.

فى حب محمد علِى

Foto

تتبع الأميرة «شيوه كار» محمد علِى منذ نشأته وحتى الرحيل، متوقفة عند كل معركة خاضها، بدءًا من مرافقته لجيوش الباب العالى التى أرسلها لدفع الفرنسيين عن مصر


العنوان الأول لكتاب الأميرة «شيوه كار» هو إحياء مصر -بلادى- محمد علِى باشا، يعنى المنظور الذى اختارت الولوج من خلاله، لبث حبها للبلاد -مصر- هو محمد علِى باعث النهضة، المنقذ لحضارة الأجداد أو كما عبرت فى ما يشبه المناجاة: «أى بلادى إن نهوضك للرقى والنشاط، يثير فى نفسى ذكريات الماضى البعيد.. كنت ذات سيادة واستقلال.. فتحت بلادا كثيرة قوية.. فأنتِ عائدة إلى ما كنتِه، هناك رجل بعث مصر الحديثة السيدة المستقلة بعد أحقاب من الظلمات والخضوع، وإن لم يستكمل بنفسه كل ما كان يرمى إليه ولكن للزمن عوامله، وأنتِ الآن مشرفة على النجاح، بل أنت اليوم متمتعة بحقوق الاستقلال».


من مجد الماضى تبدأ الأميرة فى رواية سيرة «وطنها» عبر ست وعشرين أسرة حكمت مصر الفرعونية القوية وذاق أبطالها مرارة النضال ضد أعداء من «الأجانب». المدهش أن الأميرة تكشف عن معرفة حقيقية بتاريخ مصر القديم قبل أن تتوقف عند ما تستهدفه وهو محمد علِى، وقراءتها للتاريخ وإن كانت مفصلة إلا أنها أيضا مضفرة بالعواطف الجياشة.


تتبع الأميرة «شيوه كار» محمد علِى منذ نشأته وحتى الرحيل، متوقفة عند كل معركة خاضها، بدءًا من مرافقته لجيوش الباب العالى التى أرسلها لدفع الفرنسيين عن مصر، والتى قدمت فيها مدينة «قولة» كتيبة من ثلاثمئة رجل، وسلم حاكم قولة «الشوربجى» قيادتها لابنه علِى أغا، ورافقه محمد علِى وكيلا له عليها. تقول الأميرة فى توثيقها إن محمد علِى طالما قال إن تلك السفرية لم تكن توافق رغبته، بل إنها كانت ضد رغبته، لكن حدث أن التقى محمد علِى بشيخ صديق له كان معروفا عنه قراءته للطالع، وما إن رأى الشيخ صديقه الضابط الشاب حزينا حتى سأله عن السبب.. أفصح محمد علِى عن تبرمه من فكرة إرساله لمصر لطول السفر، فقال له الشيخ «إنك على خطأ يا بنى.. الطريق طويل.. لكنه يقودك إلى العلا».

وفى اليوم التالى بدأ السفر إلى مصر ليصل والجنود إلى أبى قير لتبدأ رحلة صعود محمد علِى بعد عام من ١٨٠٠ إلى ١٨٠١ قفل خلالها نابليون عائدا إلى فرنسا تاركا حملته التى دخلت معركة شرسة مع جيش الأتراك وقوامه أكثر من ٨٠ ألفًا (معركة عين شمس).


الأميرة «شيوه كار» تمعن فى إبراز تفاصيل بشكل عام تنم عن قراءة حقيقية ومجهدة للتاريخ كما لو كانت متخصصة، وبالذات وهى تمهد بتساؤلاتها حول محمد علِى وهل كان يستشعر ما ينتظره من صعود وما ينتظر مصر على يديه من نهضة؟ تقول إنه من الوارد أن محمد علِى كان يدرك أن سعيه الأساسى سوف يكون استقلال مصر وتحقيق عظمتها.


قراءة راسية مفصلة لكل معارك محمد علِى، بل وفهرسة هذه المعارك، من المعركة التى تخلص فيها من المماليك حتى وفاته، مرورا بكل ما خاضه محمد علِى، حتى يخيل لمن يقرأ أن الأميرة قد وهبت مجمل ما تملك من وعى وطاقة لتتبع الخطى وراء محمد علِى، الذى تطلق عليه «والى مصر السعيد» الذى يملك البصيره والقوة، المناضل المستمر بحسب تعبيرها، والذى حمل على أكتافه رسالة «استعادة مصر حضارتها» فى أوقات توحّد محمد علِى بمصر.


وتجيش الأميرة فى رواياتها التاريخية مازجة بين حبين أثيرين: مصر ومحمد علِى. فى ما يشبه الإجمال، أرادت الأميرة أن تبلور ما تراه من تاريخ للوطن صنعه محمد علِى فى كل المجالات، فأمسكت بكل قطاع، كيف كان، ثم إلى أين صار بفضل محمد علِى؟ وعنونت ذلك بـ«الحضارة المصرية» فى إشارة غير ملتبسة لإنجاز محمد علِى الذى لم ترَ فيه أى نقيصة حتى لو أقام نظاما اقتصاديا عموده الأساسى هو الاحتكار لكل أفرع الاقتصاد من الزراعة إلى الصناعة والتجارة، وحتى لو أدى هذا النظام إلى دولة صحيح أنها غنية لكن شعبها فقير.


فى رأيها أنه جابه كل العقبات وأوجد لها حلولا وأنه لم يكن بوسعه أن يعتمد على شعبه الذى لم يكن على درجة من التعليم وبالتالى احتكر الزراعة والصناعة والتجارة، وعلى سبيل المثال فإنه فى سنة 1814 استحوذ على كل مستندات الملكية الزراعية، وكان كل سنة يعين نوع الزراعة التى يجب أن تُزرع فى كل بقعة إما قطنا أو تيلا أو أرزا، وكانت المحاصيل تُجمع وتُقدر أثمانها وتباع للحكومة بعد أن تُخصم منها الضرائب المستحقة.


تستشهد الأميرة بما كتبه كلوت بك عن سير الزراعة: «تدفع أجور الفلاحين يوميا وهذه الأجور تقدر بواقع قرش واحد يوميا، يتقاضونه إما نقدا أو عينا، وتخصص لهم أرض بعينها إلا إذا عجزوا عن دفع الضرائب فيستبدلون بغيرهم».

تقول الأميرة «شيوه كار» أسس هذا المحسن العظيم فى مصر عدة أنواع من المعامل واستمد إنشاء هذه المعامل من وحى بُعد نظره السياسى، فكان يرمى إلى أن يوفر لمصر كل أسباب الاستقلال، وللوصول إلى ذلك يجب الاعتراف بوجوب كفالة الوسائل التى تنفض بها مصر عن نفسها نير التحكم الأجنبى.. كانت الحكومة تشترى كل إنتاج التربة المصرية وتقوم بتصنيع كل المنتجات وكان محمد علِى يحتكر التجارة بأنواعها ويجنى من ورائها أرباحا طائلة ويخفض سعر السلع فى الدول الأوروبية. ولما عقدت الدول الأوروبية والإمبراطورية العثمانية معاهدة حرية التجارة مقابل رسم تصدير عشرة فى المئة راح محمد علِى يبيع بالمزاد ليتغلب عليهم.


الخلاصة، وبعد نوع من المسح التاريخى الموثق، فإنه باعث مصر الذى وإن كان قد أخطأ أحيانا كما تقول الأميرة فهو المنقذ صاحب الطبع سريع التأثر، الصريح، الصادق الذى تشق عليه المداهنة، والمتمسك بكل ما يصون الشرف، الوفى بالوعد، الذى لا يخون ولا يغدر ويندر أن يكون لكرمه مثيل، المفتون بالمجد، خير مثل لرب الأسرة الذى يحيا فى بيته «حياة ساذجة» أشبه بحياة رجل متوسط الحال، المرهف الحس، لطالما ألفيناه يذرف الدمع لمصرع زملائه فى السلاح ويتعزى عن وفاة أولاده والذى يصل به العطف على موظفيه إلى حد المحبة والحنان، وكثيرا ما كان يعز عليه العقاب، فيصفح وينسى الإساءات حتى الفاحش منها.


محمد علِى لم يكن مهتما، كما ترى الأميرة، بأمر الدنيا إلا بالسمعة الحسنة وبالذكرى التى يخلفها، وهو الذى يطلب ترجمة كل ما يُنشر فى كل الجرائد، ولا ينام إلا بضع ساعات، ويستيقظ فى الرابعة صباحا ليتسلم تقارير الوزراء اليومية.

هو البارع فى الحساب مع أنه لم يدرس الرياضيات. دارس التاريخ، وحاضر البهية، الذى يمر يوميا على الإنشاءات و.. و.. إنه من سائر الوجود من أبرز من أنجبهم الشرق وأكثرهم عبقرية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات