«قبِّل بنتًا حزينة».. بس بالأصول

Foto

لماذا اختار بطل إحدى القصص أن يصبح شيخًا متطرفًا للانتقام من حبيبته التى أصبحت ممثلة؟


مَن يحب القراءة عن الحب، مَن يعشق القراءة فى العشق، سيأخذ فى قراءة هذه المجموعة القصصية ساعةً على الأكثر.

عوّدتنى حبيبتى أن أقدس الأشياء الصغيرة الرقيقة، وهذا الكتاب كذلك، ٧ قصص فقط تحتل ١٠٠ صفحة وربما أقل، تليق بالعاشق المجروح وكل مَن «أحَب ولا طالشى» أكثر مما تليق بتلاميذ فصل المتفوقين فى مدرسة الحب، لكن اطمئن فالحب ممثل هنا بكل درجاته وأنواعه.. درجاته بدءًا من الشغف والعشق حتى الغرام والهيام، وأنواعه من الحب العذرى حتى أدنى صور «الناراتوفيليا».
و«الناراتوفيليا» عنوان إحدى قصص مجموعة «قبِّل بنتًا حزينة» لحمدى عبد الرحيم، والصادرة عن «دار الشروق» عام 2017، والكلمة تعنى الولع بالبذاءة فى الفراش. يحكى هنا عَم حمدى عن بنت تلصصت فى الصغر على العلاقة الحميمة بين خادمة البيت وزوجها الذى أتى ذات مرة لزيارتها، فسمعتها تقول له: «اجعلنى عجينة بين يديك»! تعرف البنت بعد ذلك أن أمها تكره الخادمة؛ لأن -على حد قول الأخيرة- «الهانم تغار منى لأن سريرها بارد أخرس». وهكذا تشكل الوعى الجنسى للبنت.
حين تزوجت خبيرًا زراعيًّا خشنًا لا يخلو من نعومة، شاربه معطر برائحة سجائره، عشقت فيه الوقاحة أكثر من أى شىء آخر، كان يقتحمها بألفاظه الخادشة للحياء، وبعدما ضربها ذات ليلة وطُلقت منه، قالت عن فراشه: «كنت يومًا لبؤته التى لا يدخلها قبل أن يقبّل أصابع قدميها، كان يعطرنى بيديه، كان يضفّر لى شعرى، كان وانتهى ولابد أن أهزمه هزيمة مُذلة».
اتخذت من بعده زوجًا من فصيلة أخرى، جراح أشقر حليق اللحية والشارب، تحكى أنه كان يدخلها بآليّة كأنه يمسك مشرط جراحته، فكانت ترقد تحته وخيالها يأخذها أسفل من كانت لبؤته! لم تستطع التخلص من ذكراه، كرهته، طاردته حتى أرهقتها المطاردة، ولما خضعت للعلاج النفسى، أخبرتها الطبيبة: «أنتِ مصابة بالناراتوفيليا.. تحتاجين إلى رجل يدخلك وهو يهمس فى أذنك بأنك لبؤته المستحيلة»!
يحسن حمدى عبد الرحيم اختيار أسماء أغلب قصصه، تحقق هذا فى أول قصص المجموعة «اسمها صفاء» التى بعد الانتهاء من قراءتها ستدرك أنه ليس اسمها فقط!
لم يُصلِّ مَن هرول إلى خارج المسجد فور انقضاء الصلاة، ولم تسحره السينما مَن غادر قاعة العرض لحظة انتهاء الفيلم.. كلاهما خرج كما دخل، بلا تدبر.
هذه المرة جمعت قاعة العرض اثنين ممَّن يحرصون على المكوث قليلًا بعد «النهاية» لتذوق حلاوة المشهد الختامى، هى صفاء، وهو لا يهم اسمه، رجل كرجال كثيرين، غير أن «كل النساء اللاتى عرفهن تركن وشمًا من الخيبات على قلبه».
هَمَّا بالخروج فدعته إلى أن يسبقها، فأشار إليها بذوق أن تسبقه هى، ففعلت، وحين اقتربا وهى تعبره، تبادلا نظرتين حنونتين، فُتن بجمالها، ولما امتلأ جهازه التنفسى برائحة عطرها تجرأ فجأة ودعاها لمشروب فى كافيتريا قريبة.. إنها محاولة أخيرة «ضربة، إنْ أصابت فستأخذه ليحلّق فى السموات الصافية، وإنْ طاشت فلن يخسر شيئًا، سيبقى مغروسًا فى أرضه القاحلة». نجحت المغامرة، استجابت الوحيدة للوحيد، وبدأت قصة حب ستُتوج فى نهاية القصة بـ«قُبلة خالدة».
«أقمت بها بلا ارتحال»، ينطبق شطر أمل دنقل على بطل قصة «إلهام مولانا»، التى تطرح سؤالًا جديدًا: هل يحب ويعشق ويتعذب ابن السابعة؟
فعلها بطلنا الريفى، أصبح متيمًا بزميلته «إلهام» فى الصف الثانى الابتدائى. كان أكثر منها ذكاءً وتفوقًا فى الدراسة، بينما كانت هى أكثر موهبةً فى التمثيل من الجميع، ظهر ذلك فى مسرحية مدرسية اُختيرت فيها لأداء دور الغزالة، بينما اُختير هو لتجسيد القرد!
مرت السنون سريعًا، وأصبحت فنانة «لم يعد يقرص خدها مشجعًا معلم الابتدائى، لقد أصبح يقرص خدها بل ويُقَبّله نجم نجوم الضحك»! أما صاحبنا فقتلته الغيرة.
رأى أن الحل الوحيد ليقترب من مكانتها أن يصبح «شيئًا خطيرًا وقاهرًا ومسيطرًا»، وبذكائه فطن إلى أنه «لا التدريس ولا الطب ولا الهندسة ولا حتى الشرطة ولا الحربية ولا القضاء، لا شىء من كل هذه المهن سيجعلنى خطيرًا ومسيطرًا وقاهرًا كما أريد.. بل بشكل معاكس سيرتبط نجمانا، عندما يصعد نجمها فى ناحية فإن نجمى يبزغ فى الناحية المعاكسة».
سيصبح شيخًا من هؤلاء السلفيين المتطرفين الذين يذوقون طعم السجن، وحين تتغير ظروف البلاد يخرج، ويصبح نجمًا، ليبدأ فى مهاجمتها، يصيح على المنبر: «امنعوا عن أولادكم الفاحشة، وما الفاحشة إلا ذوات الرايات الحُمر، وما ذوات الرايات الحمر غير النسوة اللاتى يقال إنهن ممثلات»، وأصبح خطيرًا أخيرًا، بات له أتباع، نفذوا أوامره وانطلقوا نحو بيتها محاصِرين مقتحِمين، فى مشهد مرعب نجَت منه بنجاحها فى الهروب وترك المنزل للجراد المتعطش للدماء.
يُقبَض عليه، ويَركله السجان ويلقى بورقة فى وجهه، يفتحها فيجد جملة واحدة «ليس لقرد كذاب أن يحلم بغزالة».
فماذا عن القصة الرئيسية «قبِّل بنتًا حزينة»؟ فى 5 صفحات فقط يخبرك عم حمدى بقواعد وأصول الولوج إلى قلب وعقل، وربما جسد البنت الحزينة، وهى قواعد قد تنطبق على معظم البنات، فهن غالبًا نوعان: بنات حزينات، وبنات يعتقدن أنهن حزينات، وعمومًا أكثرهن يشعرن بالتحقق عند سماع أغنية تقول: «أنا نفسى ألاقى واحدة مبسوطة فى حياتها»، ربما لذلك يخبرنا «عبد الرحيم» بالقاعدة الأولى حين يقول: «إياك أن تستخف بحزنها، تعامَل معه بوصفه هوية وجودها».
«هى لا تريدك حزينًا مثلها، لا تريدك ناقمًا على الحياة مثلها، هى تحب الحياة بشبق مجنون، تريدك أن تفك عنها حصار الحزن لا أن تدخل بقدميك دائرة الحصار»، لعل هذه القاعدة الثانية.
يحذرك الكاتب من إظهار أى بادرة إشفاق، ويوصيك بأن تسمعها بقلبك لا بأذنيك، فهذه الوسيلة الوحيدة كى تستفيض هى وتحكى، وبعدما تستفيض وتحكى وتشعر أنت باطمئنانها إليك، استعِر دور المتحدث «حدِّثها عن سحرها المخبوء وعن فتنتها النائمة تحت رماد حزنها، طهرها بلطف من أدران حزنها، كن متمهلا ومتقنًا، لا تترك شجرة من أشجارها إلا وقد وقفت تحتها متأملًا».
انتهيت من الغزل العفيف؟ أتقنته؟ فماذا تنتظر؟ انطلق نحو الغزل الصريح ولا تخَف، ثم هاجمها واقتحم أسوارها، الرقة سلاحك حين تقبّل خنصرها الدقيق، والهدوء وسيلتك لتقبيل جبينها، والسرعة أفضل عندما تلثم خديها، والثقة ضرورية وأنت تتسلل إلى شفتيها «ستشعر بملوحة حزنها تسرى من شفتيها إلى شفتيك، امتص حزنها كله لكى تنعم بشَهدها، قبِّلها حتى تصفّى حزنها.. ثم ستعلمك هى كيف تكون القُبلات».
مجموعة قصصية لا تُنسى بسهولة بعد قراءتها، خصوصًا لمَن أحبطهم الحب فى غير مرة، وستدرك أنك أمام كاتب موهوب أيضًا فى القصص القصيرة جدا عند قراءة ما سمّاه «مبعثرات زمن الفقد»، لن يتغير شىء لو بدلت الاسم ليصبح «مفقودات زمن البعثرة»!
ميزة أخرى فى الكاتب أنه متعدد الثقافات، الفنون حاضرة لديه بقوة، مقطع للعندليب هنا، وآخر لفريد الأطرش هناك، أما السينما فحدث ولا حرج، ستجد فيلم «لديك رسالة» لميج رايان وتوم هانكس، أحد أبطال قصة بعنوان «دعوة»، وسيحضر بقوة فيلم «جسور مقاطعة ماديسون» لميريل ستريب، فى قصة قصيرة جدا ضمن «المبعثرات»، ويسأل أحد أصوات القصة: «الأمريكان الذين يبقرون بطون الحوامل، الأمريكان الذى يلهون باغتصاب البكارى، الأمريكان الذين إن لم يجدوا عدوًّا اخترعوه، كيف أنجبوا ميريل ستريب؟».
اسمح لى، أيها القارئ، قبل الختام، أن أهديك بضع مجوهرات ستعثر على أكثر منها لو قرأت «قبِّل بنتًا حزينة»:
- كثيرةٌ هى كأنها ألف جميلة.
- جاءت، وكانت أشهى من رجوع الحق لصاحبه.
- فتحت عينيها، كانتا مشرقتين بجمالٍ خالدٍ كأنها لم تذُق الشقاء قط.
- أعترف بأننى كنت أحسد البهائم وما زلتُ، حيوانات سعيدة لا تعرف شيئًا عن جنون العشق.
- وعيناى تسبحان فى قناة من مرمر تفصل بين نهديها.
- هى ليست صديقة كما أنها ليست حبيبة كما أنها ليست عشيقة، ويقينًا ليست عابرة سبيل.
- أنت لست رجلًا، أنت الرجل.
- ليلة ضائعة بلا قمر، يرتعش فيها رجل ضائع ذاهب إلى امرأة ضائعة، مرحى بكل هذا الضياع.
- أنتِ واحة الراحة، فلماذا تسكبين على قلبى قلقًا لا ينقصه؟
- كانت أحزن لياليه ليلة بلوغها الأربعين، لن يشهد معها ميلاد أول شعرة بيضاء فى رأسها.

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات