.

طلة موسمية الذكرى!

Foto

كيف حولنا أعظم انتصاراتنا الوطنية إلى هذا المستوى الفج، وكيف سكتنا لأربعة عقود عن سرقة المعنى الحى الوحيد الذى عشناه ورأيناه متحققا شاهدا للقدرة؟


كل مرة تهب فيها ذكرى أكتوبر، بالنهج الذى ألفناه منذ اثنين وأربعين عاما، يغمرنى وجع حقيقى، أحس أنها أشبه بإحياء موسمى يرسخ أننا منفصلون عما جرى فى السادس من أكتوبر ٧٣ وأن المحصلة التى أراها قاتلة، تعكس الفشل الذريع، فى تلك الإجابة التى جاءت من طالبة فى محافظة السويس سألها المحافظ عن معنى تاريخ ٢٤ أكتوبر، وردت: عيد تحرير إسرائيل! منتهى الهزيمة لنا، مجتمعا ودولة، وتلخيص لزيف السياسات عبر العقود الأربعة، وشهادة موثقة بالختم لأفشل تعليم وأكثر أنواع الإعلام زيفا وبهتانا.

الإحياء السنوى لموسمية أكتوبر بالطريقة الفجة الغبية، بالأوبريتات الخالية من كل شىء باختصار أشبه بإحياء ذكرى سنوية ولا أريد استكمال الجمع.

كيف حولنا أعظم انتصاراتنا الوطنية إلى هذا المستوى الفج، وكيف سكتنا لأربعة عقود عن سرقة المعنى الحى الوحيد الذى عشناه ورأيناه متحققا شاهدا للقدرة؟ لدينا مشكلة حقيقية فى الوعى بقيمة ودلالة الذاكرة، هناك أمم، مجتمعات، قامت وبنيت وتسود الآن، ببعث شذرات من ذاكرتها وإمامتهم، ولو بأسلوب القص واللزق، بينما نحن أنجح من يهدر ذاكرته الوطنية والثقافية، نحن المتغنين ليل نهار بقدم تاريخ لا فضل لنا فيه على طريقة «القرعة تتباهى بشعر بنت أختها» لا نمارس إلا كل ما يمسح هذا التاريخ ويفرغه من معناه.

كيف تمكنا من اختزال الانتصار الحقيقى الذى دفعناه بالدم فى مجموعة سمجة من الأفلام؟ أتصور أننا لو دفعنا إلى أعدى أعدائنا لإفشالنا وسرقة تاريخنا ما فعلوا ما فعلنا.

ذاكرتنا المثقوبة، موضوع ذروته فى العلاقة بالذاكرة الوطنية، لكنه يمكن تعميمه على كل المجالات، أنت لا ترى لك عمقا ومشوارا راسيا فى أى مجال.

إحنا بتوع اللحظة، ابحث عن كتاب لأكبر كتابك، ليوسف إدريس، محفوظ، يحيى حقى، وهم الأشهر، لن تجد لأحدهم عنوانا على رف بارز فى أى مكتبة.. فى الموسيقى.. فى السينما.. فى السياسة، وكأننا نسير على التاريخ والتراث «بأستيكة»! ما عندناش «عزيز»، بقدر ما «نعوى» هذه الأيام، بقدر ما نفضح موقفنا المزيف من «الحقيقى» و«الأصيل». موسمية ظهور أبطال أكتوبر على الشاشات وأداء الإعلاميين يوجعنى بقسوة، ما كان ينبغى أن تتمثله الأجيال ويشد عضدها ويأخذها للمعنى صار أقرب لإحياءات ما راح، ما كان ينبغى أن يتغلغل فى المسام ويتحول إلى دليل، أصبح أقرب إلى «مقام» مروره مرة فى السنة مدعين استلهامنا منه معنى ونحن كاذبون. فى أكتوبر كدّ ودم وأرواح كانت قربانا لوطن لما عاد انقضت عليه صقور الداخل التى لم تدفع لا كتير ولا قليل.

حدث ذلك منذ انفتاح السادات واستمر.

لم يحصد ثمرة دماء أكتوبر من يستحقونها؛ «اتخطفت».


ما نراه كل عام وعبر أكثر من أربعين عاما، من هوان لأعظم أيامنا الوطنية، أمر تتجاوز دلالته مجرد نوعية احتفال، ما يشير إليه باتساع ما نعيشه وما يحكمنا من معايير لا وما يستهدفه المجتمع البائس الغلبان وإعلامه الأكثر غلبا!

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات