I, Tonya.. النجمة التى هوت من السماء على الجليد

Foto

هل نجح الفيلم فى تقديم الشخصية الحقيقية للمتزلجة الأمريكية تونيا هاردينج؟ لماذا استخدم الفيلم المزج بين الأسلوب الدرامى والوثائقى لسرد الأحداث؟


الاحتفاء بالرياضة والتفوق الرياضى جزء من الثقافة الأمريكية، والحصول على الكؤوس والميداليات المحلية والعالمية هو حلم الرياضى الأمريكى الذى يبذل الكثير من طاقته وأعصابه للوصول إليها. هذه الجوائز الصماء هى هدف الرياضى، ولكن الأمر مختلف قليلًا بالنسبة إلى تونيا هاردينج، المتزلجة الأمريكية، فهى حينما ترقص على الجليد، وتجتهد فى أدائها تبحث عن تلك اللحظات التى يعبر فيها الجمهور عن حبه لها وإعجابه بها، هذه العاطفة المجردة من الملايين هى جائزتها الحقيقية، لقب محبوبة أمريكا أهم من فوزها بالميداليات والألقاب.

فى فيلم I, Tonya «أنا، تونيا» نرى لحظات حب الجمهور للبطلة الشابة هى الجائزة الحقيقية التى تسعى إليها هذه الفتاة التعسة، التى لم تجد الحب حولها، أو وجدته مشوهًا مع أم قاسية، وزوج عنيف.
تونيا هاردينج «مارجو روبى» شخصية حقيقية لبطلة أوليمبية ذاعت شهرتها فى التسعينيات كواحدة من بطلات أمريكا فى التزلج على الجليد، تلك اللعبة التى تمزج بين الرياضة والرقص، وهى فتاة من بيئة فقيرة، هجرها والدها وهى صغيرة، وربتها أمها النادلة لافونى «أليسون جينى»، وهى شخصية قاسية أسهمت فى تشويه نفسية ابنتها بأسلوبها الفظ وضربها منذ كانت طفلة صغيرة، ودفعتها قسرًا للتدرب على الرقص على الجليد فى سن مبكرة للغاية «٤ سنوات» وفى هذه السن اختلطت لدى تونيا الرغبة فى إتقان تلك الرياضة الراقية وحرصها على إرضاء أمها، ولتتجنب الضرب والإهانة، وأصبح التفوق والنجاح على الجليد هو ثمن الرضا والحب الذى تحصل عليه الابنة من أمها وزوجها ومن الجمهور أيضًا.
الشخصية المضطربة لتونيا هاردينج تجعل التعاطف معها أو ضدها أمرًا صعبًا، ولهذا كان السيناريو غامضًا فى تصوير الشخصية الحقيقية لها، هى ضحية ظروفها القاسية بلا شك، وضحية استغلال من حولها، ولكن هل تورطت حقًّا فى جريمة الاعتداء على منافستها؟
هذا الاعتداء، أو الحادث كما يُطلق عليه فى الفيلم هو المحور الأهم فى مسيرة حياة تونيا الرياضية، فهى مُتهمة بالمشاركة فى التخطيط للاعتداء بالضرب على منافستها نانسى كريجان، من خلال شخص أرسله شون «بول والتر هاوز»، وهو صديق زوجها وشخصية شديدة الحماقة، ويعتقد بنظرية المؤامرة، ويتعامل مع كل المواقف حوله بعقلية مشوشة للغاية، وهو مؤثر على الأحداث بشكل كبير، ويظهر كمدبر أساسى لعملية الاعتداء على نانسى كريجان.
لا يبرز الفيلم بشكل مؤكد موافقة تونيا على الاعتداء على منافستها، أو معرفتها بخطة شون، وحتى زوجها جيف «سباستيان ستان» صاحب فكرة إرهاب نانسى برسائل تهديد مجهولة المصدر، لا نتأكد من مدى معرفته بمبادرة صديقه لإرسال شخص لضرب نانسى لإخراجها من المسابقة وإفساح المجال لتونيا للفوز بالبطولة.
هذا الجدل حول حقيقة الحادث يصنع حالة من الكوميديا، خصوصًا مع الأداء المضحك لشون، الشخصية المُرتابة من كل شىء، فنحن نشاهد الحكاية من خلال مسارات متوازية، مسار سرد الحكاية دراميًّا من وجهة نظر الشخصيات، والمسار الثانى يحاكى الدراما الوثائقية، ويعرض شهادات الشخصيات على الأحداث فى مقابلات شخصية، وهذه الشهادات تتناقض غالبًا مع ما نراه فى المشاهد الدرامية، فالأم مثلًا تنفى أنها كانت تضرب ابنتها الصغيرة، والزوج ينفى تورطه فى التخطيط للاعتداء على نانسى، وتونيا نفسها تنفى عملها بتفاصيل المؤامرة، لكن الحقائق فى المسار الدرامى تتناقض مع تصريحاتهم، وأحيانًا تبدو ملتبسة للغاية، ومن خلال تلك التناقضات ينسج سيناريو ستيفن روجرز حالة كوميدية تلون الصورة المأساوية لحياة تونيا هاردينج، والتى وصلت إلى حكم قضائى بمنعها من مزاولة رياضتها المحببة، وهو حكم جلب لها العار وكراهية الجمهور، وحرمها من الشىء الوحيد الذى تجيده فى الحياة، مما اضطرها فى مرحلة من حياتها لممارسة رياضة الملاكمة النسائية، وهى رياضة عنيفة تتناقض مع رقة وعذوبة رياضة التزلج.
تلك اللمسات الكوميدية تضع شكوكًا حول رواية تونيا ومن حولها للحقيقة، وتبرز تعقيدات سرد الحقيقة كما حدثت بالفعل، ففى أثناء كلام الزوج وصديقه عن فكرة تهديد منافسة تونيا بالقتل برسائل تهديد وهمية لم تبد تونيا مهتمة، وكانت شاردة فى تدريباتها، ولكن وجودها وسط المناقشة يجعلها من وجهة نظر المشاهد مُشاركة فى الجريمة، لكن سلوكها اللاحق، وشعورها بالندم والظلم يخلق حالة من الشفقة نحو موقفها، وتغيير موقف المشاهد من تونيا يعكس موقف السيناريو من الشخصية المحيرة لتونيا، هى من جهة الفتاة المظلومة والبطلة البارعة، ومن ناحية أخرى هى الفتاة الشريرة التى تسعى للفوز بكل الطرق الممكنة.
هناك قدر من الفوضى فى السرد الزمنى للأحداث، والتباس فى موقف الشخصيات من حادثة الاعتداء على نانسى، وهذه الفوضى المتعمدة التى نسجها المخرج كريج جيلسبى ببراعة تلخص رؤية الفيلم لشخصية تونيا، وحقيقة ما حدث فى حياتها، وفى الحادث الذى حولها من معبودة الجماهير إلى أكثر الشخصيات الرياضية المكروهة فى أمريكا حتى الآن.
أداء مارجو روبى لشخصية تونيا من أفضل صور الأداء خلال العام الحالى، وترشيحها للأوسكار كان مُستحقًّا، وربما كانت تستحق الحصول على الجائزة لولا أداء فرنسيس مكدورماند فى فيلم «ثلاث لوحات خارج إيبنج، ميزورى»، وطبيعة دورها، فجائزة أوسكار التمثيل الكبرى ذهبت إلى شخصية نسائية مقاتلة وإيجابية، وتونيا هاردينج لم تكن نموذجًا مُشرفًا للمرأة، هى شخصية مدمرة للذات، وشديدة الرثاء لذاتها، ومن ناحية أخرى حصلت أليسون جينى على جائزة أوسكار الدور المساعد عن تجسيدها القوى والمتماسك لشخصية الأم شديدة القسوة لافونا.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات