لماذا ينتصر الغوغاء على العقلاء؟

Foto

لماذا لم ينقذ العلماء والفقهاء ابن جرير والنسائى من أيدى الغوغاء؟


فى التاريخ الإسلامى مشاهد كثيرة يتعجب منها القارئ فى عصرنا الحالى، فعلى الرغم من التيار الإسلامى رسخ فينا فكرة أن السلف الصالح كان ينعم بحياة إسلامية رغيدة، يرفرف فيها الحلم والتسامح والأخوة الإسلامية، فهذه العصور كانت تشهد الإسلام تطبيقا عمليا، حتى تظن أن المجتمعات كانت مجتمعات الملائكة، وحتى يتولد لدينا اغتراب حقيقى عن مجتمعنا الذى نعيش فيه، فالواقع كان مريرا سواء من الأنانية وحب الذات، وعدم الأمن وعدم الأمان، وهذا الواقع موجود فى كل الأزمان، لكنها الحياة المتخيلة التى يصنعها التيار الإسلامى، وكتابهم عن المجتمعات الإسلامية المثالية التى نتوق جميعا إلى العيش فيها، من هذا المنطلق بدأت أتابع الحياة الاجتماعية لهذه التجمعات، وهل بالفعل كانت حياتهم إسلامية كما حكاها لنا دهاقين التيار الإسلامى، أم كان بها أمور كالتى نعيشها الآن، وهل أزمتنا أننا لا نطبق الإسلام كما يفهم السادة الشيوخ والعلماء، ورموز السلفيين وباقى التيار الإسلامى، وهل كانت هناك فترة يتم التطبيق فيها بالصورة النموذجية المثالية التى يروجها السادة الأفاضل وعاظ التيارات السلفية والإخوانية والجهادية المسلحة، والكل يعلن لنا أننا لا نحيى حياة إسلامية صحية.


الغوغاء وعوام الشعب تحركهم العاطفة وحب الدين دون أن يدركوا مراميه الحقيقية، الغوغاء قطيع ينتمى إلى فكرة مبسطة عن الدين وسطحية جدا، يستفيد منهم زعماء يعلمون حقيقة الدين، ولكنهم ينافقونهم للوصول إلى غاية أخرى، قد تكون السلطة أو المال أو الشهرة أو يستخدمونهم فى نزاع بين العلماء بعضهم بعضًا حقدا وحسدا من هذا العالم أو ذاك.


يحرص أرباب السلطان على وجود الغوغاء كما يحرص على وجودهم علماء السلطتين، فهم أيديهم وأذرعهم وألسنتهم التى تفعل وتقول ما فى صدورهم ويخفونه عن الناس، ولا يجرؤون على قوله أو فعله وإلا ضاعت هيبتهم، إنهم يقومون بالأعمال القذرة نيابة عنهم، الغوغاء لا يعلمون أنهم يقومون بهذه الأعمال القذرة، بل أقنعهم العلماء والفقهاء والسلاطين: إنما هم مدافعون عن الحق والخير والجمال، وإنما يدافعون عن دين الله تبارك وتعالى، وإن الله عز وجل قد استعملهم فى هذا الأمر، لينظر ماذا هم فاعلون، فيفعلوا جرائمهم ويقتلوا ويحرقوا، ثم يتوضؤوا ويصلوا لله ركعتين شكر على توفيقهم فى حرق مخالفيهم، ويشحنهم الفقهاء ضد بعضهم بعضًا، ويغض الطرف عنهم ذوو السلطان.


ابحث فى تاريخ النسائى ذلك العالم العجيب، فقد روى الذهبى وابن خلكان والمقريزى وغيرهم، أن النسائى خرج من مصر إلى دمشق، فصنف كتاب تهذيب خصائص الإمام على رجاء أن يهديهم الله عز وجل، فسُئل عن فضائل معاوية فقال: أى شىء أخرّج؟! ما أعرف له من فضيلة إلاّ حديث: «اللهم لا تشبع بطنه»! فضربوه فى الجامع على خصيتيه وداسوه حتى أُخرج من الجامع، ثمّ حمل إلى الرملة فمات شهيدا، وفى رواية أخرى إلى مكة فمات فيها، والأرجح أنه مات بالرملة عام 915 ميلادية.


هذا هو النسائى الذى يقول فيه قاسم المطرز: هو إمام أو يستحق أن يكون إماما. وقال أبو على النيسابورى: النسائى إمام فى الحديث بلا مدافعة. وقال أبو الحسين بن المظفر: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون لأبى عبد الرحمن النسائى بالتقدم والإمامة ويصفون من اجتهاده فى العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد وإقامته السنن المأثورة واحترازه عن مجالس السلطان وأن ذلك لم يزل دأبه إلى أن استُشهد [تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى، ج1 / 26].


فماذا فعل الغوغاء؟ ضربوه فى الجامع! لم تمنعهم حرمة المسجد ولا علو قدر العالم الفقيه المحدث النسائى لماذا؟ لأنه قال رأيه، فلم يعجبهم فقتله الغوغاء والجهل، ولم ينتصر له من شهدوا له بالإمامة والفقه، لماذا؟ أمام ضغط الغوغاء يضعف العلماء ويخشون المواجهة، البقاء فى الصفوف الخلفية .


ولا تمضى سنوات قليلة إلا ويقوم أيضا الفقهاء بتحريك الغوغاء ضد عالم يشهد له الجميع حسن خلقه، وهو الطبرى.


يؤجج القادة الغوغاء الحملة المسعورة على العالم المستنير، العالم الذى قدم تصورا رائعا وفريدا، فى التفسير للقرآن الكريم وكذا فى كتابة التاريخ، كما كان له رأى، فخالفه كبير الحنابلة، والحنابلة مثل السلفيين فى العصر الحديث، تُوفى الطبرى وقت المغرب عشية يوم الأحد 26 من شهر شوال سنة 310هـ، الموافقة لسنة 923م كما نصّت المصادر التاريخيّة، قال ابن كثير: توفى الطبرى عن عمر ناهز الثمانين بخمس سنين، وفى شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن فى داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا دفنه نهارا ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله، بل كان أحد أئمة الإسلام علما وعملا بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما تقلدوا ذلك عن أبى بكر محمد بن داوود الظاهرى، حيث كان يتكلم فيه ويرميه بالعظائم وبالرفض، أى كان يحرض عليه.


ينتصر الغوغاء مجددا، يجتمعون على ابن جرير ويحاصرونه ويمنعون دفنه، ويقول بعض المصادر إنهم قذفوه بالمحابر، ورموا باب بيته بالحصى إلى أن اجتمعت تلال منه على بابه ولم ينقذه إلا رئيس الشرطة.
ولما مات اعتبرته الغوغاء وعوام الحنابلة «إما شيعى/ أو ملحد» لا يحق له الدفن، لكن لماذا لم ينقذ العلماء والفقهاء والخبراء والمحدثون ابن جرير والنسائى من أيديهم؟ لماذا وقفوا صامتين على هذه الجريمة؟!


إنه نفاق الغوغاء، فقد آثروا السلامة فى أنفسهم ولو على حساب الإسلام نفسه، فقد أهدرت حقوق يقيمها الإسلام للإنسان باسم الإسلام، وكم من الجرائم ترتكب باسم الإسلام! وكم من الغوغاء يحرضهم قادتهم باسم الإسلام، فيقتلوا ويحرقوا ويمثلوا بجثث قتلاهم، وهم يظنون أنهم يتقربون إلى الله!


لِمَ أقول ذلك؟ أقوله وقد رأيت بداية الشرر فى تحريض الغوغاء على جريدة المقال، دون تبين، مجرد سماع من شيوخ وزعماء السلفيين، وبعض المثقفين، قد أثارهم عنوان هنا أو هناك، أسمع همهمات التحريض، وأرى غوغاء جاهزة للانقضاض.


لن يسمحوا لأنفسهم بالنقاش والتدبر، وسيسكت المستنيرون، إيثارًا للسلامة، وتضيع فرصة للتبصر وتكوين الوعى، ولا حول ولا وقوة إلا بالله.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات