.

لن تنتهى عقلية الإرهاب حتى ينتهى فرض الحجاب

Foto

كيف تحول الحجاب إلى مقياس لتدين المجتمع؟ هل الحجاب فعلًا حرية شخصية فى مجتمعنا؟ لماذا كل حرياتنا المزعومة فى اتجاه واحد؟


فى الأقصر تجد سيدة متنكرة فى زىّ الرجال منذ سنوات وتحلق شعرها تمامًا هروبًا من الإرهاب المجتمعى، وفى الفيوم تجد معلمًا يقص شعر فتاة لإجبارها على الحجاب فى واقعة تكررت كثيرًا ضمن ممارسات ذات الإرهاب.

هل سألت نفسك لماذا يبالغ الناس فى مصر فى العقود الأخيرة فى الاهتمام بارتداء  الحجاب فوق رؤوسهم؟


بالطبع هناك العديد من الإجابات التحليلية مثل انتشار ما يطلق عليه الصحوة الدينية، اتجاه الناس للدروشة بعد الهزيمة فى حرب1967، الاختلاط بمجتمعات شديدة الانغلاق كالمجتمع السعودى منذ عام 1974، إنه تم تشويه قيمة نقل الحضارة من الغرب منذ بداية الخمسينيات بحالة عداء للغرب تحت ستار معاداة الاستعمار والإمبريالية وأصدقائهم …إلخ، وأصبح هناك تصور أنه يمكن الانعزال عن الغرب وإنتاج قيم ذاتية فى مرحلة ما بعد الاستقلال، ثورة البترول وصعود مداخيل دول مثل السعودية وإيران، وتصاعد المد السلفى بعد الثورة الإيرانية لسببين الأول الإعجاب بها كنموذج والثانى التحرك السلفى لمواجهة المعسكر الذى تقوده طهران، وانكفاء النخب المصرية فى معارك تافهة مع السلطة بسبب انتماءات أيديولوجية تاركين معركة التنوير، وتحالف الدولة مع التيارات الإسلامية مطلع السبعينيات …إلخ.


لكن كل هذه هى أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية دفعت نحو تعميم النموذج الشكلى للتدين الذى هو فى الواقع نتيجة واضحة لسبب نفسى نتيجة ضغط اجتماعى أى نتيجة للقهر والإرهاب.


من أسخف ما تسمعه فى حياتك أن تجد «الإسلامجية» يقولون الحجاب حرية شخصية ليس لأنه حرية شخصية لمن ترتديه بالطبع، ولكن لأنك بإمكانك أن تعرف أن عملية ارتدائه وخلعه لا علاقة لها بالحرية على الإطلاق فى مجتمعنا وأن هؤلاء لا يؤمنون بالحرية الشخصية مطلقًا:
فأولاً: أن عددًا كبيرًا من البنات تحت سن الرشد وأحيانا كثيرة تحت سن البلوغ يجبرن على ارتدائه من قبل أسرهن دون أن يكون لهن أى خيار.


وثانيًا: أن هذا القهر يتم دفع رجال الأسرة لاتخاذه تجاه بناتهن بخطابات منبر مملوءة بجمل من عينة «ديوث، وكلكم راع، والقوامة» …إلخ.


وثالثًا: أنه بعد قهر المرأة المصرية وإجبارها على ارتدائه بالترغيب والترهيب من العقاب الدنيوى والأخروى يتم إعدادها لتفريغ شحنة القهر هذه فى بقية النساء غير المحجبات أولا، ثم التحول إلى حراب مسمومة ضد أى امرأة تعتنى بجمالها أو تحاول إظهار أى قدر من الاستقلالية، وأخيرا تنتقل لمرحلة تشويه أطفالها أيضا وهى نفس المراحل بالضبط التى تتم فى عملية الترويج لختان الإناث أو لجواز ضرب المرأة …إلخ.


ورابعًا: أن الحرية لا تكون فى اتجاه واحد، فعلى كل من يتشدق بكون الحجاب حرية فى مجتمعنا، أن يخبرنا عن قدرة أى فتاة على خلعه بعد ارتدائه، فهى متهمة قبل ارتدائها للحجاب، ومتهمة عشرة أضعاف إذا ما خلعته بعد ارتدائه، هل تكون هناك أصلاً حرية فى اتجاه واحد؟ ألا يذكرك هذا بمهزلة مشابهة يكررها لك البعض عن حريتك فى اختيار الدين الإسلامى أو رفضه التى يؤكد بعدها أنك لا تستطيع إذا اخترت الإسلام أن تغير قناعتك بعدها لكونك ستقتل باعتبارك مرتدًا؟ إنها نفس عقلية الإرهاب و«جر الرجل» لا أكثر التى تفترض أن المراقب غبى لا يفهم أن هذا يتعارض مع الحرية أصلاً.


وخامسًا: كم مرة سمعت عن قص شعر تلميذة لعدم ارتدائها الحجاب؟! كم مرة رأيت المعلمة تفعل ذلك فى مدرستك أو حتى المعلم آخرها قبل ساعات فى الفيوم؟! هل هناك ما هو أكثر من إرهاب الأطفال لإجبارهم بالقوة على ارتداء زىٍّ معين ثم نقول الحجاب حرية شخصية؟ أى حرية هذه؟ وفى كل مرة يبرر المجرم أو المجرمة فعلتها بأنه امتثال لأمر الله، بنفس طريقة الذبح والحرق والاختطاف والتعذيب والإرهاب التى يبررها دائما فاعلوها بنفس المبررات.


وسادسًا: تعالَ واجلس فى أى مكان فى الجامع، فى العمل، فى الشارع بل حتى فى النادى وقل إن «ابنتك - أختك- زوجتك - أمك» قررت خلع الحجاب واستمع للتعليقات فستجدها بين السخرية إلى تحذيرك من المصير الذى تنحدر إليه قريبتك لإرهابك نفسيا ودفعك بالتالى لإرهابها ووصولا إلى الدعوة للإرهاب الصريح «امنع عنها المصروف، اسحب منها الموبايل والكمبيوتر، امنعها تنزل الكلية أو الدراسة لغاية ماتتعدل، احلقلها شعرها بالعافية عشان تتربى وتلبس الإشارب بالعافية وماتكسرش كلمتك تانى، قاطعها وماتكلمهاش خالص، اضربها لأنك راع ومسؤول عن رعيتك» إلى آخر هذا الهراء المقرف. قد تتغير النسبة بالتأكيد بحسب الوسط لكن فى أفضل الأحوال لن تقل النسبة عن خمسين فى المئة فى أفضل وأرقى مكان.


وسابعًا: لاحظى وصلات الوعظ المثيرة للاشمئزاز التى سيصدرها ضدك الجميع بمجرد أن تخلعى هذه القماشة عن رأسك، هذه المواعظ فى الواقع ليست أكثر من مجموع كل المشاعر السلبية التى ممكن تخيلها بداية من الحقد إلى الغيرة إلى الخوف من المجهول إلى الرغبة فى الانتقام منك، قبل بضعة شهور قالت لى سيدة ستينية متدينة بحماس هائل: « يارب أى واحدة مش محجبة يغتصبوها فى الشارع عشان تبطل تفتن الشباب» أذهلنى منطق السيدة فأجبتها فورا يا مدام حضرتك كنتى شابة من سكان القاهرة من خمسين سنة كنتى بتلبسى ايه؟ فوقع عليها السؤال كالصاعقة المفاجئة وارتبكت فأدركت أنها تعرف ما أعنيه، فقلت لها كنتى ترتدين المينى الجيب فى الأغلب أو القاعدة القديمة القائلة «تحت الركبة بشبر» فعلى أى أساس تتمنين اغتصاب غير المحجبة؟


هذه القصة الحقيقية قد تبدو مثالاً متطرفا ولكنها فى الواقع تجسيد لكيف يتم تشويه الفطرة والسلوك الانسانى عبر سنوات من القهر والإرهاب لدرجة أن السيدة لم تعد تتذكر تجربتها هى الشخصية فى شبابها فما بالك بمن وُلد أصلا فى هذا المستنقع الفكرى وواجه الإرهاب منذ طفولته فليست له ذاكرة بتجارب مختلفة؟


هناك مشاكل عديدة للمرأة فى مجتمعنا، بالتأكيد من أهمها الختان، وعدم المساواة فى الإرث، ومشاكل الأحوال الشخصية، ولكنك لو أردت شكلاً واحدًا يختصر كل معاناة المرأة وخضوعها فهو ذلك الزىّ المعروف بالحجاب.


هذا النموذج لممارسات يقوم بها أفراد المجتمع مع ما يكررون بلسانهم كونه حرية شخصية يكشف درجة اقتناعهم الحقيقى بالحرية الشخصية. هل تابعت قصة السيدة «صيصة» المتنكرة فى زىّ رجل طوال أربعين عامًا من حياتها لتستطيع العمل والإنفاق على أولادها؟ لماذا تُضطر لعمل ذلك؟ لأن المجتمع قهرها لدرجة أنها أصبحت تهرب من ذاتها ومن كونها أنثى.


عزيزتى الأنثى المصرية، أنتِ أنثى مهما حاولوا قمعك وتكبيلك بكل أشكال القيود الفكرية والاجتماعية والشكلية، استمتعى بحياتك بالشكل الذى يروق لك، ارتدى ما تشائين وفكرى كما تشائين وقاومى إرهاب هؤلاء، فالخضوع لهم مرة يعنى الخضوع لهم على طول الخط.


الإخوان و«الإسلامجية» ابتكروا شعارات مقززة لتشويه العقول أهمها: «ألحجاب فريضة كالصلاة» و«أختاه حجابك عفافك» و«لن ينتهى الغلاء حتى تتحجب النساء».


ولهؤلاء نقول أختاه: الحجاب ليس فريضة كالصلاة، أختاه: حجابك عذابك، لن تنتهى عقلية الإرهاب حتى ينتهى فرض الحجاب.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات