.

لمسة ستيفين سبيلبرج السحرية فى عالمنا الافتراضى

Foto

كيف أبرز الفيلم مأساة استغلال الرأسمالية للشعوب الهاربة إلى الواقع الافتراضى؟ كيف ساعدت الموسيقى التصويرية فى خلق عالم ملائم للصورة السينمائية؟


نعيش تلك الفترة حالة هروب جماعى متفق عليه مسبقًا من الحياة الواقعية إلى عوالم أخرى افتراضية صنعها مخترعوها بحرفية شديدة تجعلنا ننجذب إليها ونغيِّر من معالم شخصياتنا وتاريخنا بالأشكال التى نفضل أن نكون عليها، لا نستطيع إنكار حقيقة واضحة مثل هذه، الحقيقة المتمثلة فى مواقع التواصل الاجتماعى وألعاب الفيديو التى تضع اللاعبين داخل أجواء اللعبة نفسها وصراعاتها وسعادته بالربح وحزنه للخسارة وكأنه فى لعبة حقيقة لا تمت إلى الواقع الافتراضى بصلة، حيث تبدأ الصراعات التنافسية والاقتصادية حول أى من الشركات تمتلك الكم الأكبر من الألعاب المثيرة والتى تجنى منها أرباحًا عظيمة، بالإضافة إلى السعى وراء التطور فى تقنيات الواقع الافتراضى لجذب أكبر عدد من الأشخاص راغبى الهروب خارج نطاق حياتهم الواقعية، وإلى أى مدى يجدون الرضا عن حياتهم الافتراضية من خلال الألعاب، وهذا بالتحديد ما يدور حوله أحداث الفيلم «Ready Player One» المستوحاة من أولى روايات الكاتب أرنست كلاين الصادرة فى 2011 بعد بضعة عقود فى المستقبل وتحديدًا فى عام 2045، حيث الوقت المحبط للبشرية التى تعيش فى ظلام وانعزال، لذلك اتجهت الجموع إلى العيش فى عالم من الواقع الافتراضى، داخل لعبة فيديو، إذ يصنع كل إنسان على الأرض شخصية رمزية واسمًا مختلفًا عن اسمه الحقيقى، حيث يعيش هؤلاء داخل لعبة تدعى «oasis» (الواحة)، تلك اللعبة التى صنعها وقام بتصميمها العالم هاليدى/ مارك ريلانس، والذى خبَّأ فى اللعبة بيضة الفصح الذهبية، والتى من شأنها إعطاء الحق لمَن يجدها بأن تتحول ملكية اللعبة إليه، بالإضافة إلى نصف ترليون دولار هى ثروة هاليدى، لذلك تحمَّست الشركات المنافسة لدخول اللعبة والبحث عن البيضة الذهبية ونقل ملكية اللعبة الأشهر فى العالم إليها، ويبدأ الصراع عندما ينتهى هاليدى من شرح شروط التحدى عن طريق فيديو مجسم له لا تتم مشاهدته إلا بعد وفاته، وقد كان أن بدأ وايد/ Tye Sheridan فى خوض التحدى، حيث يلتقى فريق عمل مهتمًّا بلعبة الواحة الافتراضية، مثل مَن يحافظ على وطنه الحقيقى وليس الافتراضى فقط.

تشعر بالحنين والبؤس لأوقات ماضية فى أثناء مشاهدتك الفيلم الذى يركز على ألعاب الفيديو وشخوصها البائدة والأتارى التى اختفت منذ الثمانينيات، وشخصيات ألعاب الفيديو المحببة التى لا تنسى.
صنع سبيلبرج مزيجًا رائعًا يليق بتاريخه من شخصيات كينج كونج وجودزيلا والديناصورات، بالإضافة إلى أبطال ألعاب الفيديو، لتحقيق هذا المستوى المتكامل من العمل السينمائى المتماسك والباهر، إذ تجد الإبهار يحيط بك من خلال العرض ثلاثى الأبعاد وجودة الصورة وتفاصيلها وتصميم الشخصيات وتحريكها، الانتقال السلس بين الشخصيات داخل اللعبة وعندما يخلعون نظارات الـVR المستخدمة فى دخول اللعبة افتراضيًّا وعندما ينتقلون إلى الحياة الواقعية المرفوضة بالنسبة إليهم.
يبرز الفيلم مأساة استغلال الرأسمالية للشعوب الهاربة من الواقع الافتراضى، إذ يتمثل ذلك فى شخصية نولان سورينتو/ بين ميندلسون رئيس شركة «أى إند» أى المنافسة، والذى يسخر جيشًا من المقاتلين لتعطيل فريق عمل وايد عن البحث وإيجاد السبيل لبيضة الفصح والفوز بالتحدى لصالح شركته، حيث يصور هذا الصراع الجزء المرعب فى الفيلم ما بين جيش هالدى ونظيره سورنتو الذى لا يمتلك مكابح على الإطلاق لتغيير موقفه بكونه رجل أعمال رأسمالى ثريًّا مثل سورنتو.
نجحت الرواية الحاصلة على جائزة ألكس من جمعية اتحاد خدمات كتاب الشباب، وهو أحد أقسام جمعية المكتبات الأمريكية، حيث نجح الكاتب فى رسم الشخصيات فى أوراقه كما برع المخرج فى تصويرها، مثل شخصية وايد اليتيم التى تشبه إلى حد كبير أبطال أفلامنا المفضلة، مثل هارى بوتر وجيمس بوند نفسه البطل الخارق، لن تعرف عن بطل سبيلبرج هذه المرة سوى أنه بطل ذكى ويتيم الأبوَين وحزين يعانى من عالمه الواقعى، ومع ذلك تتعاطف معه ويميل قلبك إلى تصديقه مما يظهره أمام الشاشة من ثقافة الموروث الشعبى/ Pop Culture من وقت أن بدأت تمارس ألعاب الهروب من الواقع.
أسهمت الموسيقى التصويرية التى ألفها ألان سيلفيسترى فى خلق عالم ملائم للصورة السينمائية، بالإضافة إلى تصاعد الموسيقى فى مشاهد الإثارة، لتجعلك منجذبًا للصراعات المتتالية بلا توقف أو شعور بالملل، كما أجاد فريق عمل صور الكمبيوتر/ CGI رسم الشخصيات الجسدية للممثلين الفعليين، لتجد أنه ليس هناك فرق يستدعى الإشارة إليه.
فيلم سبيلبرج الجديد يعد عودة من فيلم «The post» إلى أفلام ET وحديقة الديناصورات وسلسلة إنديانا جونز التى اتسمت بالإثارة والخيال العلمى والدراما، لأنك تجدها جميعًا فى فيلم «ready one player» الذى أتوقع له تصدر شباك التذاكر لفترة طويلة، لأنه ربما تصلك آراء سلبية عن الفيلم، ولكن لم تصلك عن مخرج الفيلم.

 

يا ساده هذه ليست أحاديث نبوية

تحفيزات