.

وكالة الموصلى فى انتظار معجزة «أمطار صيفية»

Foto

كيف نجحت الرواية الفائزة بجائزة «الشيخ زايد» فى تجسيد الصراع بين الروح والمادة؟ كيف نتعامل مع الماضى باعتباره مادة غير مقدسة وقابلة للنقاش وإعادة التفسير؟


يختار «أحمد القرملاوى» أن يضع قارئ «أمطار صيفية» فى ذروة الحدث مع السطور الأولى لروايته. لقد احترقت «الوكالة»، ولا نرى الآن سوى بقايا جذوة مشتعلة وطقطقة الأخشاب المحترقة، وأثر لعراك عنيف بين «يوسف» و«زياد»، وذهول فاضح فى عيون «رحمة» وهى تهبط من التاكسى غير قادرة على استيعاب ما تراه أمامها.

احترقت -إذن- «وكالة الموصلى» التى كانت تصدع بالموسيقى والذِّكر فى قلب القاهرة القديمة لسنوات وربما لقرون، لكن ما قصة هذا الحريق المروّع الذى يبدو أن تفاصيله أكثر عمقًا وتشابكًا مما يمكن إيجازه فى عنوان مختصر من ثلاث كلمات؟
ثمة اعتناء واضح فى الرواية ببناء شخصياتها الرئيسية، لدينا يوسف، عازف العود العبقرى الذى توكل إليه مهمة إدارة «وكالة الموصلى» وتنظيم دروسها فى العزف والتصوف عبر أمينها لسنوات طويلة «الشيخ ذاكر». يوسف رغم يقينه بمنجز الشيخ الموصلى وما تركه، فإن الشك يدب فى قلبه، ويبدأ فى نهب كتب التراث بحثًا عن أثر حقيقى للشيخ الموصلى، فلا يجد، فيرتج عقله متسائلًا: «كيف لمؤسس طريقة عابرة للزمن كطريقة الموصلى وصاحب إنجاز موسيقى يوصَف بالإعجاز أن يتغافل عنه المؤرخون والدارسون بينما يدونون أعلامًا أخرى أقل بدقة مذهلة؟». ولدينا زياد، رفيق عمره الذى فتح أمامه أبواب عشق العود والعزف عليه، لكنه ضل السبيل فوجد نفسه «خادمًا» للسائحين الخليجيين الباحثين عن متعة برفقة «عود أصيل» أو «فتاة مثيرة» لا فارق. ثم هناك «زينا» تلك الألمانية الفاتنة الهادرة التى تنهش طمأنينة «يوسف» وتُحيى بداخله النفس المتمردة عبر عرضها الأخّاذ بتحويل الوكالة التقليدية التى تنتج آلات العود اليدوية المتقنة إلى مركز موسيقى عالمى يضم الموسيقى التراثية جنبًا إلى جنب مع الموسيقى الإلكترونية الحديثة، وبمقابل مادى ترتَج له العقول.
وهناك رحمة، ابنة الشيخ ذاكر التى تقع فى هوى يوسف، لكنها تكتشف فجأة حينما يمرض والدها كم هى هشة ووحيدة وغير قادرة على مواجهة الحياة بمفردها. ومن قبل كل هؤلاء هناك «الشيخ الموصلى» ذلك الشيخ الغامض، ابن مدينة الموصل العراقية الذى نزح إلى مصر فى زمن المماليك مؤسسًا وكالة تمزج الذكر الصوفى بالعزف على العود، حتى صار «عود الموصلى» علمًا بين أعواد العرب.
يبدأ الأمر عمومًا بشرخ فى جدار الوكالة القديمة، يعجز الشيخ ذاكر عن التعامل معه بطريقة تقليدية، فإذا أراد دعمًا ماديًّا فعليه أن يسافر للخارج، لكن صحته لم تعد تعينه، ثم إنه لا يأمن أن تتولى وزارة الآثار علاج الشرخ، فلعل ذلك يزيد من أثره السيئ، فتأتيه تلك الفكرة (أم لعلها تم زرعها فى رأسه؟)، سيجعل السلفيين الذين يديرون المسجد المقابل للوكالة يمدون سياق الخشب والمظلة التى تحيط بالمصلين حتى أسوار الوكالة فيمكنه ذلك من إصلاح الشرخ بطريقته دون أن تدرك الجهات المختصة عن الأمر شيئًا، ولم يكن الشيخ ذاكر يعلم أن هذا هو أولى خطوات ضياع الوكالة برمتها، لا رتق الشرخ، ذلك أن السلفيين يعتقدون أن الوكالة ليست سوى مكان لـ«المعازف» بينما يجب أن يكون فقط مكانًا لذكر الله، ولا يغير من رأيهم بالطبع قول الشيخ ذاكر لهم إن ذلك «تفسير مشايخكم لحديث رسول الله، أما نحن فلنا فَهْم آخر، نحن نصنع آلاتنا ولا نشتريها، نبذر فيها أرواحنا ونبتغى بها مرضاة الله، تمامًا كما تشذب أنت مسواكك!».
لقد اتخذ السلفيون قرارهم باحتلال الوكالة وقُضى الأمر، مثلما قررت «زينا الدينارى» بدورها الاستحواذ على الوكالة وتغيير هويتها إلى أخرى عصرية غربية، بينما كان أهل الوكالة أنفسهم يعيشون صراعاتهم الخاصة فضاعت من بين أيديهم بكل ما تمثل لهم من معانٍ.
يبلغ إحكام وصدق الرواية، التى فازت عن جدارة بجائزة الشيخ زايد فرع شباب المؤلفين 2018، حد أنه بعد الانتهاء من الرواية يسارع القارئ الشغوف بالبحث عن قصة الشيخ الموصلى، ليفاجأ بأن الشيخ والوكالة من صُنع خيال المؤلف، وأن لا أصل تاريخى لهما، وهذه لعبة تخييلية مارسها «القرملاوى» بإتقان لافت، مثلما نجح أيضًا فى صناعة حيلة سردية ذكية، تمثلت فى تدخل صوت «زينا الدينارى» باعتبارها ناشرة العمل الروائى لثلاث مرات عبر فصول الرواية، لتنقل وجهة نظر أخرى لما جرت روايته عبر الأحداث.
كان يمكن للرواية أن تجنح لعقد حوارات مباشرة لتعبر عن الصراع بين «المادة» والروح، لكن المؤلف أنقذها من هذا المصير، مكتفيًا بوضوح الصراع والمقارنة بين أبطالها (زينا الدينارى/ زياد) من جهة، و(يوسف/ رحمة) من جهة أخرى، وإن وجدت هذه المقارنة الحتمية متنفسًا لها فى بعض الحوارات مثلما قالت زينا ليوسف وهى تخوض معه غمار إقناعه بمشروعها العصرى: «الروح مادة لا يمكن التعامل معها مختبريًّا، ورغم ذلك تقول إنها صاحبة الأمر فى كل شىء، ماذا لو أصابها خلل ما نعجز حينها عن الإصلاح ونركن لحجة سهلة نغلفها بقناعة يائسة».
هكذا عبر بنيان سردى محكم وتشابك ذكى للأحداث وتمازج لمصائر الأبطال، تطرح «أمطار صيفية» -إصدار مكتبة الدار العربية للكتاب- العديد من الأسئلة حول الأساطير التى يمكن نسجها للرموز التاريخية فى حياتنا، وضرورة التعامل مع الماضى باعتباره مادة غير مقدسة قابلة للنقاش وإعادة التفسير، وتضع الكثير من علامات الاستفهام حول الطريقة التى يمكن بها أن يمتزج إرث الماضى بسمات العصر الحاضر، وكيف يمكن أن يحدث هذا دون طمس لهوية أو تشويه لتراث، وكيف سيظل التشدد الدينى أحد أهم أسباب تفكك المجتمع ودخوله صراعات مستمرة لا تنتهى أبدًا. كما تطرح أسئلة لا تخلو من فلسفة تتعلق بالحب ودرجاته، ولعل هذا يتجلى فى هذا السؤال الصعب الذى قاله أحد المحبين وهو يبكى فى أحضان «الشيخ الموصلى» فى زمن بعيد، قائلًا: «لماذا ينبت الله فى قلوبنا الوجد بالمعشوق فتصير حياتنا مرهنة بقربة ثم لا يرضى أن نزهد فى الحياة حين يفرض علينا هجرانه؟ طالما أن الحياة منحة أُعطيتها فما العيب إن رغبت فى ردّها؟».
كغزالة مكسورة القدمين، تقع «وكالة الموصلى»، التى تصدع بالموسيقى والذكر فى قلب القاهرة القديمة، فريسة لتشدد السلفيين من جهة، وجشع المد التكنولوجى الغربى الذى يتجسد فى «زينا الدينارى» نصف الألمانية ونصف المصرية من جهة أخرى، وعندما يصل الصراع إلى ذروته، تبدو الوكالة ومحبوها بلا أى أسلحة للمقاومة، لا يملكون سوى انتظار معجزة من السماء أشبه بسقوط الأمطار فى عز الصيف لتنقذ الموصلى ووكالته من مصير محتوم. لكن الأمطار الصيفية -كما يبدو- قد ولى زمن سقوطها.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات