وهكذا اختفت علامات الترقيم من المصحف

Foto

لماذا يفضل المسلمون الاحتفاظ بنسخة عثمان كما هى ويرفضون دخول علامات الترقيم عليها؟ هل نوع الخط المستخدم فى المصحف من حيث علامات التشكيل والزخرفة يمثل عائقًا على قراءة البعض؟


حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا على بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سألت عائشة، رضى الله عنها، عن لحن القرآن: إن هذان لساحران (سورة طه، آية 63)، وقوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى (سورة المائدة، آية 69)، والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة (سورة النساء، آية 162)، وأشباه ذلك، فقالت: أى بنى، إن الكُتَّاب يخطئون «حديث موقوف، رقم 1640، كتاب تاريخ المدينة لابن شبة، أخبار عثمان بن عفَّان، كتابة القرآن وجمعه». وفى مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، سادس عشر الأنصار: رقم الحديث 24081، حديث مرفوع، حدثنا عفَّان، حدثنا صخر بن جويرية، قال: حدثنا إسماعيل المكى، قال: حدثنا أبو خلف مولى بنى جُمح، أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة أم المؤمنين فى سقيفة زمزم، ليس فى المسجد ظل غيرها، فقالت: مرحبًا وأهلا بأبى عاصم، يعنى عبيد بن عمير، ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا؟ فقال: أخشى أن أملك، فقالت: ما كنت تفعل؟ قال: جئت أسألك عن آية فى كتاب الله، عز وجل، كيف كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقرؤها؟ فقالت: أية آية؟ فقال: «الذين يؤتون ما آتوا» «سورة المؤمنون، آية 60»، أو الذين يأتون ما أتوا؟ فقالت: أيتها أحَب إليك؟ قال: قلت: والذى نفسى بيده لَإحداهما أحَب إلىَّ من الدنيا جميعًا أو الدنيا وما فيها، قالت: أيتها؟ قلت: الذين يأتون ما أتوا. قالت: أشهد أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كذلك كان يقرؤها، وكذلك أُنزلت. أو قالت: أشهد لَكذلك أُنزلت، وكذلك كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقرؤها، ولكن الهجاء حُرِّفَ. «ورد فى (تفسير القرآن العظيم) لابن كثير، ج5، ص481».

وفى كتاب «المصاحف» لابن أبى داود، باب المصاحف العثمانية، اختلاف ألحان العرب فى المصاحف والألحان: حديث موقوف، رقم 88، حدثنا المؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشى، قال: لما فُرِغَ من المصحف أُتِيَ به عثمان فنظر فيه، فقال: قد أحسنتم، وأجملتم، أرى فيه شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها. حدثنا عبد الله، قال: حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يحيى، يعنى ابن آدم، حدثنا إسماعيل بهذا، وقال: ستُقيمه العرب بألسنتها. قال أبو بكر بن أبى داود: هذا عندى يعنى بلغتها، وإلا لو كان فيه لحن لا يجوز فى كلام العرب جميعًا لَما استجاز أن يبعث به إلى قوم يقرؤونه. وفى تفسير الطبرى لقول الله تعالى فى الآية الكريمة رقم «31» من سورة الرعد: «أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا»، يقول: «20410»، حدثنا أحمد بن يوسف قال: حدثنا القاسم قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت أو يعلى بن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها: «أفلم يتبين الذين آمنوا»، قال: كتب الكاتب الأخرى وهو ناعس. وفى تفسير القرطبى يقول: وقرأ علِى وابن عباس: «أفلم يتبين الذين آمنوا» من البيان، قال القشيرى: وقيل لابن عباس المكتوب «أفلم ييأس»، قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس، أى زاد بعض الحروف حتى صار ييأس.
وفى فتح البارى، شرح صحيح البخارى، كتاب تفسير القرآن، سورة الرعد، قال: ومن طريق ابن جريج قال: زعم ابن كثير وغيره أنها القراءة الأولى، وهذه القراءة جاءت عن علِى وابن عباس وعكرمة وابن مليكة وعلى بن بديمة وشهر بن حوشب بن الحسين وابنه زيد وحفيده جعفر بن محمد فى آخر مَن قرؤوا كلهم «أفلم يتبين»، وأما ما أسنده الطبرى عن ابن عباس فقد اشتد إنكار جماعة مما لا علم لهم بالرجال صحته، وبالغ الزمخشرى فى ذلك كعادته إلى أن قال: وهى والله فرية ما فيها مرية، وتبعه جماعة بعده.
وفى تفسير القرطبى للآية «184» من سورة البقرة: «أيَّامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخَر»، يقول: اختلف الناس فى وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدارقطنى فى سُننه، فروى عن عائشة، رضى الله عنها، قالت: نزلت «فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقطت متتابعات، وقال: هذا إسناد صحيح. وفى صحيح البخارى، كتاب الصوم، باب «متى يقضى قضاء رمضان»، يقول: ونقل ابن المنذر وغيره عن علِى وعائشة وجوب التتابع، وهو قول بعض أهل الظاهر، وروى عبد الرزاق بسنده عن ابن عمر، قال: يقضيه تباعًا. وعن عائشة: نزلت «فعدة من أيام أخر متتابعات» فسقطت «متتابعات». وفى «الموطأ» أنها قراءة أُبَى بن كعب، وهذا إن صح يشعر بعدم وجوب التتابع.. إلخ. وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير وابن أبى داود وابن الأنبارى فى المصاحف، والبيهقى فى سُننه، عن أبى يونس مولى عائشة قال: أمرتنى عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنى «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى» «البقرة، 238»، فلما بلغتها آذنتها، فأمْلَتْ علىَّ: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين»، وقالت عائشة: سمعتها من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. «الدر المنثور ج1 ص302، سُنن الترمذى ج5 ص219 حديث رقم 2982، وعلق عليه: هذا حديث حسن صحيح».
وفى كتاب تاريخ المدينة لابن شبة، ورد تحت رقم «1087» حديث موقوف: حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة، قال: حدثنى أُبَى، عن أبيه، عن الحسن: قرأ عمر، رضى الله عنه: «والسابقون الأولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان»، فقال أُبى: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان» «سورة التوبة، 100»، فقال عمر، رضى الله عنه: «الأولون من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان»، وقال عمر، رضى الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، فقال أُبَى، رضى الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيه الخطَّاب ولا ابنه.
هذه الشواهد أخذتها من كتب التراث التى نعتمد عليها فى أمور عقيدتنا.. كتب الأحاديث والتفاسير والسيَر، وغيرها، تقول إن ثمة مشكلات حدثت فى كتابة بعض الكلمات، مثل قول ابن عباس أن الكاتب نعس فكتب: يتبين/ ييأس، أو تبدل نطقُها مثل ما أتوا وما آتوا، أو سقطت مثل «متتابعات» أو «وصلاة العصر»، أو أضيفت، مثل قول عمر إن الأصل: «من المهاجرين والذين اتبعوهم بإحسان»، ومشكلات أخرى شبيهة يمكن البحث عنها لأن المجال يضيق عنها هنا. ومن المعروف لدى الباحثين أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، سأل عن سورة ما، فقيل له: كانت مع فلان الذى استشهد فى الحرب، ما دعاه إلى أن اقترح على أبى بكر الصديق وقت خلافته أن يجمع القرآن، ففعل بعد تردد، ولما مات أخذه عمر، ولما مات احتفظت به حفصة بنت عمر، أم المؤمنين، عندها. وفى عهد عثمان بن عفان -حسب ما رواه البخارى فى صحيحه ص1908، برقم 4702- أن حذيفة بن اليمان قدم إلى عثمان، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلينا بالصحف ننسخها فى المصاحف ثم نردها إليك.. إلخ الحديث المعروف.
كما أنه معروف أن الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، بعد أن تولى الخلافة عام 65 هجرية، ولاحظ اختلاف نطق بعض الكلمات نتيجة تشابه حروف كثيرة قبل التنقيط، مثل الياء والباء والنون والتاء، ومثل السين والشين والصاد والضاد.. إلخ، والمثال المشهور الذى يردده الباحثون فى هذا الصدد الآية «6» من سورة الحجرات: «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين»، فبعض القرَّاء نطقوا «فتثبتوا» بدل «فتبينوا»، ما أثار الحيرة لأن الكلمتين متشابهتا المعنى، فكلف عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفى بالإشراف على تنقيط حروف القرآن، وقد كان.
وعلى الرغم من أن القدماء تدخلوا أكثر من مرة فى رسم المصحف لتلافى المشكلات التى أشرت إلى بعضها من ناحية، ولتوصيل المعنى الصحيح من ناحية أخرى، فإن المحدثين يخافون ذلك، ويفضلون الاحتفاظ بنسخة عثمان كما هى بأخطائها، على الرغم من أن دخول علامات الترقيم عليها سيجعلها أسهل فى القراءة والحفظ وفهم المقاصد.. الفاصلة والفاصلة المنقوطة والنقطة والنقطتان المتجاورتان، والمتعامدتان، وعلامة الاستفهام وعلامة التعجب، كما أن نوع الخط المستخدم نفسه، وكثافة التشكيل والزخرفة تكون عائقًا فى القراءة فى بعض الحالات، ويستوجب الأمر تحديثه بخطوط أقرب إلى ذائقة المسلمين فى هذا العصر، وتخفيف الزخرفة والتشكيل، لكنهم يخافون، حتى لو كان ذلك فى صالح القرآن الكريم!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات