.

الموروث الإسرائيلى فى كتب الحديث!

Foto

كيف نفذ الموروث الإسرائيلى إلى الثقافة الإسلامية؟ لماذا كان منهج المحدّثين فى علم الجرح والتعديل منهجًا انتقائيًّا؟ كيف تطابقت بعض مرويات أبى هريرة بحذافيرها مع بعض النصوص الإسرائيلية؟


«الإسرائيليات» جمعٌ مفرده إسرائيليَّة، وقد يُفهَم من ذلك أن المراد بتلك اللفظة اصطلاحًا، الطائفة من الروايات ذات الصبغة اليهوديّة، بيْد أنّ المعنى الاصطلاحى الصحيح أوسع من ذلك وأشمل، إذْ إن تلك اللفظة عندما تُطلَق فإنه يُراد بها الطائفة من الروايات اليهوديّة والمسيحيّة معًا، بل يُراد بها أى طائفة من الروايات الدخيلة، ذات الطابع الأسطورى، على النصّ الدينى الإسلامى الذى أنزل على النبى، صلى الله عليه وسلم، وبلّغه الناس، فالإسرائيليات لفظة يتّسع اصطلاحها فيشمل الموردَين السابقين وغيرهما من موارد دخيلة، تشمل الروايات أو الحكايات الغريبة التى نَفَذَت إلى المصادر الإسلاميَّة ولم يكن مصدرها إسلاميًّا خالصًا.

وأما عن نفاها إلى الثقافة الإسلامية، فإن ذلك يرجع إلى أن المسلمين الأوائل قد احتكُّوا باليهود احتكاكًا مباشرًا منذ أن وطأت أقدامهم أرض يثرب بعد الهجرة، ولا أكادُ أجد حرجًا إذا ادّعيتُ أنّ سبب تبديد سياج العُزلة الثقافية الذى ضربه اليهود على أنفسهم فى يثرب، بل فى الجزيرة العربية كلها قبل الإسلام، إنما يرجع إلى المسلمين أنفسهم، فمما هو معروف أن اليهود كانوا أهل كتاب وعلوم، وإذْ كانوا يعيشون فى مجتمع بدوى أمىّ قُحّ، لا يعترف بكتاب دينى أو بديانة سماوية، وهو المجتمع العربى قبل الإسلام، فإنهم قد ارتضوا العيش فى عُزلة اختيارية فرضها الواقع السوسيولوجى آنذاك، الأمر الذى لم يجعلهم يلتحمون مع العرب التحامًا ثقافيًّا أو دينيًّا ذا شأن، بينما اكتفوا بالتلاحُم الاقتصادى والمالى عبر التجارة وتبادُل السلع والأمتعة والإقراض بالربا، لكن بعد ظهور الإسلام، كونه دينًا سماويًّا، وبعد هجرة النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، إلى يثرب واحتكاكه مباشرة هو وأصحابه باليهود الذين كانوا يعيشون فى يثرب وما حولها، بدأ اليهود يدخلون فى علاقات مباشرة، سياسية وحربية ودينية وثقافية، مع الرسول والمسلمين، فتبدَّد الحاجز التاريخى الذى كان يمنعهم من الاحتكاك بالعرب، ولا سيّما أن اليهود أصبحوا فى عِداد ما يُعرَف فى الفقه الإسلامى بمصطلح «أهل الذمّة»، بعد تكوين «الدولة» الإسلامية -إذا جاز التعبير- فى يثرب، التى استحال اسمها فى ما بعد إلى «المدينة»، وتغصّ كتب التراث الإسلامى والأحاديث المنسوبة إلى النبى، صلى الله عليه وسلم، بمواقف وعلاقات سياسية وحربية وثقافية، فضلًا عن المعاملات التجارية من بيع ورهن وغيرهما، بين كلٍّ من المسلمين واليهود، وكل أولئك تبلور عنه فى النهاية احتكاكٌ كامل وتبادُل ثقافى ومعرفى، سهّل من نفاذ الروايات والحكايات والقصص الإسرائيلية، ذات الطابع والصبغة الدينية اليهودية، إلى الثقافة الإسلامية ومعارف الدين!  
ولم يكن صعبًا أن تنفذ طائفة كبيرة من تلك الإسرائيليات إلى كتب الأحاديث، بعد إباحة تدوين ما اصطلحوا على تسميته بـ«السُّنَّة» فى نهاية القرن الأول للهجرة، فى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت 101هــ)، الذى أمر عمّاله فى الأمصار بتقصّى الأحاديث الصحيحة عن النبى، صلى الله عليه وسلم، وتدوينها، لتكون تلك هى البداية الفعلية للاهتمام بالأحاديث المنسوبة إلى النبى الكريم، ووضع القواعد والمناهج التى على أساسها يتم تمييز درجة الحديث من حيث الصحة أو الحسن أو الضعف، وهى القواعد التى التأمها، بعد ذلك، علم مصطلح الحديث، وفى الحق فقد اجتهد علماء الحديث فى هذا العلم اجتهادًا لافتًا، فاستطاعوا من خلال تلك القواعد التى قعّدوها تصنيف الأحاديث من خلال اعتماد منهج نقدى ظهرت آثاره ونتائجه واضحة فى ما عُرِف باسم «علم الجرح والتعديل»، بيْد أن قواعد النقد تلك لم تكن كلها نهائية وصحيحة تمامًا، إذ إنها ارتبطت فى أغلبها بالصراعات المذهبية والسياسية والاجتماعية، بل ارتبطت كذلك بأوضاع الرواة، أنفسهم، الاقتصادية والاجتماعية، فكانت قواعد النقد -إذن- انتقائية، ولعل ذلك يفسّر اختلاف علماء الحديث سواء أكانوا من السنة أم الشيعة أم المعتزلة أم غيرهم فى اعتماد بعض الأحاديث والمرويات، بل اختلاف الأحاديث بين كتب الصحاح والسنن، يقول الحاكم فى «المستدرك»: «عدد من أخرج لهم البخارى ولم يُخرِج لهم مسلم بلغ 434 شيخًا، وعدد من أخرج لهم مسلم ولم يُخرِج لهم البخارى بلغ 625 شيخًا»، ما يعنى أن ثمة 1059 راويًا ضعّفهم البخارى ومسلم منفردَين، ومما يدل على أن قواعد النقد كانت انتقائية أن البخارى -مثلًا- لم يروِ عن الشافعى لأنه -عنده- كان ضعيفًا فى الرواية، كما لم يروِ عن الإمام أبى حنيفة لأنه -عنده- من الضعفاء المتروكين، وكذا لم يروِ عن ابن جريج عالم مكة الشهير، وفى الوقت الذى عدّ فيه البخارى كلَّ من تشيّع للإمام علِى صاحب هوى، غير موثوق فى روايته ولو كان من الصحابة، إذا به يروى لمعاوية بن أبى سفيان، على الرغم من عداوته لعلِى بن أبى طالب (..)، كما يروى عن الخوارج، فى حين أن الإمام مسلم لم يجوّز الرواية عنهم.. فلتتأمَّل!
ويأتى الصحابى أبو هريرة كأحد أكثر الصحابة تأثرًا بالموروث الإسرائيلى، فقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار، حتى إنه «انفرد بأحاديث كثيرة كان بعضها معرضًا للإنكار أو مظنة لغرابة موضوعها، ومنها أحاديث الفتَن وإخبار النبى، صلى الله عليه وسلم، ببعض المغيبات التى تقع بعده، ولذلك نرى الناس ما زالوا يتكلمون فى أبى هريرة» (محمد رشيد رضا، تفسير المنار: ج 19، صـ108)، ولن نتكلم هاهنا عن هذا الصحابى، فقد تناولناه وتناوله غيرنا، لكننا سنقوم فقط بعرض نماذج حديثية فى كل من البخارى ومسلم وغيرهما طالتها الإسرائيليات، مع مقارَنة بين النّصَّين: الحديثى والإسرائيلى، وهى نماذج رواها أبو هريرة، ولا يشك مُنصِفٌ أنها مأخوذة بحذافيرها من الموروث الإسرائيلى:
روى البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «قال الله: أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، وقد ورد هذا الحديث فى رسالة بولس الأولى إلى أهالى (كورنثوس)، فى الآية 9 من الإصحاح الثانى، وفيها: «ولكن كما كُتب، مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»، وهى مقتبسة من سفر إشعياء (64: 4): «وَمُنْذُ الأَزَلِ لَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يَصْغَوْا. لَمْ تَرَ عَيْنٌ إِلهًا غَيْرَكَ يَصْنَعُ لِمَنْ يَنْتَظِرُهُ»!
روى مسلم فى صحيحه بسنده إلى أبى هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمت أن عبدى فلانًا مرض فلم تعده؟ أمَا علمت أنك لو عدته لوجدتنى عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى، قال: رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أمَا علمت أنه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه؟ أمَا على أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقنى، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدى فلان فلم تسقه، أمَا إنك لو سقيته وجدت ذلك عندى؟»، وقد ورد هذا الحديث منسوبًا إلى السيد المسيح فى إنجيل متى، الآيات من 31 حتى 46، من الإصحاح 25!
روى البخارى عن أبى هريرة عن النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا»، وفى رواية مسلم عن أبى هريرة أيضًا: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنّب الوجه، ولا يقُل: قبّح الله وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته»، ومضمون وألفاظ هذَين الحديثَين بنصّهما فى التوراة، فى سفر التكوين، الإصحاح الأول، آية 27، وفيها «خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم»!
روى مسلم عن أبى هريرة قال: «أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِى، فَقَالَ: (خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءَ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْخَلْقِ فِى آخِرِ سَاعَاتٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ»، وقد ورد هذا الحديث دون تحديد الأيام فى التوراة، فى سفر التكوين، الإصحاح الأول، من الآية 1 حتى الآية 5!
روى الإمام أحمد وغيره عن أبى هريرة أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال: «الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بينى وبينه نبى وأنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجلًا مربوعًا إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله فى زمانه الملل كلها إلا الإسلام ويهلك الله فى زمانه المسيح الدجال وتقع الآمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون»، وقد صحَّح هذا الحديث بألفاظه كثيرون، على الرغم من أن ابن كثير أشكل عليه ما ثبت فى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه يمكث فى الأرض سبع سنين، إلا أنه لم يُضعّف الحديث بل تمحّل فى تأويله، فقال: لعل هذه السبع تُحمَل على مدة إقامته بعد نزوله (..)، وهذا الحديث جاء بتمامه فى طائفة من المزامير والأسفار اليهودية، منها: سفر المزامير 72: 1- 4، وسفر أرميا 23: 5- 8، وسفر أشعياء 1: 26- 28، و11: 1- 10!
بخلاف أحاديث التجسيم والتشبيه التى رواها الرجل، وبسببها ظهرت عقيدة التجسيم والتشبيه لدى جمهرة كبيرة من المسلمين، عُرفوا باسم المجسّمة والمشبّهة، أى أن الله على هيئة الإنسان، له وجه ويدان ورجلان، مع تنزيهه عن المشابهة «ليس كمثله شىء وهو السميع البصير»، وهذه العقيدة مأخوذة من الموروثات اليهودية، التى تتصوّر الله فى صورة إنسان يأكل ويشرب ويتعب ويستريح، وقد نفذت هذه العقيدة إلى المسلمين بعد أن أكثر أبو هريرة من الرواية عن كعب الأحبار، حتى إن الإمام أحمد فى مسنده [جزء 2، صـ275] يروى فيقول:   «اجتمع أبو هريرة وكعب الأحبار، فجعل أبو هريرة يحدّث كعبًا عن النبى، صلى الله عليه وسلم، وكعب يُحدّث أبا هريرة عن الكتب»، لذلك لم يكن غريبًا أن تحمل آلاف الأحاديث المروية عن أبى هريرة غرائب وعجائب ومغيبات لم ترد فى القرآن وتخالف العقل والشرع!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات