.

جلسة «اللوتس».. إشراق بتلقائية تفتُّح الزهرة!

Foto

«الزن» فى اليابانية يعنى التأمل، وقد «نوّرت» المترجمة دروبنا بحكم كونها شاعرة وباحثة فى التصوف الإسلامى، فالأستاذة ثريا إقبال، وهى دارسة للاقتصاد والحقوق ومترجمة


عذابات الروح لازمت الإنسان وسوف تلازمه، ومكابدة هذه العذابات تعددت أُطرها ودروبها، الصوفية والرهبنة وفلسفات الزن، و.. إلخ، المهم أن لا تنسد مسامك وتغرقك تفاصيل اليوم، فإذن أنت أسير للمتغير العابر، وقد ظننته المقيم الثابت.


«الزن» فى اليابانية يعنى التأمل، وقد «نوّرت» المترجمة دروبنا بحكم كونها شاعرة وباحثة فى التصوف الإسلامى، فالأستاذة ثريا إقبال، وهى دارسة للاقتصاد والحقوق ومترجمة، وظَّفت حزمة معارفها ليصل إلينا نص سهل ممتنع، يتضمن نصوص «الزن»، بعد أن فككت لنا تاريخه.

ورغم أن «الزن» ابن للخليج الآسيوى من كوريا للصين للتبت وفيتنام، فإن استقراره كان فى اليابان، أرضه المختارة، مع أن الأصل يعود إلى بوذا، لما أخذ زهرة فى أثناء إلقائه درسًا لتجمُّع من الرهبان والعلمانيين، وأظهرها بصمت للعيان قبل أن يقدها للسماء.

دُهش الحاضرون إلا واحد، فسّر رمزية المشهد الذى يختزل تعاليم أساسية لسباكيامونى، الذى تحقق بنفسه من حالة الصحوة خلال جلسة (تأمل) يطلق عليها (اللوتس).

هى حالة من الإشراق الكامل تحدث بنفس تلقائية تفتُّح الزهرة.


«الزن» كفلسفة، هو نتاج مسار طويل من الفكر البوذى نحو الشرق، واندمج مع الطقوس الأصلية فى كل أرض كان يرسو فوقها وإن لعبت البوذية دورًا أساسيًّا فى إنضاجه.

من الممتع فعلاً تتبع طريق «الزن» وكيف تم تلقيحه بأفكار الصين منذ أقدم أتباع «الصاحى»، وهذا معنى اسم بوذا كما قُلنا. وحتى سنوات ماو وكذلك رحلته الفيتنامية والكورية، حتى وصل إلى اليابان.

البوذية دخلت اليابان فى القرن السادس الميلادى، أما «الزن» فلم يترسّخ إلا فى أواخر القرن الثانى عشر، بتشجيع من حكومة كاموكار العسكرية، لتواجه به الفوضى والتناحر.


يتسم «الزن» بالبساطة والاعتدال، مما ساعد على انضمام عناصر ثقافية عديدة للوصول إلى الأوساط الأرستقراطية فى القرن الرابع عشر.


لـ«الزن» مدارس تتباين حسب المنهج، مدرسة «رنزاى» وتركز على أهمية عيش التجربة، يجبر كل شيخ مريده على الانفتاح على طبيعته العميقة، وعدم الرضوخ، عبر مجموعة من الألغاز تعمل على تسليط الضوء وتأمُّل الكلمات التى لا ينبغى معاضتها، وعلى سبيل المثال: ما الصوت الذى يحدثه التصفيق بيد واحدة؟ كل شىء يمكن اختزاله فى شىء واحد، إلى أى شىء يمكن اختزال هذا الأخير؟
لكن ما «الزن»؟


«الزن» هو أن ندرك أن الزن لا يدرك! يقولون المعنى بطرق شتى، منها «إن لم تمارس الزن، فإن الأنهار تكون أنهارًا والجبال جبالاً، وعندما تمارسه تكف الأنهار عن أن تكون أنهارًا والجبال عن أن تكون جبالاً، وعندما تحققه تعود الجبال جبالاً والأنهار أنهارًا»، كلٌّ عليه أن يكتشف «الزن» بنفسه عبر التجريب ومراقبة مشهد العالم بحكمة وحنو، يومًا بعد آخر يسهم التأمل فى تحقيق الصحوة. الزن منهج وممارسة حية وحدس وسلوك داخلى.


فى أثناء رحلة طويلة وقف راهبان أمام نهر لا يوجد عليه جسر، فقررا أن يعبراه مشيًا، عندما فوجئا بامرأة جذابة تطلب منهما المساعدة للوصول إلى الضفة الأخرى، اقترح عليها الأكبر سنًّا أن تجتاز النهر فوق ظهره، قبّت الجميلة وشمّرت ذيل ثوبها، وشكرتهما.

تابع الراهبان طريقهما بعد ساعات من المشى والثمت، لم يستطع الراهب الشاب أن يصبر فسأل العجوز: ما الذى جعلك تساعد الفتاة على عبور النهر مع أنك تعلم أنه لا يجوز لرجال الدين مثلنا أدنى اتصال بالنساء؟ فابتسم الراهب الشيخ وقال: يبدو أنك تعبت من حمل المرأة طويلاً فى نفسك، أما أنا فقد أنزلتها مجرد وصولنا. الحاجة الملحة للتخلُّص من الرغبات تخفف من وطأة الوجود.

الأفكار تضلل والمشاعر تعمى والاضطراب الذهنى مصدر للمعاناة، والغرق فى خضم الأطماع والأحقاد يمنع الرؤية لهذا ينبغى التوقف عن التمسك بالآراء.

«الزن» إنصات للوجود، والذات تمرين روحى على التحكم والتأمل معًا عبر حدس للخروج من أوهام تصورية. «الزن» يعلم الإنصات بعمق للصمت الداخلى بتنمية ضبط النفس والوعى بالقلب وعيًا صافيًا دون «أنا»، لأن «الأنا» وجود متقلب غير مستقل. الإنسان الذى يجعل من نفسه مركزًا للعام يستنفذ نفسه فى سباق لا طائل منه، فمركزية ذاته تفسده وتبعده عن الكون الذى هو جزء منه.


إقامة الصمت داخل النفس لا تعنى اعتزال العالم، بل العكس اعتناقه للشعور به وعيشه.

يقول المثل البوذى: «الذين يتكلمون لا يعرفون والذين لا يعرفون لا يتكلمون». شيوخ الزن ليسوا من أهل الكلام والإطناب، ويشككون فى قيمة اللغة ويعتبرون الكلام مبهمًا كما لا يعبؤون بالمثالية ولا اتباع المفاهيم النمطية.


يقول أحد شيوخ الزن «يمكننى أن أقودكم إلى المسقى.. لكن لا يمكن أن أشرب بدلاً منكم، على الظمآن أن يرتوى بنفسه ويعمل بتجرد ومثابرة وحرية حتى لو كان ذلك يؤدّى إلى نوع من الشك.

الزن يدرب المرء على التخلّى عن الذات بزرع الانسجام بين الروح والجسد.. هو نوع من الاشتغال على النفس أو (فن تأمُّل الباطن)».


«الزن» ضرورة  كى يرى القلب، يجب احتضان اللحظة الراهنة دون تجاهل الواقع، الربيع، الصيف، الخريف،  الشتاء، كلها مواسم طيبة، والحكمة فى عدم التوقف عند الماضى والارتماء نحو المستقبل.

الزن يثمن «الآن»! و«هنا».


العيش فى الحاضر هو الحفاظ على صفاء الفكر على شاكلة مرآة لا تعكرها آمال ولا مخاوف ولا توقعات ولا حسرات. ممارسة «الزن» لابد أن تدخل كل مجريات اليوم العادية. عندما أمشى.. أمشى عندما أنام.. أنام وأول المراحل عدم التعلق بشىء ثم التعلق بعدم التعلق. كل مَن يتحدث عن الزن خارجه، الطاوية والبوذية، كلها ثبت فى الزن، والذى يبدأ التأمل فيه بمقاطع من «سوترا اللوتس».

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات