.

سياسة ترامب فى سوريا ليست تخفيضًا للنفقات بل قوادة

Foto

هل استراتيجية ترامب فى الشرق الأوسط تمثل استمرارًا لاستراتيجية أوباما؟


ترجمة: أميرة جبر عن «فورين بوليسى»

 

 

أذهل إعلان الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستخرج «قريبًا جدًّا» من سوريا، مجتمع السياسات. وعلى الفور تقريبًا صاح المذيعون وصفحات الرأى و«تويتر» بأن إدارة ترامب «ليس لديها استراتيجية للشرق الأوسط». ولكن هذا لم يكن دقيقًا تمامًا، فإعلان ترامب عن الانسحاب من سوريا كان تحولًا سياسيًّا مفاجئًا، كما أنه متسق تمامًا مع استراتيجية الشرق الأوسط التى وضعها فى حملته الرئاسية.
ولكن دائمًا يهاجم نقاد ترامب الأذكى بأن استراتيجيته ليست «غير موجودة» بل فى أساسها غير متماسكة. والآن يثبت أنهم على حق، فخلال الحملة لم يزعم ترامب فقط أنه سينسحب من الشرق الأوسط، بل وعد بأن المصداقية الأمريكية فى الخارج لن تهتز أبدًا. وفى ظل الهجوم الكيماوى فى سوريا فى أثناء عطلة نهاية الأسبوع السابقة، تبين أن وعود ترامب متناقضة.
وهنا تكمن مشكلة صياغة السياسات بناءً على السياسة. تتنازل سياسة ترامب الجديدة بالانسحاب فى جوهرها عن أرض لقوى أجنبية تريد تغيير النظام السياسى الإقليمى فى غير صالح الولايات المتحدة. وهذه الدول تشمل إيران وروسيا وتركيا، والتى يبدو أن استراتيجية ترامب العامة منقولة عنها، حتى إن مقاربة ترامب للمنطقة تدور حول سياسته الداخلية، وليست استراتيجية لتأمين مصالح بلاده، فهو يسير فى رداء الرئيس التركى رجب طيب أردوغان.
وربما ينجذب المرء إلى الاعتقاد بأن استراتيجية ترامب تمثل استمرارًا لاستراتيجية الرئيس السابق أوباما. وهذا صحيح لدرجة ما. وعلى الرغم من الاختلافات بينهما فى الفكر والسلوك واللياقة فمن الواضح أنهما يتشاركان فى رؤيات متشابهة حول سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط على مدار العقدين السابقين. وقد بنى ترشح أوباما للمنصب أول مرة جزئيًّا على انتقاد لاذع للغزو الأمريكى للعراق، الذى اعتبره -عن حق- حماقة استراتيجية، لأنه استهلك كميات كبيرة من الموارد دون داعٍ، وزعزع استقرار المنطقة وعرّض المصالح الأمريكية للخطر، وبشكل عام استنزف قوة الولايات المتحدة. وكانت المغامرة الفاشلة فى العراق هى التى أقنعت أوباما بأن التدخل المباشر فى سوريا يساوى «الهراء الأحمق» الذى تعهد بأن يتجنبه عندما أقسم اليمين الدستورية، ففى نهاية الأمر كان قد بنى حملته الانتخابية على إخراج الولايات المتحدة من الحرب فى الشرق الأوسط، وما كان ليدخل فى أخرى.
ومن جانبه استدعى ترامب على مدار حملته الانتخابية نواحىَ محددة من تفكير أوباما، ففى تجمع انتخابى، فى أكتوبر ٢٠١٦، أعلن ترامب: «الناس الذين يعارضوننا هم نفس الناس -وفكروا فى ذلك- الذين أهدروا ٦ تريليونات من الدولارات على حروب فى الشرق الأوسط -كان بإمكاننا أن نعيد بناء بلادنا مرتين- لم تُنتج إلا مزيدًا من الإرهاب والموت والمعاناة.. تخيلوا إذا كانت قد أُنفقت تلك الأموال فى ديارنا!».
ولكن أوباما أمضى آخر سنوات إدارته يعمل ضد غريزته بالسعى وراء استراتيجية فى العراق وسوريا تمت صياغتها على مقربة من الإجماع بشأن المنطقة، العابر للحزبية، السابق لأحداث ١١ سبتمبر. وهذا لأن الحجة فى صالح هذا الإجماع ما كان من الممكن تجاهلها. واستلزم الخطر الذى شكّلته الدولة الإسلامية على العراق، والشرق الأوسط، والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وأوروبا، إضافةً إلى الخطر المحتمل على الوطن الأمريكى ذاته.. أن تدخل الولايات المتحدة فى معركة كانت قد سعَت فى السابق إلى تجنبها (فمن الآمن أن نقول إنه ندمَ على تعليقه بأن قوات «أبو بكر البغدادى» هى «فريق من الناشئين»)، كما أمل أوباما بعد انسحاب جميع القوات القتالية الأمريكية، فى ديسمبر ٢٠١١، أنها ستصبح قابلة للحكم ومستقرة نوعًا ما، وأثبت استيلاء الدولة الإسلامية على الموصل وأجزاء أخرى من العراق، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من سوريا، أن أوباما مخطئ.
تبرأ ترامب الآن من السياسة العابرة للحزبية التى ورثها لصالح تخفيض النفقات الذى يفضّله هو وأوباما غرائزيًّا، وأعلن ترامب استباقيًّا «إتمام المهمة»، موجهًا بذلك ضربة لإسرائيل والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، وكل المتخوفين فى الولايات المتحدة من تعزيز التأثير الإيرانى والروسى فى الشرق الأوسط. وحتى إذا ردّت الولايات المتحدة عسكريًّا على هجوم نظام بشار الأسد الكيماوى على دوما، الذى أفادت به التقارير، فيبدو من غير المرجح أن يعكس ترامب انعكاسه ويُبقى على قوات أمريكية فى سوريا. وخلال المؤتمر الصحفى للبيت الأبيض، يوم الجمعة الماضى، كررت «سارة هكابى ساندرز» أن الرئيس يريد أن يخرج من سوريا، وأن يَدفع المسؤولون عن الوفيات فى دوما ثمن أفعالهم.
ما الذى يفسر تغيير ترامب المفاجئ للسياسة فى هذه اللحظة؟ ولعل جزءًا من التفسير يتعلق بالتغييرات التى تحدث فى البيت الأبيض، خصوصًا رحيل مستشار الأمن القومى «إتش. آر. ماكماستر»، الذى تقع رؤياته فى نطاق المقاربة الأمريكية التقليدية للمنطقة، والذى يكون حذرًا متجددًا من القوة الروسية. ولكن هذا ليس منطقيًّا، إذ إن بديل ماكماستر هو سفير الأمم المتحدة «جون بولتن» الصقر المحافظ شديد الصرامة تجاه طهران، ومُرتاب بالتساوى من موسكو.
ومع ذلك يبدو أنه عندما يأتى الأمر للسياسة تجاه سوريا فإن ترامب يفكر فى الصراع مثل أوباما، ولكنه يصيغ السياسة مثل أردوغان، وبالطبع ليس فى التفاصيل، فقد استوعب أردوغان ملايين اللاجئين السوريين وأراد أن يكون الشريك الأصغر للجهود التى تقودها أمريكا لتغيير النظام قبل أن يستقر على إنزاف الأسد من خلال دعم خصومه، بما فى ذلك الجماعات التابعة للقاعدة. وعندما لم يفلح ذلك، تخلى أردوغان -فى ما يبدو- عن جهود الإطاحة بالرئيس السورى، حتى بينما يعمل مع الوكلاء المعارضين للأسد لتدمير دويلة كردية سورية فى طى التكوين على طول الحدود الجنوبية لتركيا، وهى السياسة التى ستنتهى إلى مساعدة الحكومة فى دمشق.
ويبدو ترامب متشابهًا مع نظيره التركى فى الطريقة التى تقود بها الحسابات السياسية المحلية تحولات عدوانية ومفاجئة فى السياسة الخارجية. وأردوغان بالتأكيد مستبد لكنه لم يصبح (بعدُ) الديكتاتور كما يصور كثيرًا، فهو سياسى داهية وناجح، وتصمم سياساته لتشويق جمهور ناخبيه، وإغضاب العدد المتساوى فى كبر حجمه من المعارضين.
ويعلم أردوغان أنه يواجه ساحة سياسية تشكل أخطارًا عليه وعلى حزبه «العدالة والتنمية»، حتى بينما يسعى لتخفيفها بتفريغها أو بالتلاعب بالمؤسسات السياسية التركية. ويحتاج أردوغان لكى يكمل رؤيته التحويلية للمجتمع التركى، إلى الفوز بالانتخابات الرئاسية المقررة فى ٢٠١٩، وفى الوقت نفسه تأمين أغلبية فى مجلس الأمة الكبير. إن التدخل التركى فى سوريا، الذى بدأ فى يناير الماضى، والمراد منه تدمير وحدات حماية الشعب الكردية السورية، جزء من هذا الجهد لأنه يساعد أردوغان فى استيعاب اليمينيين الوطنيين المتشددين، وفى تقويض منافسه السياسى حزب الشعوب الديمقراطى، ذى الأساس الكردى، والذى أشار أردوغان مرارًا وتكرارًا إلى أنه مرتبط بسلف وحدات حماية الشعب حزب العمال الكردستانى. إن التدخل العسكرى محفوف بالمخاطر، ولكن السياسة التركية أصبحت مستقطبة إلى حد أنه حتى إذا بدأت العملية فى السير بشكل سيئ وتعاظم الضحايا الأتراك، سيكون لا يزال من المرجح استفادة أردوغان سياسيًّا.
ومثله مثل أردوغان الذى يريد أن يبقى «العدالة والتنمية» الحزب المهيمن، يريد ترامب الاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية فى مجلسَى النواب والشيوخ فى نوفمبر ٢٠١٨، وقد بدأ النظر فى محاولة إعادة انتخابه فى ٢٠٢٠. إن أرقام ترامب فى استطلاعات الرأى سيئة على نحو تاريخى، فى الوقت الذى اتخذ فيه خطوات لتقويض الرفاهية الاقتصادية للمزارعين الذين صوتوا له، وحطم البورصة، وأغضب جمهورًا أساسيًّا من الناخبين من أعضاء حزب الشاى، من خلال توقيعه تخفيضًا ضريبيًّا أضاف كثيرًا للعجز، وعقد صفقة موازنة لم تتضمن تمويلا لقطعة رئيسية فى رئاسته. وهى جدار على الحدود الجنوبية. وفى حوار مع فرانك برونى فى «نيويورك تايمز» أعلنت المؤيدة المخلصة السابقة والمعلقة المحافظة «آن كولتر» الحرب على الرئيس لأنه لم يحدث أى تقدم فى ما بات يعرَف ببساطة بـ«الجدار».
وما شأن هذا بسوريا؟ فى الواقع شأنه الكثير، ويعود ترامب إلى حملته عام ٢٠١٦ بينما يحدق فى وجه مدفع الانتخابات النصفية، فقد كثف الحرب التجارية مع الصين، وأعلن وفاة برنامج القرار المؤجل للواصلين أطفالًا «DACA»، وأمر بنشر الحرس الوطنى على الحدود الأمريكية/ المكسيكية لمنع دخول «قوافل» المهاجرين. وفى خضم كل هذا أعلن الانسحاب الآتى للقوات الأمريكية من سوريا. وكل هذا يدفئ قلوب الكثير من جمهور ناخبى الرئيس، بلا شك، وكذلك الكثير من الأمريكيين الذين لا يدعمون بالضرورة أجندة ترامب عندما نضع فى الاعتبار دوامة العنف المعقدة التى هى الحرب الأهلية السورية.
إن تحول ترامب بشأن سوريا إنما هو لحالة مثالية لسياسى أمريكى يقوم بأفضل ما فى مصلحته السياسية، ولكن بكلفة عالية للولايات المتحدة. أن تغادر سوريا هو أن تسهّل على إيران تعزيز تأثيرها فى هذا البلد وفى المنطقة، وأن ترفع أكثر من شأن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى الشرق الأوسط، وهو أن تقلص الولايات المتحدة. وهذه مشكلة؛ لأن فى الوقت الذى سئم فيه الأمريكيون -لأسباب شديدة الوجاهة- من الشرق الأوسط، لا تزال لواشنطن مصالح هناك، والتى إذا كان يتساءل أحد، فهى لا تزال البترول وإسرائيل وضمان أن لا يهيمن بلد على المنطقة. كما أن هناك مكافحة الإرهاب ومنع انتشار الأسلحة، ولكن من نواحٍ هامة، كلاهما مشتق عن الثلاثة الآخرين. وهناك بعض الصخب على كل من اليسار واليمين لتعيد الولايات المتحدة تعريف مصالحها فى الشرق الأوسط، ولكن هذه المطالبات مُكثرة فى عظاها، ومُقلّة فى التخطيط الفعلى أو الاستراتيجية.
وفى الوقت الحالى ستستمر المخاوف التى لَطالما شكلت المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط فى ذلك، ولكن ما من أحد مستعد للدفاع عنها. وأقلهم رئيس الولايات المتحدة الذى جعل من الشرق الأوسط امتدادًا للحسابات السياسية المحلية. وقد يكون من الصعب تقبل ذلك، ولكن إذا أرادت الولايات المتحدة حماية تلك المصالح الرئيسية الثلاث، ينبغى أن يكون البقاء فى سوريا جزءًا من الاستراتيجية الأمريكية. ولكن هذا لا يبدو مرجحًا، فليس عجبًا -إذن- أنه لم يعد أحد هناك يهتم كثيرًا بما تقوله أو تفعله واشنطن.


ستيفن إيه. كوك
زميل دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية، ومن بين مؤلفاته «الفجر الزائف.. التظاهر والديمقراطية والعنف فى الشرق الأوسط الجديد» (٢٠١٧)، و«الصراع على مصر.. من ناصر إلى ميدان التحرير» (٢٠١١)، و«السيطرة لا الحكم.. الجيش والتنمية السياسية فى مصر والجزائر وتركيا» (٢٠٠٧).

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات