.

مصانع إنتاج الإرهاب والتخلف العربى

Foto

هل الجماعات والتنظيمات الإرهابية فى العالم العربى صناعة غربية فعلاً؟ هل هناك أصول وقواعد دينية هى المسؤولة عن صناعة الإرهاب فى عقول المسلمين؟ ما تلك القواعد الدينية الإسلامية التى تستند إليها الحركات الإرهابية؟


ما زلت حتى الآن أتعجب من الذين لا يجدون مشكلة فى الفكر الدينى، رغم ما يجرى حولهم من جرائم تنتهك حقوق وحريات الإنسان باسم الإسلام؛ واستنادًا إلى أصوله وقواعده الفقهية والفكرية.


فالحقيقة أن الذين يقتلون ويذبحون الناس يلتزمون بقواعد وأصول فقهية، تقول كل المؤسسات الدينية الرسمية للإسلام فى العالم الإسلامى إنها قواعد وأصول الإسلام الصحيح، وهى تلك القواعد الممثلة فى: تفسير القرآن، وروايات الرواة، وإجماع السلف، وفقه الفقهاء، وهى القواعد والأصول الأربعة التى تحتاج إلى ثورة تنسفها نسفًا تامًّا ومطلقًا، فهى مصانع الإرهاب الحقيقية، وليست أمريكا أو تركيا أو إيران، ربما تكون تلك الدول عوامل مساعدة لاشتعال الإرهاب، لكن المادة الخام للإرهاب قائمة فى تلك الأصول الأربعة التى تقدم على أنها أصول الإسلام!


فمن خلال القواعد التى وضعها عامة مفسرى القرآن «للتفسير» تم الخروج بمبدأ وقيمة وفكرة وحكم يشرع قتل جميع الناس غير المسلمين بناءً على قاعدة فى التفسير تسمى «الناسخ والمنسوخ»، وهى قاعدة تزعم أن هناك آيات فى القرآن تلغى آيات أخرى مناقضة لها! فآية: «قاتلوا المشركين كافة» وعند كل المفسرين نزلت لتلغى كل آيات السماحة والموادعة التى تقول إن لكم دينكم ولى دين، ولا إكراه فى الدين، وأن تبروهم وتقسطوا إليهم!


كذلك من خلال «الأحاديث» والروايات المزعومة للنبى محمد نخرج بفكرة قتل الخارجين من الدين، وقتل المعارضين السياسيين، وقتل المخالفين فى العقيدة والمذهب، بناءً على حديث: «من بدل دينه فاقتلوه» وحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم»!


من خلال «إجماع» مسلمى القرون الأولى للإسلام على قتال المرتدين وذبح المخالفين وغزو بلاد غير المسلمين وسبى نسائهم واحتلال أوطانهم واستعباد أبنائهم بحجة نشر الإسلام، تم ترسيخ قاعدة فى عقول المسلمين وهى أن العالم يتكون من دار الإسلام ودار الحرب، وهو ما يترتب عليه إجبار غير المسلمين فى العالم على الإسلام أو قتالهم أو إرغامهم على دفع الجزية، تلك الجزية التى ليست مجرد مبلغ صغير من المال يؤخذ سنويًّا على شكل ضريبة كما يحاول أن يقدمها المتأخرون من الكتاب المسلمين، وإنما هى عند فحول العلماء الأوائل عبارة عن غرامة مالية تفرض على أهل الأديان الأخرى بغرض التضييق عليهم فى الكثير من أمور دينهم ودنياهم حتى يؤدى ذلك إلى دخولهم فى الإسلام فى النهاية، وفى ذلك نجد ابن حجر فى كتابه «فتح البارى فى شرح صحيح البخارى» يقول بكل وضوح: «الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام»!.

وهو المعنى الذى ذكره ابن كثير شخصيًّا قائلاً: «لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صَغَرة أشقياء»!
ومن خلال الفقه نجد مثلاً قاعدة فقهية تقول: إنه لا يقتل مسلم بكافر! ونجد قاعدة فقهية يعلنها الشيخ الشعراوى نفسه فى أحد لقاءاته التلفزيونية يقول فيها: إن تارك الصلاة -ولو كسلاً- يُستتاب ثلاثة أيام، وإلا يقتل! كذلك نجد الفقه يحرم أى نوع من أنواع الخروج على الحكومة والسلطة، حتى إن كان الخروج سلميًّا! ويرى الفقهاء قتل الخارجين على السلطة ولو كانت ظالمة مجرمة، فيقول المالكية: لا يعزل السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنما يجب وعظه، وتجد الحنابلة يقولون كما جاء فى كتاب «المُغنى» لابن قدامة: إنهم يُستتابون وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبى: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم»، وقوله عليه السلام: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»! فالحاكم والرئيس عند الفقهاء الأربعة لا يعزل أبدًا إلا بالموت، ولا توجد أى وسيلة سلمية لانتقال السلطة كالديمقراطية مثلاً، غير البيعة من أهل الحل والعقد، الذين لا نعرف لهم هيئة أو ملامح، وهى الوسيلة التى لم تطبق أبدًا على طول التاريخ وعرضه، ولم نرَ فى التاريخ سوى تطبيق للوسيلتين الثانية والثالثة لانتقال السلطة عند الفقهاء الأربعة ممثلة فى العهد والاستخلاف والتوريث، والحكم لمن غلب بالقوة والسيف! فنجد أحمد بن حنبل يقول كما نقل أبو يعلى فى كتاب «الأحكام السلطانية»: من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمى «أمير المؤمنين»، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه!، بارًّا كان أو فاجرًا فهو أمير المؤمنين!


والإمامة والحكم عند الفقهاء الأربعة وأهل الحديث واجبة ومفروضة من الله ورسول، وليست من الفروع كما يحاول أن يسوقها الكتاب المتأخرون، فالفقه يستند إلى حديث فى صحيح مسلم عن النبى محمد أنه قال: «من مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية»! وهو نفس نص وحروف الكلام الذى نقله البيهقى عن الإمام الشافعى فى «مناقب الشافعى» الجزء الأول صفحة رقم 448.


إذن فالتفسير، والأحاديث، والإجماع، والفقه، هى منابع ومصبات ومصانع الإرهاب والتخلف فى عقول المسلمين، تلك المنابع التى يقوم عليها تحريم سماع الموسيقى والسينما والرسم والنحت والفن والأدب والعلم والديمقراطية والعلمانية والرأسمالية والاشتراكية؛ واعتبار انتشار كل تلك الأمور فى حياتنا حربًا على الإسلام وعلى الله ورسوله، وهو ما يستوجب ردًّا قويًّا من حاملى تلك الأفكار على مجتمعاتهم إذا أتيحت لهم فرصة توفير القوة والسلاح والدعم المالى، وهو ما تقوم به أمريكا وتركيا وبعض دول الخليج الآن، لذلك نرى الإرهاب يرتع فى ربوع الوطن العربى، ولن ينتهىَ الإرهاب بالحرب المسلحة فقط، بل لا بد من حرب ضارية على منابعه ومصانعه الفكرية الأربعة التى سردناها آنفًا، وهو المقصود من مصطلح «الثورة الدينية» التى يا للآسف! لا تبدو لها ملامح إلى الآن.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات