.

مصر التى فى المطبخ القبطى

Foto

كيف يتعامل الأقباط مع الطعام فى أيام الصيام؟ ولماذا يربطون بين السمك ومولد المسيح؟


مطبخ الشىء هو قلبه وأسراره، لذلك فإنك عندما تريد أن تقول لأحد إنك فى قلب أى شىء تستخدم تعبير «أنا فى المطبخ من جوَّه». هكذا يأتى هذا الكتاب المهم والمميز «غذاء للقبطى»، لشارل عقل، اسمًا على مسمى، فبينما يخوض بنا الكاتب رحلة رائعة وغنية داخل المطبخ القبطى بمعناه الحرفى، من مأكولات ومشروبات وموائد، يكون قد أطلعنا على التفاصيل الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصرى المسيحى، بكل ما يحمله من خصوصية غامضة بفعل الانغلاق على نفسه فى التفاصيل الحياتية.
 
الكتاب من الإصدارات المتميزة لدار «الكتب خان» فى شهر أكتوبر من العام الماضى، ضمن سلسلة «بلا ضفاف» التى «تعنى بنشر التجارب الأدبية الخارجة عن التصنيفات المتعارف عليها».
 
أكثر من ضالة سيجدها قارئ هذا الكتاب، خصوصًا لو كان من ديانة أخرى، فقبل كل شىء لدينا كاتب محب للطعام خبير فى تذوقه وطهيه، وهذا الشغف سينسحب على طرق عرضه للأكلات القبطية بأسلوب ممتع وخفيف. ثم إن الكتاب يربط بين ثلاثة: الخاص (الكاتب) والعام (المجتمع القبطى) والأعم (المجتمع المصرى)، ونتيجة لهذا فإن المكاسب جمّة، منها تحقق هذه اللمسة الحميمية فى الكتاب، وكأن المؤلف يستضيفك على مائدة أسرته، ثم إنه يتوسع ويدرس بوعى عادات مجتمعه القبطى وتأثير الطعام على ممارساته، خصوصًا فى أيام الصيام التى تقارب مئتى يوم فى السنة الواحدة، وثالثًا أنه يربط بين كل ذلك فى أحيان عدة وبين المجتمع المصرى الذى يضم كل هذا فى المؤسسات العامة، مثل المدرسة والشارع والسوبر ماركت.
 
يبدأ المؤلف بـ«الفول المدمس»، الوجبة المصرية الأشهر والأكثر شعبية على الإطلاق، ويقول إنها وجبة قبطية بالأساس، سواء بالمفهوم التاريخى المصرى القبطى، أو بالمفهوم الضيق فى اعتماد الأقباط عليه فى الصيام، ثم يكشف لنا أن هناك 120 طريقة مختلفة لتحضير الفول.
 
ورغم أن شارل عقل يقول إن الفول فى طفولته كان «رفيقًا يوميًّا، وأساسًا لكثير من التجريب»، فإنه يبدو صريحًا فى نقده لـ«قسوة» هذه الوجبة، فـ«الفول القبطى هو تهذيب وإصلاح، هو تقشف وتألم، جلد للذات وازدراء للملذات. هو طبق بائس يسد جوعًا ولا يحتفى بالحواس وربما من هنا جاءت سمعة الفول السيئة فى سائر البلاد بعدما مرمغ القبطى بسمعته جميع كافيتريات الكنائس والأديرة والبيوت المسيحية قاطبة». يلتقط عقل تفصيلة أخرى فى المطبخ القبطى وهى الفطائر، ثم يخلص إلى ملمح بارز فى رأيه وهو أن «مطبخ المبالغات»: «المبالغة فى التقشف أو الزهد من ناحية فى أوقات الصيام، وفى الناحية الأخرى نجد المبالغة فى الترف والإفراط فى إضافة المكونات الفِطارى المثيرة حتى فى أبسط الوصفات»، ويضرب مثالًا على ذلك من خلال فطيرتَين متناقضتَين، الأولى هى فطير الملاك بسيطة التحضير، فهى «قرموش صيام العذراء الحصرى» (عبارة عن عجين دقيق وزيت وسكر، توضع عليها الخميرة والماء الدافئ ويتم عجنها وتركها للتخمير نصف الساعة، ثم فى الفرن لمدة عشر دقائق)، وعلى الناحية الأخرى نجد الفايش (القرموش الفطارى المفضل للأقباط، فهو على النقيض، يستلزم أيامًا لتحضير خميرته)، ثم ينتقل بنا إلى أنواع البيتزا فى المطبخ القبطى، مقدمًا شرحًا تفصيليًّا لطريقة تحضير كل منها. 
 
للصيام تأثير كبير على اختيارات الأفراد والمجتمع القبطى ككل، بل إن الأمر يتعدَّى ذلك ليصل فى بعض الأحيان إلى خلق «جدليات»، هذا ما يحدث مثلًا فى حالة «الشيبسى بالكباب»، وهو من المأكولات الخفيفة التى يضمها المؤلف إلى قائمة الأطعمة «الإشكالية» التى قد لا تصلح فى الصيام بسبب مكون بسيط بداخلها يقع فى فئة المحظورات، فكونه طعامًا (فِطاريًّا أو صِياميًّا) يتوقف على النكهة، إن كانت طبيعية أو صناعية. يقول عقل: «من المشاهد المعتادة، أن ترى المسيحيين فى أوقات الصيام قد غزوا السوبر ماركتات، وأمسك كل منهم بمنتج إشكالى معين، وأخذ يفحص عبوته باحثًا عن المكونات، ليدرس بدقة إذا ما كان أحد هذه المكونات غير صالح للنظام الغذائى الصيامى».
 
بسبب ذلك، كما يضيف المؤلف «أصبح المواطن القبطى البسيط على دراية بمكونات معظم منتجات السوق، وكذلك ضليعًا فى فهم بعض المصطلحات الكيميائية البسيطة التى قد يجدها نظيره المسلم غير واضحة».
 
هذا الأمر وإن كان يستدعى الحرص والفحص الضرورى عند الكبار وأرباب الأسر للمنتجات، فإنه يسبب حالة من القلق الروحى عند الطفل مستهلك الشيبسى بالكباب، «لأن لفظًا قد يعده بحياة أبدية والآخر قد يؤدى بحياته إلى الفناء، لفظ واحد سوف يجعله الطفل المقرب ليسوع، أو يجعل يسوع يلقى به فى غياهب الجحيم ويعامله معاملة الكباب المشوى».
 
يختار شارل عقل المدرسة كمثال على وسط يجمع المسلم والمسيحى فى مكان واحد، وإن كان عبر نماذج صغيرة هى الأطفال، ليحلل تأثير بيئة كل طفل عليه، من خلال «الساندويتش» الذى يعده الأهل لهم لأكله فى وقت «الفسحة».
 
يشرح المؤلف: «الساندويتش وشكله وخبزه ومحتواه وإضافاته يعطى صورة وملخصًا عن الأهل بشكل عام. أولًا، فكونه ساندويتش وليس كيس شيبسى أو باكو بسكوت يدل على اهتمام الأهل بالتربية والتغذية الصحية. غياب الطماطم وتماسك الساندويتش يدل على الحد الأدنى من الذكاء والتعليم، محتوى اللحوم وكميتها هو المعبر عن الطبقة الاقتصادية، وتنوع أنواع الجبن يدل على مقدار الثقافة، والإضافات والشكل العام للساندويتش تدل على مقدار الترفيه، وجودة الخبز تدل على مدى ملاءمة الطفل ليكون ضحية للسطو».
 
ثم يخلُص إلى نقطة أخرى تتعلق بتلك التفرقة التى قد يصنعها الساندويتش بين التلاميذ، إذ إن «اختيارات الحشو محدودة جدًّا مما سوف يخفض تقييم الساندويتش دون شك إلى ما تحت المتوسط، مما قد يتسبب فى وضع الطفل فى فئة اجتماعية واقتصادية أدنى مما قد يسبب له شعورًا بالدونية حين مقارنته بساندويتشات زملائه المسلمين حينها، التى يبظّ منها اللانشون والبيض بالبسطرمة. أو قد يؤدى بالأطفال بشكل عام إلى ازدراء الصيام والامتناع عنه».
فى فصل تحت عنوان «مأكولات بحرية»، يقدِّم عقل قراءة رائعة لدور الأسماك فى الثقافة القبطية، التاريخية والمعاصرة، لا سيما فى المطبخ، ويبرز عدة اعتقادات مسيحية فى الأسماك تتردد حاليًّا، منها هذا الربط: «لو تأملنا طريقة خروج السمك من البيض، لوجدنا أنه يخصَّب من دون اجتماع الذكر بالأنثى، التى تضع البيض ثم يأتى الذكر ليلحقه، وهذا يشير إلى ولادة يسوع من عذراء لم تعرف رجلًا».
 
ثم يتطرق المؤلف -بدافع نظرية تأثير السمك على القدرة الجنسية- إلى مشاهد وذكريات من مراهقته ورغباته الجنسية وعلاقة ذلك بالسمك والفسفور، وكيف تصالح مع الأمر بعد أن أحبطته نصائح القسيس فى طقس الاعتراف.
ثمة فصلان مهمان للغاية فى هذا الكتاب، يجمعهما عنوان واحد أساسى هو «مأكولات خلافية»، الأول يتناول الخنزير، والثانى الخمور، والمؤلف هنا أفاض فى الأمرَين، شرحًا وتفصيلًا، وبصراحة شديدة.
 
يحب المؤلف لحم الخنزير ولا يرى فى ذلك عيبًا، بل إنه يأخذ على أمه أنها كانت تقلق بشدة من أن يعرف جيرانها المسلمون أنها تطهى هذا النوع المنبوذ فى الديانات الأخرى، لكن شارل عقل لا يرى أن الثقافة المسيحية تلعب دور المروج للخنزير، إذ إن موقفها متناقض تجاهه، وغالبًا لا يُعامل بحفاوة. ولا يفوت الكاتب أن يتصدى لما حدث للخنازير فى مصر عام 2009، معتبرًا أن التخلص من عشرات الآلاف منها كان «مذبحة وقرارًا همجيًّا». فى حالة الخمور، فإن الكاتب يقارن بين نظرة جيله للويسكى والبيرة وبين نظرة جيل والديه، اللذين انقطعا فى كبرهما عن احتسائهما، وبالتالى يريدان لأبنائهما أن يتجنبوهما أيضًا. يقدم عقل فى هذا الفصل استعراضًا لأنواع الخمور وشعبيتها فى القاهرة وبحرى والصعيد، كما يستعيد تاريخ الصناعة عالميًّا ومحليًّا، وتأثير كل نوع على المعدة، من أول «ستيلا» (نجمة المشروبات) مرورًا بـ«العَرَق» (المُنعش) فى الصعيد، إلى «الفودكا» التى تشق بصهدها الحرارى «مسارًا ناريًّا» إلى رأس الإنسان. الكتاب ملىء بوجبات أخرى فى المطبخ القبطى لها دلالات فى الثقافة الجمعية للأقباط، بل إن المؤلف ينطلق من الطعام إلى أمور عامة، كتأثير المسيحيين على السوق والشراء، وكيف يحاولون تعويض أى نقص قد تسببه النسبة السكانية لهم عن طريق العادات، وكذلك تأثير انغماسهم فى المجتمع الأكبر ذى الأغلبية المسلمة. «غذاء للقبطى» كتاب مميز، هو الأول لكاتب «سكندرى يكره مهنة الكتابة أقل مما يكره باقى المهن، ويهوى الجلوس»، كما عرَّفه الغلاف، أنتج لنا عملًا ثقيلًا فى مضمونه، خفيفًا فى أسلوبه، وصريحًا وصداميًّا فى بعض مواقفه، لكنه ممتع ومهم للغاية.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات