.

شىء خطير سيحدث

Foto



قصة قصيرة محكية لـ.. جابرييل جارسيا ماركيز

6 مارس 1927- 17 أبريل 2014

ترجمة: صالح علمانى

 

تخيّلوا قرية صغيرة جدا، تعيش فيها سيدة مُسنة مع ابنين اثنين، ابن فى السابعة عشرة، وابنة أصغر منه فى الرابعة عشرة. إنها تقدم وجبة الفطور لابنَيها، ويلاحظان فى وجهها ملامح قلق شديد. يسألها الابنان عمّا أصابها، فتجيبهما: لا أدرى، لكننى استيقظت بإحساس أن شيئًا خطيرًا جدا سيحدث فى هذه القرية.

يضحك الابنان منها ويقولان إنها هواجس عجوز. يذهب الابن ليلعب البلياردو، وفى اللحظة التى يوشك فيها على توجيه ضربة كارامبولا شديدة البساطة، يقول له الخصم: أراهنك ببيزو أنك لن تفلح. يضحك الجميع. ويضحك هو أيضًا. ويوجه ضربة الكارامبولا ولا يفلح فيها. يدفع البيزو، ويسأله الحاضرون: ما الذى حدث، لقد كانت كارامبولا سهلة جدا؟ فيجيب: صحيح، لكننى ما زلت قلقًا من شىء قالته أمى هذا الصباح عن أمر خطير سيحدث فى هذه القرية. يضحك الجميع منه، ويعود الذى كسب البيزو إلى بيته، ويجد أمه ومعها ابنة عم أو حفيدة أو أى قريبة أخرى. فيقول سعيدًا بالبيزو: كسبت هذا البيزو من داماسو بأسهل طريقة، لأنه أبله.
ــ ولماذا هو أبله؟
ــ لم يستطع تحقيق ضربة كارامبولا سهلة جدا لأنه مضطرب بسبب قلق استيقظت به أُمه اليوم، وإحساسها بأن شيئًا خطيرًا جدا سيحدث فى هذه القرية.
عندئذ تقول له أمه: لا تسخر من هواجس المسنين، لأنها تتحقق أحيانًا.
تسمع القريبة الحاضرة ما قاله، وتذهب لشراء لحم. تقول للجزار: أعطنى رطل لحم. وبينما هو يقطع اللحم، تضيف قائلة: من الأفضل أن تعطينى رطلين، لأنهم يقولون إن شيئًا خطيرًا سيحدث، ومن الخير أن نكون مستعدين.
يبيعها الجزار اللحم، وعندما تأتى سيدة أخرى لتشترى رطل لحم، يقول لها: خذى رطلين لأن الناس يأتون إلى هنا قائلين إن شيئًا خطيرًا سيحدث، وهم يستعدون ويشترون مؤنًا.
فتجيبه السيدة عندئذ: لدىَّ أبناء كثيرون، من الأفضل أن تعطينى أربعة أرطال..
تأخذ أربعة أرطال. وهكذا يبيع الجزار اللحم كله خلال نصف ساعة، ثم يذبح بقرة أخرى ويبيعها كلها، وتأخذ الشائعة فى الانتشار. وتأتى لحظة يكون جميع مَن فى القرية بانتظار حدوث شىء. تُشلّ النشاطات كلها. وفجأة، فى الساعة الثانية بعد الظهر، يشتد الحر كالعادة. فيقول أحدهم: هل لاحظت شدة هذا الحر؟
ــ أجل، ولكن الحر شديد على الدوام فى هذه القرية.
إنها قرية شديدة الحر، حتى إن الموسيقيين فيها يثبتون أجزاء آلاتهم الموسيقية بالقطران ولا يعزفون إلا فى الظل، لأنهم إذا عزفوا عليها تحت الشمس تسقط مفككة.
ــ ومع ذلك يقول أحدهم لم يحدث قطّ أن كان الحر بهذه الشدة فى مثل هذا الوقت.
ــ بلى، ولكن ليس بهذه الشدة التى هو عليها الآن.
وفى القرية المقفرة، فى الساحة المقفرة، يحطّ فجأة عصفور، وينتشر الخبر: «يوجد عصفور فى الساحة». ويأتى الجميع مذعورين لرؤية العصفور.
ــ لكن العصافير تحطّ دومًا هنا أيها السادة.
ــ أجل، ولكن ليس فى مثل هذه الساعة.
وتأتى لحظة من التوتر الشديد يكون معها جميع أهالى القرية متلهفين بقنوط للمغادرة دون أن يجدوا الشجاعة لفعل ذلك. فيصرخ أحدهم: أنا رجل وافر الرجولة، وسوف أرحل.
يوضّب أثاثه، وأبناءه، وبهائمه، ويحشر كل ما لديه فى عربة ويجتاز بها الشارع المركزى حيث تراه القرية البائسة كلها. وتأتى لحظة يقولون فيها: «إذا كان هذا قد تجرّأ على الذهاب، فسوف نذهب نحن أيضًا». ويبدأ هجر القرية بكل معنى الكلمة. تُحمَل الأمتعة، والبهائم، وكل شىء. ويقول شخص آخر ممن يغادرون القرية: «عسى ألّا تقع المصيبة على كل ما بقى من بيتنا»، وعندئذ يحرق بيته، ويحرق آخرون بيوتًا أخرى. يهربون بذعر رهيب وحقيقى، كما لو أنه هروب من حرب، وبينهم تمضى السيدة صاحبة النبوءة وهى تقول:
ــ لقد قلتُ لهم إن شيئًا خطيرًا سوف يحدث، فقالوا إننى مجنونة.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات