.

حتى لا يبلعنا جميعًا الحوت الأزرق.. هل يملك الآباء وقتًا للجلوس مع أبنائهم؟

Foto

كيف نتعامل مع نسبة 21٪ من طلاب الثانوية حاولوا الانتحار؟


لماذا يستغرب البعض وقوع شباب مصر ضحيةً لأمراض اجتماعية بعد أن أسهم المجتمع المصرى بأكمله، حكومةً وشعبًا، فى عدم الاهتمام بالشباب، عماد الحاضر وأمل المستقبل «كما يحلو للبعض أن يصفهم» لدرجة وصل معها الحال إلى انتحار شاب فى عمر الزهور لمجرد اشتراكه فى لعبة يطالب الجميع بمنعها حاليا، متناسين بقصد وتعمُّد الحديث عن مشكلة الشباب المصرى الحقيقية التى يعيشها الآن، سواء داخل محيط أسرته، أو فى مدرسته أو كُليته، فرَبّ الأسرة حاليا لم يعد يملك الوقت الكافى للجلوس مع أبنائه «ولن أقول: يراهم أو يتحدث معهم»؛ لأن ظروف الحياة لا ترحم فهو مطالَب بالعمل فى «شغلة أو شغلتين» لتوفير الحد الأدنى من المال الذى يوفر له ولأسرته مصاريف المأكل والمشرب والتعليم والعلاج، وغيرها من متطلبات الحياة، أما الأسرة نفسها «الأم والأشقاء والشقيقات» فكل واحد منهم مشغول بهَمّه، ولا وقت لديهم للاجتماع معًا لمناقشة مشكلاتهم واحتياجاتهم، وبالتالى لم يعد هناك مَن يراقب أو يحاسب، فكل فرد فى الأسرة المصرية الآن يعيش على حسب ما يذهب به مزاجه، وعندما يفتقد شبابنا القدوة والترابط «التواصل الاجتماعى» داخل أسَرهم، فمن الطبيعى أن تفشل المدرسة فى أداء هذا الدور «إذا كان لها دور»، فمن ناحية لم يعد الشباب يذهبون إلى مدارسهم «أصلًا»، إذ التهمت الدروس الخصوصية وقتهم، بل إن بعض هذه الدروس حددت مواعيد صباحية لحصصها، وهو الأمر الذى يستحيل معه الذهاب إلى المدرسة. يحدث هذا فى ظل وجود مُدرس غير مؤهل جيدًا «ولا يعرف شيئًا عن تلاميذه مثل زمان»، ما يجعل الطلاب يلجؤون إلى المدرس الخصوصى. ولهذا لم أتفاجأ بما أعلنته وزارة الصحة مؤخرًا من أن 30% من طلاب المدارس الثانوية يعانون مشكلات نفسية، منهم 21%  حاولوا الانتحار، ويحتفظ عدد كبير منهم بمشكلاتهم داخلهم، ثم نأتى ونتحدث عن الشباب الذين قفل أغلبهم باب حجرته على نفسه، ما أدى إلى اتساع الفجوة بينهم وبين أسَرهم، وبالتالى بين مجتمعهم، الذى لم يقدم لهم شيئًا يُذكر. شباب تركناه فريسةً لأصحاب  الأفكار الشيطانية الهدامة، فجعلوا كل هَمه التفكير فى هجرة الوطن والأهل، بعد أن أصبح أسيرًا لبطالة قضت على آماله وأحلامه نتيجة سياسة تعليمية فاشلة حطمت مستقبله. شباب لم يعد يشغلهم سوى الانغماس فى واقعهم الافتراضى «الإنترنت»، يفرغون فيه طاقتهم المكبوتة، فسيطر عليهم هذا الواقع  وعلى تصرفاتهم، فى الوقت الذى ضيق عليهم فيه المجتمع كل طرق التعبير عن رأيهم بحرية، واختيار نوعية ونمط  الحياة المتاحة التى يرتضونها لأنفسهم، حتى القوى الناعمة التى تسهم فى بناء الفكر والعقل وتجعله يختار ما يريد، وضعنا أمامها الكثير من العراقيل والمحاذير الرقابية، ويكفى أن نصف مساحة مصر «الصعيد» ليس بها إلا عدد محدود من دور السينما، فما بالك بالمسارح، وقصور ثقافة لا تملك من أمرها شيئًا، اللهم إلا اسمها فقط؛ لأنها ليست مخصصة للثقافة، أو لأى نوع من أنواع الفنون! إنما هى مجرد استراحات يقضى فيها مَن يعمل بها بعض الوقت الذى يشغلونه بأحاديث عن فلان وعلان. المؤسف أنهم يفعلون ذلك نظير أجر يستقطع ممّن يعملون لصالح مَن لا يعملون! ومراكز شباب يقال عنها إنها مخصصة للشباب، رغم أن أغلب ملاعبها تُرعى فيها الأغنام، والجيد منها لا تستطيع ميزانية أسرته أن تسمح له بدخولها حتى لو زائرًا وليس عضوًا. شباب يرى الوظائف تذهب هنا وهناك لكل صاحب واسطة أو محسوبية، فضاع الإحساس بالعدل بين أغلبهم، وعندما وجد ضالته وللمرة الأولى منذ عهود طويلة فى الشعور بالعدل والمساواة فى أثناء ثورة 25 يناير، شارك فيها بكل حب ووطنية، مطالبًا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ولكن الجماعة، غير المأسوف عليها وعلى قادتها، سرقتها منهم، وأهالَ المعارضون لها الترابَ فى وجوههم، فعادوا مرة أخرى إلى ثكناتهم فى المقاهى فاقدين الأمل فى أى تغيير، تاركين مصيرهم فى يد نُخَب تتحكم فيهم وفى تصرفاتهم، نُخَب البعض يقول عنها سياسية والبعض الآخر يقول عنها ثقافية، تملى عليهم ماذا يفعلون أو يريدون أو -حتى- يشاهدون، ترسم لهم مستقبلهم، وهى فى حقيقة الأمر ترسم مستقبلها هى ومستقبل أبنائها. شباب تركناه فريسة سهلة لثورة الاتصالات التى استفاد منها جُل دول العالم ونهلت من بحور معرفتها، ولم نأخذ منها فى عالمنا الثالث سوى ما يشبع رغباتنا، وصور تُلهب العقل والخيال أكثر مما تفيده، وتضيع من وقته، فظهرت ألعاب مثل الحوت الأزرق والأبيض والأحدب «كمان» وغيرها من الألعاب التى تخدر العقل وتجعل شبابنا يعيش فى عالم الخيال. وعندما تقع الأزمة يسارع البعض بإطلاق تصريحات «أراها من وجهة نظرى تنطوى تحت عالم الخيال أيضًا» بمَنع مثل هذه الألعاب الإلكترونية، وتصدر فتاوى دينية بتحريمها، ويتناسى أصحاب هذه التصريحات والفتاوى أن ثورة الاتصالات قادرة على تقديم كل جديد يوميًّا؛ ولذا لا يصلح ما يرددونه، وستتسع مشكلات شبابنا أكثر، وسنُصدم بما هو أكبر وأخطر من الحوت إياه. مطلوب توعية دينية وثقافية واجتماعية ورياضية واقتصادية، تعتمد على أسس وعناصر علمية، تلبى رغبات واختيارات الشباب وتحقق ما يطمحون إليه، وفى نفس الوقت تحفظ للمجتمع المصرى أمنه وسلامته، وتحافظ على قيَمه وعاداته، لإعادة اللُحمة المفقودة حاليا بين أفراد الأسرة المصرية والمجتمع.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات