.

هل بلغ التصعيد بين مصر والسودان مرحلة اللا عودة؟

Foto

لماذا استدعى السودان سفيره من مصر للتشاور؟


عادةً ما قد يأخذ الإعلان الرسمى الدبلوماسى عن توتر العلاقات وتصاعد مستوى العداء ما بين الدول عدة مسارات وإجراءات متدرجة. وهنا فالحد الأدنى هو أن تطلب إحدى الدول من الدولة الأخرى إيضاحات حول أمر أو قضية بعينها، والحد الأقصى منها هو الإعلان الرسمى عن قطع العلاقات ما بين البلدين المتنازعين.

لكن فى مساحة ما بين هذا وذاك، وأخذًا فى الاعتبار ما يعبّر عنه وجود السفراء المتبادلين فى الدول من طبيعة العلاقات ما بين دولتين، فقد نجد فى المقابل إجراء «استدعاء السفير للتشاور». وهو إجراء معناه -ببساطة- أن تقوم إحدى الدول باستدعاء سفيرها من الدولة الأخرى للتشاور حول قضية أو مجموعة من القضايا محل الخلاف، وهو ما يعنى ضمنيًّا خفضًا للتمثيل الدبلوماسى فى الدولة التى جرى استدعاء السفير منها، حيث يتولى القيام بأعمال السفير المستدعى «القائم بالأعمال بالإنابة»، وهو إجراء قد تقصر مدته أو تطول حال جرى احتواء الخلاف أو بقى. وقد تماطل الدولة التى قامت بسحب سفيرها فى إعادته، وهنا فالسبب -بالطبع- يكون استمرار أسباب الخلاف، أو قد يكون خطوة نحو مزيد من الإجراءات التصعيدية التى قد تبلغ مستوى قطع العلاقات، مثلما أشرنا باكرًا.


هذه المقدمة قد تبدو طويلة قليلاً، لكنها تعد على درجة من الأهمية فى محاولة لجعلك، عزيزى القارئ، تدرك ما الذى يعنيه دبلوماسيًّا قيام دولة السودان باستدعاء سفيرها من مصر للتشاور. هذا الإجراء الذى قرره السودان يوم الخميس الماضى، ما يعنى بلوغ التوتر فى العلاقات ما بين مصر والسودان مستوًى تصعيديًّا رسميًّا. وهو الإجراء الذى أفاد أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية، أن مصر تدرسه جيدًا وتقوم بعملية تقييم شاملة لمعرفة الهدف منه، ومراجعة الموقف، وبعد ذلك سيتم اتخاذ الإجراء اللازم.


وهنا قد يكون الكثير منا أمام سؤال رئيسى متعلق بطبيعة ما جرى بين مصر والسودان خلال شهر ديسمبر، ووصل بالخلاف إلى تلك المرحلة التصعيدية الجديدة؟ وأخذًا فى الاعتبار -بالطبع- وجود قضايا خلافية سابقة. يظل السؤال هل هناك دلالة لاتخاذ الإجراء من قبَل السودان فى هذا الوقت تحديدًا؟ ولماذا لم يتخذ السودان هذا الإجراء من قبل؟
إذا افترضنا منطقًا مباشرًا ذا دلالة للتوقيت، فبالطبع سوف نكون أمام أمرين يحملان احتمالية ارتباط مباشر باتخاذ القرار الآن، بالإضافة إلى تراكمات سابقة؛ الأمر الأول هو حالة التراشق الإعلامى ما بين الطرفين «المصرى والسودانى»، والهجوم الحاد الذى شنّته وسائل الإعلام المصرية على حكومة السودان فى أعقاب الزيارة التى قام بها الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى السودان فى شهر ديسمبر الماضى، وهى الزيارة التى كان أبرز نتائجها توقيع اتفاقيات للتعاون الأمنى والعسكرى ما بين الطرفين فى مجالات عدة، وأخرى للتصنيع الدفاعى لم يُعلن عن تفاصيلها.


غير أن أهم نتائج تلك الزيارة هى الاتفاق ما بين البشير وأردوغان على تسليم السودان جزيرة سواكن المطلة على البحر الأحمر لتركيا، كى تقوم بإدارتها وتطويرها لمدة غير محددة. وهو اتفاق -فى ما يبدو- يحمل ملحقًا سريًّا خاصًّا به، وفقًا لما صرح به أردوغان خلال الزيارة، بقوله «إن هناك ملحقًا لن أتحدث عنه الآن»، أخذًا فى الاعتبار حقيقة الموقع الاستراتيجى الذى تحتله الجزيرة على البحر الأحمر، وما قد تمثله الاتفاقية من تهديد للمصالح الاستراتيجية المصرية، فى ضوء حقيقة تصاعد حالة العداء الشديد ما بين مصر وتركيا فى أعقاب الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين، التى كانت تحظى بدعم تركيا وتقارب فكرى مع نظامها. وهنا يظل من غير المعلوم حتى الآن هل كان لمصر رد فعل على هذا الاتفاق السودانى التركى الأخير، أو حتى تلويح برد فعل فى الغرف المغلقة؟


غير أن حالة التوتر التى شهدها الأسبوع الأخير من ديسمبر لم تكن مقصورة على زيارة أردوغان إلى السودان، فهناك ما أشارت إليه وسائل إعلام سودانية وإثيوبية مؤخرًا من تسريبات حول تقدم مصر بمقترح لإثيوبيا لاستبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة. وهو الأمر الذى نفته مصر، وإن كانت حقيقة النفى المصرى لا تنفى حقيقة أخرى، هى أن مصر تنظر بعين الريبة إلى الموقف السودانى من قضية السد، وما قد يبدو انحيازًا سودانيًّا واضحًا لصالح الموقف الإثيوبى، أخذًا فى الاعتبار كذلك التطور فى العلاقات ما بين البلدين، والمشاريع المشتركة بينهما، ما يشير إلى توافق ما بينهما، قد يكون على حساب الجانب المصرى فى النهاية. وهنا فنحن لَربما بحاجة إلى التذكرة بوضوح الانحياز فى خطاب وزير الخارجية السودانى إبراهيم غندور، فى شهر نوفمبر الماضى، فى أثناء حوار له مع قناة «روسيا اليوم»، والذى كشف فيه عن أن دعم السودان لمشروع سد النهضة هو حفظ لحصة السودان من المياه التى كانت مصر تستخدم منها خلال العقود الماضية.
غير أن حالة الخلاف التى تبدو مزدهرة ما بين الجانبين لا تعد جديدة، وإن كانت قد بلغت الذروة اليوم، فهناك بالطبع الخلاف التاريخى ما بين مصر والسودان حول منطقة حلايب وشلاتين، التى نقلت منها مصر -فى رسالة واضحة- شعائر صلاة الجمعة يوم 29 ديسمبر الماضى، أى فى أعقاب زيارة أردوغان إلى السودان، وتصريحات جديدة لوزير الخارجية السودانى حول أحقية السودان فى تلك المنطقة، وهى المنطقة التى لطالما يزعم السودان أحقيته التاريخية فيها، ولم يتوقف ما بين الحين والآخر عن المطالبة بها، وكان قد عاد ليجدد مطالبته تلك فى أعقاب توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ما بين مصر والمملكة العربية السعودية، مطالبًا بتسوية هذا الملف، إما عبر مفاوضة مباشرة مع مصر على غرار الاتفاق مع السعودية، الذى سلمت مصر بموجبه جزيرتى تيران وصنافير، وإما عبر تحكيم دولى، مثلما استعادت مصر طابا من إسرائيل عبر الآلية نفسها. وهنا تجب الإشارة إلى ما ذكره موقع «سودان تربيون»، الذى كان قد أكد فى الأسبوع الأول من ديسمبر أن الحكومة السودانية أخطرت الأمم المتحدة فى خطاب رسمى عبر خارجيتها برفضها اتفاقية ترسيم الحدود ما بين مصر والسعودية، وأنها تحتفظ بحقها فى السيادة على مثلث حلايب.
ثم بالتوازى مع كل هذا، ما زالت بالتأكيد الاتهامات المتبادلة والشكوك السياسية ما بين الطرفين حاضرة بقوة، حيث المزاعم السودانية التى أثيرت فى أبريل الماضى بأن مصر دعمت استمرار العقوبات الدولية على السودان فى مجلس الأمن، وهى المزاعم التى نفتها مصر، ولم يمر عليها سوى شهر وكان السودان قد فرض حظرًا على استيراد المنتجات الزراعية المصرية. ثم كانت هناك مزاعم أخرى فى الفترة نفسها حول أن مصر تدعم فصائل معارضة فى دارفور، وهو ما فسر معه البعض تصريحات الرئيس السيسى فى مايو الماضى عن أن مصر لا تتدخل فى شؤون الدول الأخرى، كرد فعل على اتهامات من الرئيس السودانى لمصر فى السابق بأنها تقوم بدعم الحركات المتمردة فى السودان، زاعمًا أن حكومة بلاده قد صادرت مدرعات ومركبات مصرية من متمردين سودانيين.
فى النهاية، وعلى الرغم من وجود نقاط خلافية واضحة ما بين مصر والسودان خلال السنوات الماضية، لَطالما ألقت بظلالها على العلاقات ما بين البلدين، يبدو أن مساعى تركيا لتقوية علاقتها بالسودان عبر تقديم حوافز استثمارية واتفاقيات تعاون دفاعى وأمنى مشترك، والحصول فى المقابل على موطئ قدم فى البحر الأحمر، ذى الأهمية الاستراتيجية لمصر، بالإضافة إلى استمرار حالة التوتر المصرى السودانى حول قضية سد النهضة.. قد تدفع العلاقات ما بين مصر والسودان إلى مزيد من التعقيد فى الفترة المقبلة، بما قد يفرض تهديدًا للمصالح الاستراتيجية المصرية الحيوية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات