«كلنا عبده العبيط».. بروفة قصيرة فاشلة لمعركة كبرى مؤجلة

Foto

كيف رصدت المجموعة القصصية لمحمود فطين ما جرى منذ 2011؟ ولماذا تضاءلت الأحلام الكبرى للمصريين؟


بعنوان يداعب الذائقة الشعبية -ويطمح لإيقاظ روحها فى الوقت ذاته- تنفذ المجموعة القصصية «كلنا عبده العبيط» للقاص الشاب محمود فطين، إلى قلب التحولات التى عاشتها مصر فى السنوات الأخيرة.

المجموعة صادرة فى أواخر العام الماضى عن دار «الثقافة الجديدة»، وهى الثالثة لمؤلفها الذى شارف على الثلاثينيات ويعمل طبيبًا، بعد مجموعتين أخريين، الأولى «رقصة النكبة» 2008، والثانية «المركب بتغرق يا قبطان» 2015.
تضم «كلنا عبده العبيط» 9 قصص قصيرة، بجانب نص تمهيدى مميز وضعه الكاتب فى البداية، ويرصد فيها بفنية ملحوظة وتجريب واعد الهم العام للمجتمع المصرى والخاص لجيله منذ ثورة 25 يناير 2011، وكيف نزلت الأحلام -مرغمة وبأسى- من علٍ إلى أرض الواقع المرهق مرة أخرى.
«نص متعدد الأغراض» هو افتتاحية المجموعة، وبه نجد الكاتب يخوض رحلة ساخرة وعبثية لاستعادة القصص التى كتبها طوال سنوات، بعد أن سرق بلطجية فى ميدان التحرير حقيبته.
يقول: «برومانسية المراهقة المتأخرة التى لازمتنا حتى أوائل العشرينيات أو ربما منتصفها كنا نبحث، نتقرب من الإله الذى شاع فى جيلنا الكفر به، نتلمّسه فى الشوارع فى الصباح الباكر وفى قطارات آخر الليل وفى القهاوى الساهرة وموالد الأولياء والقديسين والسير الشعبية التى لم نعاينها فنقبنا عنها فى الكتب، ونتمنى معركة عظمى لم نحضر منها إلا بروفة قصيرة، ونتفاصح قائلين إن (مَن لم يمُت بالسيف مات بغيره)».
لكن هذه المعركة العظمى لن تأتى: «التمع أمام عيوننا سيف طويل بيد شاب قوى البنية نزل عن موتوسيكل تبعه موتوسيكل آخر. قُلت فى عقل بالى إن السيف لا يهمنى، وبدأنا المقاومة فى معركة أصغر بكثير مما تمنينا، ولكن عندما صاروا أربعة أمامنا وفى يد أحدهم فرد الخرطوش عرفنا أن لا أمل لنا فى المقاومة».
بعد لف ودوران، سيستعيد الكاتب شنطته وقصصه، وبعد ما يقل قليلًا عن أربع سنوات سيكتب هذا النص، وكأنه «تمرين على الكتابة عن الذات أحاول به أن أحكى عن نفسى التى نادرًا ما أحكى عنها، مقدمًا العام على الخاص، مما قد يؤثر على الصدق الفنى كما انتقدتنى يومًا شاعرة تفوقنى خبرة كنت قد أحببتها طويلًا بيأس أليف».
فى قصة «مصر القديمة» نلمس حميمية العلاقة بين البطل وبين المكان بكل دفئه وتاريخه وصداقته الممتدة مع الإنسان مهما تغيَّرت العصور. يمشى البطل متأملًا فى الأرجاء، يتنفس رائحة الوطن الذى خرج من صخب اللجان الشعبية وفتح الأقسام وكل هذه الإفرازات التى خلفها الماضى الذى تيبس على كرسى السلطة، لكن الشاب المصرى أيضًا يتلمس المستقبل ومعنى الحياة فى وجه هذا الطفل الأسمر السعيد الذى يعمل بسوق الغلال، وستلهمه هذه السعادة سلامًا مع نفسه: «فى تلك اللحظة العادية المقدسة أدرك أن لا مفر، وأنه سيظل يعشقها بلا تفكير فى انفرادها عن غيرها من عدمه، منذ أن رأى الطفل يضحك فى أرجوحته وقد تباعد ركنا شفتيه حتى وصلا إلى وجنتيه البارزتين كمسمارين صدئين، فى ضحكة واسعة متباعدة الأطراف سوداء الخلفية، مثل جرح انفتق».
قصة أخرى رائعة هى «مشروع الدقائق الخمس»، تتجلَّى فيها قدرة «فطين» على التجريب والابتكار فى السرد، تحكى عن رجل يرغب فى ممارسة حق بسيط للغاية، البكاء، لكنه لا يتمكن من ذلك، إذ لا يستطيع الانفراد بنفسه مطلقًا ولو لخمس دقائق، ويدور بنا الكاتب وراء الرجل المكبوت فى الشوارع وعلى المقاهى وداخل المساجد، وأينما ذهب تطارده تلك التحولات التى ضربت المجتمع وناسه، فتضيق عليه الدائرة وتمنعه من البكاء، لعلنا نتخيَّل الحسرة هنا. يفشل مشروع البكاء بعد محاولات عديدة، ويقدم الكاتب إلى البطل نتيجتَين فى النهاية، الأولى أن «المشروع أخذ حقه من المحاولات، وهو عديم الجدوى»، والثانية «لا تبك، اصرخ ولا تبال».
ثمة مغامرة أخرى لكنها مختلفة نجدها فى قصة «حالة حصر»، عن شاب من هؤلاء الذين «يتنططون» هنا وهناك وراء لقمة العيش، وفى مرة عندما كان يوزع مجلات إعلانية فى مدينة نصر  داهمته رغبة فى التبول، فى منطقة تنعدم فيها المقاهى الشعبية التى يمكن أن تستأذن وتدخل أحدها لحل المشكلة، إذ ليس فى مقدوره دخول أحد الكافيهات الغالية، حتى «جاء الحل الجنونى اللذيذ وهو نازل فى المصعد بعد انتهائه من التوزيع أمام شقق الطابق الأخير، بل إننا رأينا بعين الخيال خيط الماء الطويل الذى ارتسم على الحائط يضاعف من طوله هبوط  المصعد، وتنفسه ملء الرئتين بنشوة غابت عنه منذ أحسها آخر مرة، نشوة طفل يبتسم بخبث بعد أن ركَّب لمدرس يرعبه ذيلًا».
«يبدو الأمر الآن نكتة حلوة، ولكنى اعتبرته حينها ثورة كبرى، مثل فيلم fight club»، يستكمل الكاتب متذكرًا صديقه القديم بعد أن «مضت فترة طويلة لابد أنه قضى جزءًا كبيرًا منها وهو على حاله يعمل أعمالًا تافهة كعمله وقتها مقتنعًا أنه يعيش، تمامًا مثلما كنت مقتنعًا أنى أناضل، ولكن الوهج الآن انطفأ ولم نعد نأخذها على صدورنا، ولم تعد الانتصارات الصغيرة تشبع أحدًا، ومع ذلك فالحكايات القديمة ما زالت طريفة، تستدعى الحنين والبسمات والاعتراف بالسذاجة، كالحب الأول لمراهق كبُر».
مثال آخر -لكن أنثوى هذه المرة- نجده فى قصة «سلاح ردع». فتاة بسيطة تعمل طوال النهار وتعود بلا أى ضمانة لأن تصل بينها فى أمان. لا وقت لديها إلا للعمل والعمل كى تسير الحياة ولو بأدنى حركة، بارعة فى التكيف على قدر الظروف، إنها من «السمراوات الطيبات (اللواتى) لا يملن عمومًا إلى سماع مَن يشكون وكأن ليس فى الدنيا إلا همومهم، ويقلقن ممن لا يفكر إلا فى ما يريد حتى لو كان كل ما يريد هو قليل من الحكى».
فى المترو -وكأى فتاة مصرية- تتصدى «السمراء الطيبة» لنظرات وحركات حيوانية تنهش لحمها، تتحسس حقيبتها على فترات لتوهم المتربصين بها أن بداخلها مثلًا صاعقًا كهربائيًّا للدفاع عن نفسها، لكنها لم تكن تمتلك شيئًا فى الحقيقية، إلا «رجاء ذليل لمَن لا يصح الذل إلا إليه، بأن لو أخرجها مما هى فيه فستفعل كل ما يمكن لكى يكون معها سلاح الردع، وكادت تحلف على ذلك لولا أن استوقفتها فى اللحظة الأخيرة خاطرة مبعوثة من ذهنية التكيف، لأن السمراء الطيبة تعودت منذ الميلاد أن لا تقسم باسم الله على أمر تعلم أنه قد يكون فيه أخذ ورَدّ».
فى القصة صاحبة عنوان المجموعة «عبده العبيط»، نتعرف على ذلك الشاب الذى كان «فى بدء المراهقة يراقب طيور السماء وكلما شاهد سرب حمام راجعًا فى ساعة العصر، التى يكون إنهاكنا فيها من لعب الكرة قد بلغ مداه، نراه فى قمة نشاطه يجرى ويضم ذراعيه على شكل جناحَين ويرفرف سريعًا وكأنه سيطير فعلًا»، من هنا التصقت به صفة «العبط»، فى واقع «يمسخر» مَن يتطلع إلى أعلى، مَن يحلم.
كان يريد أن يحلّق، أن يصل إلى السماء، وكاد يحقق حلمه عندما تقدم للالتحاق بالكلية الجوية، ثم «حدث ما كان متوقعًا بالنسبة للجميع فى ما عدا عبده نفسه، وعلى الرغم من لطمة كشف الهيئة التى تلقاها لم يطل به الذهول (…) قرر التوجه إلى الطيران المدنى وسأل تفصيليًّا عن التقديم لأكاديمية الطيران ثم كلية هندسة الطيران حتى تظل له علاقة بالسماء حتى ولو لم يطر بنفسه، وحين عرف التكاليف استبعد الاثنين معًا بعد تفكير عميق استغرق حوالى ساعتين».
كفّ عن المحاولة، لكن هل كفّ عن الحلم؟ لا، فبعد سنوات كان يظهر فى الحارة و«على وجهه كبرياء مرير كالذى كنت ألمحه على وجوه المحاربين القدماء وهم واقفون فى أكشاك السجائر التى افتتحتها لهم الحكومة بعد المعاهدة، وعلى جانبَى التوك توك الذى عمل عليه واشتهر به كشهرته الأولى جناحان صغيران يحلق بهما فى المنطقة، وعلى الظهر كتب بحروف بيضاء كبيرة، وخط واضح، واثق: عبده الطيار».
ثمة أربع قصص أخرى فى المجموعة، لا تقل أهمية من حيث الأفكار التى تطرحها، لكن يعيب بعضها الاستسلام أحيانًا للمباشرة، بحجة طبيعة شخصيات الأبطال فيها، كما نجد قصة أو اثنتَين استسلمتا للمط  والتطويل أو خُنقتا بالتكثيف والاقتصاد، بجانب ملاحظة أخيرة عن العنوان، الذى قد يبدو أنه انحياز للوعى أكثر من الفن.
مع ذلك، نقول إنه أصبح لدينا قاص ناضج وواعد، يعتمد على فنه وموهبته فى كتابة قصة اجتماعية واقعية بأساليب حداثية، وربما عليه أن يجرب بحرية أكثر وأكثر -ملتقطًا كل ما قد سقط منه- لأنه وقتها سنكون كسبنا كاتبًا لديه من الفكر ما لا يمنعه عن صهره فى قوالب فنية جميلة.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات