.

«آلات حادة».. لسه الأفلام التسجيلية ممكنة

Foto


تظل أفلام السيرة الذاتية الروائية هى الأكثر قدرة على جذب أعين المشاهدين بمختلف أعمارهم، واختيارهم الأول إذا خُيروا بين مشاهدتها أو مشاهدة فيلم تسجيلى طويل.. لكن يَبقى للأفلام التسجيلية سر تحتفظ من خلاله ببريقها الفنى اللامع ولغتها العذبة فى التعبير عن جوهر الإنسان وسر الحياة، وهذا ما يظهر فى الفيلم الإماراتى «آلات حادة» الفائز بجائزة أحسن فيلم تسجيلى طويل خلال الدورة العشرين لمهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة، للمخرجة نجوم الغانم التى تعرض فيه سيرة الفنان الإماراتى «حسن شريف»، الذى يعد رائد الفن التشكيلى بتياره المفاهيمى فى العالم العربى.

فقد رسخ حسن شريف فى الخليج عمومًا وفى الإمارات خصوصًا فنًّا لا يعرفه الكثيرون، والفن المفاهيمى هو نوع من الفنون التى نشأت وترعرعت فى القرن العشرين، ويعتمد على كسر التقليدية والقوانين التى تضعها الكثير من الفنون؛ فهو فن يهتم بالمعنى وليس بالوسيلة التى يستخدمها الفنان للتعبير عن فنه، فالقاعدة أن الصورة الجمالية للعمل ليست هى الأهم، بل الفكرة التى يسعى للفنان إلى إيصالها من خلال أدواته المستخدمة مهما كانت غريبة ومختلفة عما هو سائد.
ومن خلال سيرة مفعمة بالوحدة والإيمان بالذات يأتى فيلم «آلات حادة» ليعرض سيرة حسن شريف، الفنان الذى لا يحصر فنه فى ريشة رسم، بل يُظهر بتمكن مدهش قدراته على استخدام أدوات ومواد أخرى كالمعادن والبلاستيك والأسلاك والقماش.. وغيرها، فيخلق حالة إبداعية متنوعة ممتلئة بالتجربة المتفردة، بل ويُعد الأكثر إلهامًا من ذلك هو خروج هذا الفنان من بيئة صحراوية بالأساس، فالإمارات والخليج فى السبعينيات ليست إمارات وخليج اليوم، فضلًا عن إصراره فى نشر هذا النوع الجديد من الفن.
وإذا عُدنا لتفاصيل «آلات حادة» سنجد حالة إنسانية مَلحمية سعت مخرجة العمل وكاتبة السيناريو نجوم الغانم (صاحبة عدد من الأعمال السينمائية والشعرية والفائزة بعدد من الجوائز) إلى فرض إيقاع تشويقى عليها منذ بداية الفيلم الذى تصل مدة عرضه إلى 84 دقيقة؛ فالثلاثون دقيقة الأولى تحدث فيها الفنان حسن شريف عن أعماله وأدواته، وكيف كانت البداية مع فن الكاريكاتير، وكيف تحولت حياته بعدها، وعن علاقته بأمه التى كانت ترفض أفكاره وفنه وتدعوه للاهتمام بأعمال تجلب المال، وعن تفضيله الذهاب إلى بريطانيا وتَعلُّم هذه النوعية من الفن. وفى أثناء تلك الدقائق قد يسأم المشاهد من تلك الحكايات عن فن لا يعرفه ولا يسمع عنه من قبل، ويجهل كذلك شخصية المتحدث والمفاهيم التى يطرحها، ويبدو أن المخرجة أرادت عن قصد أن تظل الدقائق الأولى بلا موسيقى تصويرية واضحة (لا يفضلها شريف)، واعتمدت فقط على بعض المؤثرات حينما كانت تنتقل بين المشاهد، بل إن بطل الفيلم تكلم بكثرة عن أدواته وأعماله وكيف يؤمن بأن كل مادة مهمَلة من الممكن استخدامها وإعادة الحياة إليها، ولم نرَ فيها عملًا كاملًا يوضح لنا إنتاجه، ولذلك قصدت المخرجة أن تعطى حالة تشويقية لمعرفة أعمال هذا الفنان والغوص فى أعماق هذا الفن.
الثلث الثانى من الفيلم اعتمدت فيه المخرجة على كلمات شريف والموسيقى التى يفضلها هو، وهنا ندرك أننا أمام فيلم لا يتحدث فيه أحد غير حسن شريف، الذى يسرد ويوضح طريقة مواجهته الحياة بعد عودته من بريطانيا التى كانت صعبة بسبب رفض الكثيرين لفنه وعدم معرفتهم به، لكنه أصر على الاستمرار، وأكمل طريقه من مرسم صغير، لينجح فى صناعة تيار جديد من الفن له أتباعه، وأيضا رفضه لمشروعات الزواج والأبناء وتفضيله الوحدة وتأكيده على فكرة أن الفنان يجب أن يكون أنانيًّا أو كما وصف «عائلة نفسه»، فيظهر كيف أصر على اقتلاع كل شىء لأجل روحه الشاردة فى منحنيات فنه مهما اضطهده البعض واتهموه بأنه ليس بفن، وأنهم لا يدركون تفاصيل لمسات ريشته ولا تركيبات يديه ولا كادرات صوره الفوتغرافية. وعظمة حسن شريف بالتأكيد أنه كان أكثر إيمانًا من غيره بما يفعل، فبات قوة إنسانية لا يمكن وصفها بكلمات.. كيف لهذا الرجل أن يترك العالم خلف ظهره ويسير فى طريقه وحيدًا ولا يلتفت لمن يسخر منه وما يؤمن به لدرجة أنه رأى فى النهاية أنه بلا أعداء؟! فقد عاش فى مرسمه الخاص غارقًا فى الاهتمام بلوحاته وحديقته الممتلئة بأعماله التى يهتم بها وكأنها أزهار فى مرحلة نموها.
الفيلم لوحة من لوحات شريف، بلغة سينمائية قدمتها نجوم الغانم، بوضع فواصل نثرية من كلماتها بين مشاهد الفيلم غاية فى الروعة والهدوء، فالغانم أعطت كل مشهد حقه فى التعبير عن شريف وفنه، بل وعن إمكانياتها كمخرجة وكاتبة سيناريو وشاعرة من نوع نادر.
«آلات حادة» فيلم يُعبر عن حالتين نادرتين فى «التحدى والخروج عن المألوف» و«النجاح وإثبات الذات»؛ الأولى بطلها الفنان حسن الشريف، الذى شاء القدر أن يرحل قبل عرض فيلمه، والثانية أخرجتها الغانم التى تحصد ثمرة اجتهاد عقود.. ليصبح الاثنان رسولَى الفن القادم من الجزيرة العربية.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات