سيكون رئيس الوزراء الجديد، هذا إن تم تغييره، وقد تكون هذه الأمور ينظر لها على أنها سفسطة لا لزوم لها، لكن بصراحة، فإن عزوف الناس عن حتى الاهتمام بمثل هذه الأمور، يعتبر علامة استفهام بحاجة إلى إمعان النظر.

لقد كان من حسنات الثورتين فى يناير ويونيو أن الناس اهتمت بالشأن العام بدرجة غير مسبوقة، وتوسمنا خيرا فى هذا الاهتمام، بحيث تجد الدولة حضور الناس على أنه طاقة تدفع للأمام، تستطيع من خلالها اقتحام القضايا الشائكة وحلها بكل إقدام وشجاعة، لكن الناس تبتعد رويدا رويدا عن المشهد، وتعود لحياة طبيعية بعيدة عن تحمل مسؤولية القرارات الصعبة والمصيرية، ولابد لأى صانع سياسة أن ينتبه لهذا العزوف، فإن له ما بعده، لاحظ مثلا أن اهتمام الناس بالشأن العام جعل المصريين على قلب رجل واحد فى الدفاع عن الجيش، وظهر هذا فى الثقة غير المحدودة التى منحها الناس لمؤسسات الدولة فى مجال الحرب على الإرهاب وفى مجال التنمية، فبينما كانت وسائل الإعلام تتكلم عن النشاط الاقتصادى للجيش، كان الناس يمدحون عدل الجيش فى توزيع مشروعات التنمية، وأنه فى الواقع جهة إشراف وليس جهة تنفيذ، مما أسهم فى إعادة توزيع الثروة، ثم وجدت القنوات الخاصة أنها لا تستطيع معاندة ما أجمع عليه الناس، فأصبحت كل القنوات تؤكد على هذه المعلومة حال تناولها لأى مشروع اقتصادى تقوم به الدولة، ولسنا هنا فى معرض تخوين أحد، فالحكاية أعمق من ذلك، فموضوع رأسمالية الدولة، بمعنى اقتصاد تديره الدولة لصالح الشعوب دون أن تمتلك هى وسائل الإنتاج من مصانع وشركات، هو أمر يتم تناوله فى العالم كله، ولعل بزوغ نجم الصين كثانى أكبر اقتصاد فى العالم، ونجاحها المبهر فى التصنيع، هو ما جعل هذا النموذج أمرا يلتفت إليه الكثير من الدول.
وفى المقابل، يوجد لدينا نظام رأسمالية رجال الأعمال، أو ما يعرف باقتصاد السوق الحرة، السائد فى الغرب، والذى يتبناه صندوق النقد الدولى والبنك الدولى معا، ولقد لمس المصريون هذا النوع من الاقتصاد قبل ثورة يناير، فى أواخر عهد مبارك، عندما كان رجال الأعمال يسيطرون على العديد من المجالات، وشعر المجتمع وقتها أن الاقتصاد العام أصبح يدار عبر شركات بعينها فى كل مجال، بحيث استفرد كل رجل أعمال من الكبار بمجال معين من الاقتصاد، واشتركوا جميعا فى ملكية القنوات الخاصة، لاسيما بعد ثورة يناير، وكما قلنا فإن هذا الموضوع ليس خاصا بمصر، ولكن هو نمط مكرر فى العالم، بحيث تجد دولا يسود فيها رجال الأعمال ويملكون معظم المشروعات الاقتصادية الكبرى، ويتمتعون بأكبر قدر من عوائد المشروعات على حساب المجتمع، بيد أن الأزمة المالية العالمية سنة 2008، انعكست بالسلب الشديد على هذا النمط من الاقتصاد، وتسببت الأزمة فى اندلاع العديد من الثورات والتغييرات عبر العالم، ونتج عنها تراجع الثقة فى اقتصاد السوق الحرة، وفتح الباب أمام البحث عن نوع اقتصاد آخر، ولما كان الناس لا يريدون العودة للوراء إلى الاشتراكية بمعناها القديم، فإن الصين ضربت مثالا لرأسمالية الدولة الناجحة جدا، فهى دولة تدير ولا تملك، واستطاعت أن تخرج 40% من سكانها من براثن الفقر إلى آفاق الطبقة الوسطى، فهل لهذا يخشاها الغرب ويخشى نموذجها الاقتصادى؟ ونحن نأمل أن تكون خطوات الدولة المصرية وجهدها ينصرف لتحقيق هدف مماثل، كما نأمل أن يتم ترسيخ فكرة رأسمالية الدولة التى تدار بطريقة رشيدة لصالح الشعب، بحيث تكون طريق مصر المستقبل، وليس فقط هذه الأيام. ثم يتبقى لدينا سؤال: هل الرضا عن المسار هو السبب وراء عزوف الناس عن الشأن العام، أم الثقة فى القيادة السياسية؟ بمعنى آخر: هل سنرى حضورا للشعب فى 2022 ليستطلع ملامح القادم، أم تستمر حالة العزوف؟

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات