.

عدوان ثلاثى يرسخ أرض سوريا كساحة لتصفية الحسابات وتقاسم النفوذ الدولى

Foto

لماذا استبقت الدول الثلاث نتائج تحقيقات وفد منظمة حظر الأسلحة الكيماوية؟ كيف كانت رسائل العدوان على سوريا موجهة بالأساس إلى روسيا وإيران؟


جاء العدوان الثلاثى الجديد الذى قادته الولايات المتحدة بشراكة بريطانية فرنسية بقصف صاروخى بما يزيد على 100 صاروخ ضد مواقع عسكرية ومراكز بحثية وأماكن تخزين فى دمشق وحمص، لتمثل خطوة جديدة فى سلسلة تنازع النفوذ وفرض الإرادات وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية ما بين القوى المتصارعة التى اتخذت من سوريا ساحة لمعاركها.

الهجوم الذى شنته الدول الثلاث رغم خطورة دلالاته وآثاره فإنه بدا محدودا مقارنة بحرب التصريحات والإدانات المتبادلة التى استمرت على مدى الأسبوع الماضى والتى كانت تنذر بتصعيد قد يبلغ مدى خطيرا وغير مسبوق على صعيد المواجهة الدولية القائمة، كما لا يبدو واضحا مدى دقة تأثيره على استهداف قدرة النظام السورى على استخدام السلاح الكيماوى وفقا لمزاعم الدول المعتدية والتى قالت إن هذا هو الهدف من عدوانها ونفت تماما أن يكون المستهدف هو إسقاط نظام الأسد، ومع ما يبدو مؤكدا من إجرام نظام الأسد فى حق الشعب السورى على مدار السنوات الماضية، إلا أن مزاعم استخدام السلاح الكيماوى فى دوما تبدو بلا دلائل واضحة ولا متماسكة حتى الآن، تماما مثلما كانت مزاعم استخدامه فى إدلب فى أبريل من العام الماضى التى دفعت واشنطن وقتها لقصف مطار الشعيرات أيضا، لكن كلا الضربتين تبدو لهما أهداف بعيدة تماما عن الدفاع عن الشعب السورى أو تقويض قدرات نظام الأسد العسكرية، بل بالأساس تبدو فى إطار الدفاع عن نفوذ ومصالح أمريكا وصورتها كشرطى يحمى العالم مقابل أن يتحمل كل طرف سداد نصيبه وفقا لنهج ترامب المعلن، كما يمثل الصراع مع روسيا والقلق من تصاعد نفوذها سواء فى سوريا أو فى غيرها من الملفات، الدافع الأساسى هذه المرة وراء مشاركة كل من بريطانيا وفرنسا فى الضربة فى ظل تصاعد التوترات الأوروبية الروسية بالذات على خلفية الاتهامات بمحاولة اغتيال العميل الروسى سكريبال، كذلك يبدو الحضور الإيرانى فى المنطقة فى سوريا وغيرها واحدا من أهم الدوافع وراء هذه الضربة، خصوصا فى ظل موقف ترامب وإدارته من إيران والحديث حول مراجعة الاتفاق النووى معها، وكذلك فى ظل التقارير التى تحدثت عن مطالب أمريكية لروسيا بالضغط على إيران لسحب وجودها من سوريا تفاديا لتنفيذ الضربة الأخيرة.
من هنا يبدو واضحا تماما لماذا سارعت الأطراف الثلاثة لتنفيذ ضربتهم دون انتظار لقرار من مجلس الأمن خصوصا فى ظل ما هو متوقع وجرى بالفعل من تصدى روسيا بحق الفيتو لأى قرار قد يمثل غطاءً دوليا لأى هجوم على سوريا، كما يبدو واضحا أيضا لماذا لم تنتظر تلك الأطراف نتائج تحقيق وفد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذين كان يفترض بدء زيارتهم إلى دوما بعد ساعات من تنفيذ الضربة، ويبدو واضحا كذلك أسباب اقتصار تلك الضربة على مواقع محددة دون التوسع فيها أو مدها خشية التورط فى مواجهات مباشرة مع روسيا وإيران لأن ذلك ليس الهدف، ولا امتداد آثار العملية لإسقاط بشار الأسد ونظامه كما كان يتمنى بعض متوهمى أن الحل هو التدخل الأجنبى لتحقيق ذلك الغرض، خصوصا فى ظل ما يبدو واضحا منذ فترة طويلة ومنذ دخول روسيا بشكل مباشر فى الملف السورى من أن بشار الأسد سوف يظل جزءا من أى مفاوضات سياسية محتملة للتوصل إلى تسوية للوضع فى سوريا وحتى وإن لم يستمر بعدها، وهو ما صار أمرا معلنا ومعترفا به من غالبية القوى الدولية والإقليمية المتصارعة على أرض سوريا.
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يهرب من أزماته الداخلية والاتهامات الموجهة له حول علاقته بروسيا وتدخلاتها فى الانتخابات الأمريكية التى جاءت به رئيسا، ويُصعد من مواجهته مع إيران فى ظل إجراءاته المقبلة المنتظرة إزاء الاتفاق النووى معها، ويحصد الثمن من الحلفاء الخليجيين والعرب، وشريكاه الأوروبيان يكرران خطايا من سبقوهم بالتورط فى العدوان العسكرى على دولة عربية وفى ذات الوقت يوجهان رسائل مباشرة وواضحة لروسيا، فضلا عن البحث عن مساحات تقارب وتفاهم أوسع مع ترامب وإدارته حول الملف الإيرانى ربما سعيا لمنع تصعيد قد تكون له عواقبه لاحقا، ومن هنا كان اتفاقهم جميعا على ضربة محدودة ومركزة وقصيرة لا تورطهم فى صدام مباشر مع روسيا من ناحية، ولا تغير شيئا على صعيد التوازنات السياسية أو العسكرية فى سوريا ولا تقترب من بقاء الأسد من عدمه.
الصراع إذن ليس له أدنى علاقة بالانحياز للشعب السورى والدفاع عن حقوقه أو حمايته من استخدام أسلحة كيماوية أو غيرها، بل هو فى حقيقته تصفية حسابات من ناحية، وتوزيع مراكز القوة والنفوذ والتأثير فى حسم مسارات الملف السورى خصوصا والمنطقة بشكل عام، ومن هنا يبدو غريبا إصرار البعض على النظر للعدوان الثلاثى باعتباره انحيازا للإنسانية أو دفاعا عن الشرعية الدولية، بنفس القدر الذى يبدو فيه مدهشا تصور أن الانحياز للحلف المقابل هو السبيل الصحيح للدفاع عن سوريا وطنا وشعبا.
عربيا يبدو الوضع شديد البؤس، متجاوزا مرحلة العجز إلى التواطؤ، بل والشراكة المباشرة من بعض الأطراف، فالضربة التى جاءت قبل يوم واحد من انعقاد القمة العربية فى السعودية، سبقتها إعلان كل دولة لموقفها بشكل منفرد دون انتظار ليكون هناك موقف عربى جماعى لا يبدو ممكنا ولا محتملا فى ما يتعلق بسوريا، فمن التأييد الكامل المعلن للضربة الذى تبنته بعض الدول مثل السعودية والبحرين وقطر على سبيل المثال، إلى اكتفاء دول مثل مصر والأردن بالتعبير عن قلقها والدعوة للحل السياسى، بينما لم نرَ إدانات مباشرة لما جرى فى سوريا سوى من العراق ولبنان رغم كونه يمثل انتهاكا مباشرا للقانون الدولى والسيادة السورية التى صارت منتهكة من الجميع، وربما كانت أصوات معارضين فى أمريكا وبريطانيا أعلى من أصوات الدول العربية مجتمعة، التى صار أغلبها شريكا مباشرا فى ما يجرى فى سوريا طوال السنوات الماضية دون أن يكون له أثر حقيقى فى صياغة معادلات أى حلول تنهى الأزمة السورية، بينما يكتفى البعض الآخر بدور المتفرج وربما التواطؤ.
المدهش أنه فى ظل كل ذلك تبدو معارك صغيرة بين البعض تصر على ضرورة الانحياز لطرف ضد الآخر، وكأنهم ليسوا جميعا مجرمين فى حق الوطن والشعب السورى، وليسوا جميعا مهددين لهدف استقرار سوريا ووحدة أراضيها، نظاما ومعارضته، حلفاءً وخصوما، غربا وعربا، ومع ذلك يصر البعض على ضرورة الانحياز لطرف فى مواجهة الآخر، فى قفز مدهش على مجمل الأسباب والتطورات التى دفعت بالمشهد السورى إلى هذا الوضع، وتماهٍ عجيب مع فكرة المزج بين «النظام» و«الوطن»، وتفرقة غريبة بين أطراف كلها لا تبحث سوى عن نفوذها ومصالحها ولا يهمها من أمر سوريا ولا شعبها شيئا، ووهم خرافى حول انحياز قوى دولية مثل الولايات المتحدة أو غيرها إلى حق الشعب السورى فى الحياة والأمان والحرية، ودون التفات لحقائق ووقائع ما جرى من قبل فى دول أخرى، ولا انتباه حتى لطبيعة أهداف كل طرف فى سوريا نفسها التى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بمصلحة الشعب السورى وحقوقه، وهو وحده من يدفع ثمن كل تلك المآسى التى يُسهم الجميع فى تزايدها واستمرارها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات