.

السقيفة تحكمنا

Foto

كيف يفتقد العالم العربى حتى اليوم عمل المؤرخ بالمعنى الحديث أو الحداثى؟ وكيف تظل المرجعية فى التاريخ العربى الإسلامى هى كتب الطبرى وابن كثير؟


ما زلنا نعيش فى لحظة «السقيفة»، نحن محكومون بوتيرة تاريخ عمره خمسة عشر قرنًا، ولا بديل عن إعادة قراءة للتاريخ وأيضا للهوية.

كيف يفتقد العالم العربى حتى اليوم عمل المؤرخ بالمعنى الحديث أو الحداثى؟ وكيف تظل المرجعية فى التاريخ العربى الإسلامى هى كتب الطبرى وابن كثير؟ مؤرخو القرون الهجرية الأولى خلطوا الأسطورة بالتاريخ، فلماذا لم نبدع قراءة حديثة لتاريخنا؟ سؤال المحاورة فجّر لدى أدونيس تجاربه الخاصة فى فرز التاريخ وإعادة قراءته وما لاقاه عمله الشهير «الثابت والمتحول» من محاكمات معلنة وغير معلنة، لكنه آثر أن يشير إلى «فقر» أو جدب حياة العرب المسلمين الذين بحد قوله، شعريًّا لم يقدموا أى كتاب فى جماليات لغتهم أو خصوصيتهم.. العرب يفتقدون روح السؤال، هم غير قادرين على التفكير بموضوعية.. أول دولة عربية إسلامية قامت على أساس «القبيلة»، التى تعنى غياب التعددية. قريش بعد وفاة النبى «ص» هى التى اختارت الخليفة، أسرة واحدة أسست دولة.


فى اجتماع «السقيفة» استُبعد حتى «الأنصار» الذين دافعوا عن النبى «ص» ضد أعداء له من قريش نفسها. الأنصار اقترحوا صيغة فيها تشارك فى السلطة، عبيدة الأنصارى سعى لصورة يمكن القول إنها ديمقراطية، لكن رُفضت الصيغة وتم طرده والأنصار، والسلطة أصبحت للقبيلة. لكن لماذا لم يحدث عمل كتابة التاريخ؟ ولماذا مع نهضة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم يستحدث دور جديد للمؤرخ؟


سؤال المحاوِرة حورية عبد الوهاب يؤجج جوارح أدونيس، فيحكى عما لاقاه عند صدور «الثابت والمتحول»: هاجمتنى الجامعات لأننى أعيد قراءة التاريخ بطريقة مختلفة، بخسوا بقيمة عملى الأرض، واتهمونى بأنى شيعى يلعب أو يغير فى التاريخ العربى. الثابت والمتحول كان ثمرة بحث شخصى، عن الدولة السنية، وعن ثورات، واكتفى الجامعيون بانتقادى بروح قبلية ولم أرَ دراسة واحدة يمكن النظر إليها، ولم أدافع وقتها.. مع الزمن تطورت نوعية قراءة الكتاب.. التفكير العربى، حتى الحداثى منه، دجماطيقى، حبيس الروح القبلية.


ثمة مقارنة تقفز إلى رأس المحاوِرة، بين ما جرى لطه حسين مع كتاب الشعر الجاهلى، وما جرى لأدونيس مع «الثابت والمتحول».. ثمة ما يخيف التابعين عند أى بوادر للروح النقدية. ويعلق أدونيس أن النظام السياسى الإسلامى ولد فى أحضان القبيلة التى لولاها ما ترسخ سياسيا ولا اقتصاديا، وأنه سرعان ما تحول إلى أداة للسلطة والغزو، وأنه مع وفاة النبى «ص» بدأت دراما السقيفة واستمرت فى اجتياح الفضاء العربى، وما زلنا نعيش زمن السقيفة منذ خمسة عشر قرنًا.. نحن نعيش حالة من الإعاقة، الإسلام يجب ما قبل وما بعد، وهذا ينطبق على الفلسفة والفن والفكر.. دراما السقيفة تتتابع حتى اليوم: لماذا تشن المملكة العربية السعودية حربا على اليمن؟ هذه حرب تلقى بجذورها فى تاريخنا، فى روحه القبلية.. لابد وأن تكون تابعًا لتنجو.. إياك وأى سؤال.. إذا كان كل شىء قد اكتمل، ففيمَ السؤال؟! الماضى أتى لك بالمكتمل المستمر وهو النموذج الوحيد الواجب اتباعه.. نحن مدعوون لرباط لا ينفصم والماضى وكذلك فى سؤال الهوية، إن أردت أن تكون عربيا أو مسلما عربيا فعليك تقليد الماضى.


تعلّق المحاوِرة أنه فى السياق العلمى التحليلى يطلقون على مثل هذه الحالة «زمن لا ينقضى».. داعش يكرر الجانب المظلم من تاريخنا.. لا يكرر الحسن بن الهيثم ولا شجاعة المعتزلة. ويأخذ أدونيس الخيط بأن داعش يكرر ما له علاقة بالسلطة وليس ما له علاقة بالفكر أو البحث، وهذا أدعى لنكرر أننا ما زلنا فى «السقيفة» وأن روح السقيفة تحكمنا وتقودنا فى اليومى، ووفقا لذلك تكون الهوية خاضعة للتقليد إرثا متوارثا وليس ثمرة اختيار.


يعرج أدونيس على بدايات تَكوُّن الثروة فى الدولة الإسلامية، وكيف تراكمت الثروة مع الوسائل عبر الغزو والغنائم من الحروب، وهنا يبلور أدونيس رابطا بين الإسلام والعنف، بعد سؤال أو رصد من المحاورة ذاتها حول فكرة ومفهوم الغنائم، ثم يعقد مقارنة بين غنائم داعش والمفهوم الذى يستولى به على ثروات البلاد «بترول وغاز وبنوك و…» الغزو تاريخيًّا. تعلق المحاورة أن داعش يعيد جانبا مظلما ولا يستحضر تراث المعتزلة مثلا، فيرد أدونيس أن المعتزلة ليسوا من صلب الجسد المؤسسى الإسلامى وكذلك الصوفية والفلاسفة والشعراء. تلتقط منه المحاورة وتذكره بقوله إن المثقف لم يكن أبدا معانا من المؤسسة السياسية، وتضرب مثلا بالثابت والمتحول، فيطرح هو السؤال: لماذا لا نجد شاعرا كبيرا يمكن وصفه بالإسلامى؟ لا ابن رشد ولا ابن سينا وباستثناء الغزالى الذى صار متصوفا. الفلاسفة، الشعراء، الصوفية العظام لم يكن يربطهم شىء بالفقه، فهم مسلمون بأى معنى؟


هذا سؤال أدونيس الذى يستمر إلى أن يجد فى التراثين المسيحى واليهودى أسماء لشعراء جمعوا ما بين عظمة الإبداع والارتباط بالدين، وهو ما ينفى وجوده عربيا وإسلاميا. يطرح أدونيس إشكالية قصور الثقافة العربية فى الإسهام العالمى كمحصلة إلى أن المسلم يرى العالم عبر رؤية إسلامية مغلقة وعتيقة وأن الإسلام لا يحتاج إلى شىء من العالم ولا من الآخر ولا من الثقافة؛ لأنه يملك ثقافة مطلقة، فأى جديد تحمله له أى ثقافة أخرى «التفكير» يعنى إعلان حرب على المجتمع.. هكذا يتم النظر إلى من يُضبط وهو يفكر!
وما زال أدونيس يفكر.. والأسبوع القادم نستكمل.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات