المنطقى فى ما يفعله دونالد ترامب فى سوريا

Foto

كيف ولَّد أوباما أملًا زائفًا بين المصلحين والضحايا بينما لا يولد ترامب أى أمل؟


ترجمة: أميرة جبر عن «أتلانتيك»

 

تتعرض إدارة ترامب لسيل من الشكاوى من أنها قامت بعمليات عسكرية ضد سوريا دون وجود استراتيجية لسوريا، وهذا غير دقيق.
كان لدى الرئيس أوباما أهداف عملاقة أهمل تحقيقها، فكان يريد رحيل بشار الأسد، وكان يريد أن يترك الروس سوريا، وكان يريد أن ينشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ما لم يصبح الأمر عالى التكلفة (راجعوا التأرجح فى المساعدات العسكرية لمصر)، وكان يريد أن يدفع باختصاص المنظمات الدولية والقانون الدولى. وتحدثت إدارته عن «عمليات حكومية متكاملة» لكنها فشلت فى إجرائها.
وليس لدى الرئيس ترامب أهداف عملاقة، وعلى الرغم من اللغة المخففة فى استراتيجيته للأمن القومى، لم يكن قط هناك أى احتمال حقيقى بأن يكبل الرئيس بأى قيود، ولم يكن هناك أى أساس منطقى لتصديق خطاب وزير الخارجية ريكس تيلرسون، الذى أعلن فيه عن أن مقاربة لحكومة متكاملة ستتبع فى سوريا، ولا يبدو أن الرئيس ترامب يؤمن بنشر الديمقراطية، ولا يؤمن ببناء الدول، ولا يؤمن بأن ضحايا الإرهاب والحكومات السالبة للحرية يستحقون ملجأ أو دعم أمريكا، ولا يؤمن بالمنظمات الدولية أو بالقانون الدولى.
وهناك تشابهات هامة بين استراتيجيات كل من أوباما وترامب للشرق الأوسط، فكلاهما يريد استخدام القوة العسكرية الأمريكية بحرية وبشكل مقتصد، ولا يرتاح أى منهما إلى المدة المطولة لدعم حكومات وليدة وبناء قدرات الشركاء، وكلاهما خفض الدعم العام الأمريكى للأمَمية المستدامة من خلال التشديد على تكاليف الفرص البديلة للتشابك الخارجى.
ولكن من الخطأ اقتراح -كما يخلص مارتين إنديك فى «أتلانتيك»- أن سياسة إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط لا تختلف فعليًّا عن سياسة الرئيس أوباما لـ«القيادة من الخلف». ولا يعطى النقاد لترامب الفضل الكافى، فترامب لديه استراتيجية لسوريا والشرق الأوسط الأوسع، واستراتيجيته هى الحد من التورط الأمريكى، والدفع بمسؤولية النتائج فى المنطقة مرة أخرى إلى دول المنطقة، والسماح للقوة بتحديد النتائج، ولا يكنّ إعجابًا خاصًّا بأى من دول المنطقة، ويصرح بأنه صديق مخلص لكل منها، دون التعهد بأى التزامات دائمة لأى منها، ولا يأبَه بنوع الحكومة، وكذلك -على الأرجح- لا يكترث بأن يكون متبرعًا للمستبدين أو للديمقراطيين. وتلك مقاربة يسميها مُنظرو العلاقات الدولية «الواقعية»، وتنبثق من «التوازن الخارجى»، بينما يسعى لسحب قوات الولايات المتحدة من المنطقة.
إن الانحراف الوحيد عن الواقعية الاعتيادية هو حساسية الرئيس لصور المعاناة، فيشبع عاطفيته العرضية بأن «يفعل شيئًا» عندما يواجه عشوائيًّا بفيديو لضحايا هجوم أسلحة كيماوية. وليس من الواضح على الفور لماذا يستحق هذا الشكل بعينه من المعاناة فعلًا من وجهة نظره، فى الوقت الذى يبدو فيه أن كل أشكال الوحشية الأخرى لا تحركه؟ ولكنه مستعد للتصرف بشكل تأديبى، وعلى نحو محدود لمعاقبة استخدام الأسلحة الكيماوية. وقد قام بهذا دون أن يُحدث ذلك انقلابًا فى استراتيجيته، فهو ليس التزامًا بتغيير النتيجة المروعة والمتوقعة للحرب الأهلية السورية، بل تقييد ضيق لتجنب تورط إيران وروسيا.
وقد أسفر ذلك عن العمل اقترانًا بالحلفاء -عسكريًّا وكذلك فى الأمم المتحدة- لفرض القاعدة الدولية بعدم استخدام الأسلحة الكيماوية. وكان هذا مجرد أمر تظاهرَ أوباما -المدافع عن القواعد والمؤسسات الدولية والمدافع الكبير عن حظر انتشار الأسلحة- بالقيام به.
وكانت الرسالة مربكة، إذ قال الرئيس إن العمليات العسكرية مستمرة، وقال وزير الدفاع إن ضربات الجمعة لن تتكرر، بينما قسم سفير الأمم المتحدة البلد إلى نصفين، قائلًا إن الولايات المتحدة معمرة أسلحتها وجاهزة لمعاودة العمليات إذا ما استُخدم الكيماوى مجددًا. وهذه مشكلة اعتيادية جدا عند الإشارة إلى نية محدودة، وفى الوقت نفسه السعى لزيادة قيمة الردع إلى أقصى حد ممكن.
كما أن ترامب مستعد لخوض مخاطرات ما كان ليقوم بها أوباما، فقد رفض الأخير مواجهة انتهاكات إيران لقيود الأمم المتحدة على برامجها الصاروخية، أو دعمها للإرهاب فى الشرق الأوسط وحتى داخل الولايات المتحدة، أو تهديدها لمرور النقل البحرى فى مضيق هرمز، أو محاولاتها زعزعة استقرار الحكومات الإقليمية، أو سلبها حقوق الإنسان. وظهر التخوف من مواجهة روسيا فى كل من خطيئة سَهوه فى سوريا، ورده على التدخل الروسى فى الانتخابات الأمريكية.
وقد كان الرئيس ترامب مستعدًّا مرتين لتنفيذ ضربات عسكرية فى سوريا حول القوات العسكرية الروسية، وقد سمح للقوات العسكرية الأمريكية بالهجوم مباشرةً على قوات المرتزقة الروس، ويبدو أن إدارته قد نبهت الروس إلى عمليات قادمة من أجل تقليص خطر التصعيد أو الحسابات الخاطئة. وقد قلصت تلك التنبيهات من فاعلية الهجمات، إذ يحرك الروس جيشهم بعيدًا عن متناول اليد، كما تعطى الحكومة السورية وقتًا لإعادة ضبط وضع جيشها.
وهذه المقاربة فى الواقع مختلفة عن مقاربة أوباما، فقد كان الأخير مرتدع الذات، بينما ترامب -أو على الأقل إدارته- يخوض مخاطرات محدودة. وقد ولَّد أوباما أملًا زائفًا بين المصلحين والضحايا، بينما لا يولّد ترامب أى أمل، ومع ذلك فإن لديه استراتيجية حقًّا تقيم وتدير المخاطر بدقة لتحقيق أهدافه.

 

-------

كورى شايك
نائب مدير عام المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية، ويدرس دراسات الحروب بالكلية الملكية فى لندن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات